< حملات تضليل: من يقود «الذباب الإلكتروني» في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

حملات تضليل: من يقود «الذباب الإلكتروني» في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران؟

حملات تضليل
حملات تضليل

​تتصاعد في الآونة الأخيرة حدة المواجهات الافتراضية التي تتجاوز حدود النقاش العفوي لتتحول إلى حملات تضليل ممنهجة تستهدف تزييف الواقع وتضخيم الروايات السياسية المتصارعة في الشرق الأوسط. فقد باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لجيوش من الحسابات الآلية التي تعمل وفق هندسة دقيقة لتوجيه المستخدم العربي نحو تبني مواقف منحازة، مستغلة الثغرات التقنية في الخوارزميات لتصدير مشهد وهمي يوحي بوجود إجماع شعبي حول قضايا خلافية شائكة ومصيرية.

​حسب تقرير لـ "بي بي سي تقصي الحقائق"، كشفت التحليلات المعمقة لبيانات منصة "إكس" عن وجود شبكتين متوازيتين تعملان في اتجاهين متعاكسين تماماً لكنهما تشتركان في نفس الأساليب التقنية الملتوية. تعمل الشبكة الأولى على ضخ كميات هائلة من المحتوى المؤيد لطهران وحلفائها الإقليميين، بينما تكرس الشبكة الثانية جهودها لترويج سرديات مناهضة للسياسات الإيرانية، مما يخلق حالة من الاستقطاب الحاد الذي يغيب فيه صوت الحقيقة وسط ضجيج الحسابات الوهمية والمنسقة.

الذكاء الاصطناعي في خدمة التزييف الرقمي

​تعتمد هذه المجموعات المنظمة في عملها على أحدث تقنيات الأتمتة التي تتيح لها نشر آلاف التغريدات في أجزاء من الثانية، مما يجعلها تتصدر قوائم التفاعل وتوهم المستخدمين بصدقية المحتوى. وتظهر المؤشرات الفنية أن هذه الحسابات ليست أفراداً يعبرون عن آرائهم بحرية، بل هي أدوات ضمن حملات تضليل كبرى تستخدم برمجيات متطورة لمحاكاة السلوك البشري، معتمدة على تكرار الصياغات اللغوية واستخدام وسوم موحدة يجري رفعها بشكل مصطنع إلى قائمة التريند العالمي والمحلي.

​يرى الخبراء في علوم البيانات أن التطور المذهل في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي منح هذه الشبكات قدرة فائقة على إنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة تبدو حقيقية تماماً للعين غير الفاحصة.

وقد رصد المحللون صوراً مولدة حاسوبياً تزعم وجود أهداف عسكرية وهمية أو انفجارات في مدن كبرى، وهي مواد بصرية يجري تداولها مئات آلاف المرات عبر الحسابات المرتبطة بتلك الشبكات، مما يساهم في نشر الذعر وتوجيه الغضب الشعبي نحو اتجاهات سياسية محددة مسبقاً.

بنية الشبكات المنسقة وآليات البث المركزي

​كشف التحليل الإحصائي لأكثر من مائتي ألف منشور أن هذه المنظومات الرقمية تمتلك بنية مركزية واضحة، حيث يقود عدد محدود جداً من الحسابات المؤثرة النشاط الفعلي لإنتاج المحتوى الأصلي. وتعمل آلاف الحسابات التابعة كـ "صدى" لهذه المراكز، حيث تقتصر مهمتها على إعادة النشر الفوري وبكثافة غير طبيعية، مما يعزز من وصول الرسالة السياسية لملايين المستخدمين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بسردية واحدة تتكرر أمام أعينهم في كل مكان وبأشكال متنوعة.

​إن التدقيق في أسماء المستخدمين وتواريخ إنشاء هذه الحسابات يكشف عن أنماط تثير الريبة، حيث تحمل الكثير منها أسماء مكونة من سلاسل عشوائية من الأرقام والحروف التي تميز الحسابات المنشأة آلياً. وتؤكد هذه الأنماط أننا أمام حملات تضليل لا تعتمد على الإقناع المنطقي، بل على الإغراق المعلوماتي الذي يهدف إلى إنهاك المتلقي وتشتيت قدرته على التمييز بين الخبر الصادق والدعاية الموجهة التي تخدم أطرافاً دولية وإقليمية مجهولة الهوية حتى الآن.

الاستقطاب الجيوسياسي وتزييف الهوية الوطنية

​تستغل الشبكات المناهضة لإيران الرموز الوطنية لدول الخليج بشكل مكثف، حيث تضع صور القادة والأعلام الوطنية في ملفاتها الشخصية لإضفاء صبغة من الشرعية والولاء على نشاطها الرقمي المنسق. وتعمل هذه الحسابات على تضخيم الانتقادات الموجهة للنظام الإيراني وتداول أنباء عن تهاوي اقتصاد طهران أو قرب سقوط حكومتها، مستخدمة في ذلك وسوماً هجومية يجري تفعيلها عبر آلاف الحسابات التي يبدو أنها تدار من مراكز تحكم موحدة وموجهة سياسياً.

​على المقلب الآخر، تبرز الشبكات المؤيدة لطهران بصور قادة "محور المقاومة" والشعارات العسكرية والمذهبية، مركزة نشاطها في مناطق جغرافية محددة مثل اليمن والعراق، لترسم صورة للصراعات الإقليمية كفعل مقاوم خالص. وتساهم هذه الحسابات في تغذية حملات تضليل مضادة، تزعم تحقيق انتصارات عسكرية وهمية أو تعرض مقاطع فيديو قديمة من دول بعيدة على أنها أحداث جارية في قلب الصراع، مستغلة العاطفة الدينية والسياسية للجمهور المستهدف لإخفاء الحقائق الميدانية المغايرة.

تطور الذباب الإلكتروني وساحات الحروب الافتراضية

​يؤكد المتخصصون أن ما نشهده اليوم هو الجيل الثالث من "الذباب الإلكتروني"، وهو جيل لا يكتفي بإعادة النشر بل يمتلك القدرة على خلق محتوى خاص يبدو عضوياً ومقنعاً بشكل كبير. وتعد هذه الأجيال الجديدة هي الأخطر في مسار حملات تضليل الوعي، لأن بصمتها الرقمية فريدة وغير مرتبطة بمصدر واحد يسهل تتبعه، مما يجعل منصات التواصل الاجتماعي تتحول من مساحات للحوار إلى ساحات معارك استخباراتية تستخدم الكلمات والصور كأدوات للضغط والتغيير السياسي.

​في نهاية المطاف، يبقى المستخدم العادي هو الضحية الكبرى في هذه الحروب الافتراضية التي لا تلتزم بأي معايير أخلاقية أو مهنية في تداول المعلومات والأنباء المتعلقة بمصير الشعوب واستقرار المنطقة. إن الوعي بوجود هذه الشبكات وفهم آليات عملها المنسقة هو الخط الدفاعي الأول ضد المحاولات المستمرة لتزييف الواقع، حيث تظل الحقيقة هي الغائب الأكبر وسط سيل من المنشورات المؤتمتة التي تسعى جاهدة لاختطاف العقول وتوجيه العواطف في فضاء رقمي متلاطم الأمواج.