دائرة النار المحيطة بالمرشد: من يملك مفاتيح الحرب والسلام في إيران؟
تشهد المنطقة تحولات دراماتيكية تتصدر مشهدها إيران التي تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي تحت قيادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، حيث ترسم التطورات الميدانية ملامح مرحلة مغايرة تماماً لما سبقها من عقود. وتتجه الأنظار نحو العاصمة طهران التي تدير حالياً مواجهة معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية، وسط محاولات مستمرة لتثبيت أركان النظام في ظل ضغوط دولية وإقليمية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث.
حسب تقرير لـ«الشرق الأوسط»، كشفت مصادر دبلوماسية غربية عن ملامح الحلقة الضيقة التي تمسك بزمام القرار في إيران، مؤكدة أن مجتبى خامنئي ليس طارئاً على مراكز القوة. فقد ظل لسنوات طويلة جزءاً أصيلاً من مطبخ القرار في مكتب والده الراحل، وبنى شبكة علاقات معقدة مع جنرالات الحرس الثوري، مما منحه شرعية عسكرية قوية تتيح له قيادة البلاد في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة حالياً.
وتبرز شخصية محسن رضائي كأحد أعمدة النظام في إيران بعد تعيينه كبيراً للمستشارين العسكريين للمرشد الجديد، وهو الرجل الذي يوصف بمهندس "تجرع السم" في عهد الخميني. ويمتلك رضائي خبرة واسعة في تقدير اللحظة التي تصل فيها القوات المسلحة إلى حافة الإنهاك، مما يجعله الشخصية الأكثر تأثيراً في تحديد توقيت أي مفاوضات جدية لوقف إطلاق النار، بناءً على حسابات الربح والخسارة العسكرية والسياسية للنظام.
جنرالات الحرب وصناعة القرار في طهران
تضم الدائرة القريبة من مركز القرار في إيران أسماء وازنة يقودها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي أثبت حضوراً قيادياً لافتاً خلال فترات التصعيد العسكري الأخيرة. وبجانبه يبرز الجنرال أحمد وحيدي، القائد الأسبق لفيلق القدس، كحلقة وصل بين الإدارة المدنية والعسكرية، مما يعزز من تماسك الهرم القيادي للنظام الإيراني ويمنع أي تصدعات قد تنتج عن الضربات الخارجية المتلاحقة التي تستهدف البنية التحتية الدفاعية للبلاد.
كما يلعب الجنرال رحيم صفوي والجنرال علي عبد اللهي أدواراً حيوية في تنسيق العمليات العسكرية على مستوى الأركان، لضمان استمرارية الزخم الميداني لسياسة إيران الدفاعية والهجومية. وتكتمل هذه الحلقة بوجود قادة الوحدات النوعية مثل مجيد موسوي قائد القوة الصاروخية وعلي رضا تنكسيري قائد القوة البحرية، وهما المسؤولان عن تنفيذ استراتيجية الردع التي تعتمد عليها طهران في تهديد الممرات المائية الحيوية والأهداف الاستراتيجية البعيدة.
ويرى المراقبون أن النظام في إيران نجح حتى اللحظة في الحفاظ على تماسك مؤسساته العسكرية رغم كثافة الضربات التي تعرضت لها ترسانته الصاروخية ومصانع الدفاع. وقد أظهرت القيادة العسكرية مرونة في إعادة تموضع القوات وتفعيل خطط الطوارئ المعدة سلفاً، والتي تهدف بشكل أساسي إلى جعل أي حرب شاملة باهظة التكاليف ليس فقط على الخصوم المباشرين، بل على الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة الدولية برمتها.
استراتيجية الهاوية والرهان على أسعار النفط
تعتمد الاستراتيجية الراهنة التي تنتهجها إيران على ركيزتين أساسيتين تهدفان إلى إرباك المجتمع الدولي ودفع القوى العظمى للضغط من أجل وقف القتال. وتتمثل الركيزة الأولى في توسيع دائرة الصراع لتشمل دول الجوار عبر المسيرات والصواريخ، بينما تركز الثانية على إثارة اضطرابات في مضيق هرمز، مما قد يدفع أسعار النفط نحو حاجز 200 دولار للبرميل، وهو السيناريو الذي تخشاه العواصم الغربية بشدة في الوقت الراهن.
ويراهن القادة في طهران على ما يصفونه بـ "قصر نفس" الإدارة الأمريكية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية داخلية حساسة وافتقار الحرب لتغطية شعبية واسعة في الغرب. وتدرك القيادة الإيرانية أن الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة والطاقة قد يجبر واشنطن على مراجعة دعمها المطلق للعمليات العسكرية، مما قد يمنح النظام فرصة للخروج من الأزمة بأقل قدر ممكن من التنازلات السياسية أو العسكرية المؤلمة في هذه المرحلة.
في المقابل، تواصل القوى المنافسة رفع وتيرة العمليات العسكرية لإيصال رسالة واضحة للنظام في إيران مفادها أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى تدمير كامل للقدرات الدفاعية. ويبدو أن الاستراتيجية الدولية قد تحولت من فكرة إسقاط النظام بشكل مباشر إلى سياسة "الإنهاك المنظم"، التي تهدف إلى إضعاف الآلة العسكرية الإيرانية لدرجة تجبر كبار العسكريين على قبول تسوية سياسية شاملة تنقذ ما تبقى من هيبة الدولة.
خيارات الإنقاذ وتحديات الاستقرار الداخلي
يواجه المرشد الجديد تحدياً شخصياً يتمثل في صعوبة إظهار المرونة في بداية عهده، خشية أن يُفسر ذلك على أنه ضعف في شخصيته القيادية أمام الحرس القديم. ومع ذلك، فإن الخوف من أن يؤدي الإنهاك العسكري إلى اندلاع اضطرابات داخلية واسعة قد يغير الحسابات تماماً، حيث يدرك كبار الجنرالات أن بقاء النظام يمثل الأولوية القصوى التي قد تتطلب في النهاية "تجرع السم" مرة أخرى لحماية الوجود السياسي للدولة.
وتشير التقارير إلى أن استهداف الأهداف المدنية والمنشآت الحيوية قد يعود بنتائج عكسية مدمرة على طموحات إيران الإقليمية، نظراً للرصيد الدبلوماسي القوي الذي تتمتع به دول الجوار. وهذا الضغط الدولي المتزايد قد يشكل في نهاية المطاف جداراً صلباً يجبر طهران على الانكفاء، لتكتشف بعد صمت المدافع أن مغامراتها العسكرية قد أعادتها سنوات طويلة إلى الوراء، وحرمتها من مكاسب اقتصادية وسياسية كانت في متناول اليد قبل التصعيد.
إن المشهد الحالي يضع المنطقة فوق صفيح ساخن، حيث تظل كافة الاحتمالات مفتوحة بين التوصل لاتفاق ينهي النزاع أو الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة الأمد. ويبقى القرار النهائي معلقاً بيد تلك الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد، والتي توازن حالياً بين أيديولوجيا الصمود وبين الواقعية السياسية التي تفرضها موازين القوى على الأرض، في ظل ترقب عالمي لما ستسفر عنه الأيام القادمة من تحولات في قلب النظام.