أزمة مضيق هرمز: تباعد الحلفاء وتحديات حماية الملاحة العالميه
يعكس رفض عدد من حلفاء الولايات المتحدة الاستجابة لطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال سفن حربية للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز مؤشرًا مهماً على التحولات التي طرأت على بنية التحالفات الغربية وطبيعة إدارة الأزمات الأمنية في الخليج، فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات البترول العالمية ظل لعقود أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إلا أن ردود الفعل الأوروبية والآسيوية على الطلب الأمريكي كشفت قدراً واضحاً من التحفظ السياسي والاستراتيجي حيال الانخراط في ترتيبات عسكرية قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع ايران
وتشير التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية إلى أن عدداً من الحلفاء الرئيسيين لواشنطن لم يُبدِ استعداداً لإرسال قطع بحرية إلى المنطقة، وفي مقدمتهم المانيا وفرنسا حيث أوضحت حكومات هذه الدول أن المشاركة في قوة بحرية في المضيق ليست مطروحة في الوقت الراهن،وحتى الدول الأوروبية الأكثر انخراطاً تقليدياً في العمليات البحرية الدولية، مثل بريطانيا لم تعلن التزاماً واضحاً بالمشاركة العسكرية، مكتفية بالحديث عن متابعة التطورات ودراسة الخيارات السياسية والأمنية المتاحة.
ولا يقتصر هذا التحفظ على الدول الأوروبية وحدها، بل يمتد أيضاً إلى بعض القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا. فاليابان على الرغم من اعتمادها الكبير على نفط الخليج الذي يمر عبر المضيق، أوضحت أنها لا تعتزم إرسال سفن حربية للمشاركة في قوة بحرية لتأمين الملاحة. ويرتبط هذا الموقف بحسابات سياسية ودستورية تحكم استخدام القوة العسكرية خارج الأراضي اليابانية، فضلاً عن حرص طوكيو على تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية قد تؤثر في علاقاتها مع دول المنطقة.
أما الصين فقد اتخذت موقفاً أكثر ميلاً إلى الدعوة للتهدئة، حيث ركزت تصريحاتها الرسمية، كما نقلتها وسائل الإعلام الغربية، على ضرورة خفض التصعيد والحفاظ على حرية الملاحة من خلال الوسائل الدبلوماسية، ورغم أن الصين تعد من أكبر المستوردين للبترول من منطقة الخليج، فإن سياستها التقليدية تميل إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر في أزمات الشرق الأوسط، مع تفضيل الحلول السياسية التي تحافظ على الاستقرار الإقليمي وتحمي مصالحها الاقتصادية.
وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع أسعار البترول، حيث بلغ سعر برميل البترول نحو ١٠٦ دولارات، مع توقعات بإمكانية وصوله إلى أكثر من ١٥٠ دولاراً وربما أكثر إذا ما استمرت الحرب وتصاعدت التوترات في المنطقة، ما يعكس الأثر المباشر للأزمة على أسواق الطاقة العالمية ويزيد الضغوط على الاقتصاد الدولي
وتبرز في خلفية هذه المواقف التي تتخذها العديد من الدول مخاوف واضحة من أن تتحول مهمة “حماية الملاحة” إلى انزلاق تدريجي نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، فالمضيق، بحكم طبيعته الجغرافية الضيقة وقربه من السواحل الإيرانية، يمثل بيئة عملياتية شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي احتكاك محدود بين القطع البحرية أن يتطور بسرعة إلى مواجهة أوسع. ولهذا ترى بعض العواصم الغربية أن توسيع الوجود العسكري في هذه المنطقة قد يزيد من احتمالات التصعيد بدلاً من أن يحقق الاستقرار المطلوب لحركة التجارة الدولية.
كما يعكس هذا الموقف بعداً قانونياً وسياسياً مهماً، إذ يشير عدد من المسؤولين في الدول الحليفة لواشنطن، وفق ما نقلته الصحافة الغربية، إلى أن أي عملية عسكرية واسعة لتأمين المرور في المضيق ينبغي أن تستند إلى إطار قانوني دولي واضح، سواء عبر تفويض من مجلس الأمن أو من خلال ترتيبات جماعية متفق عليها بين الدول المعنية. وفي غياب مثل هذا التفويض، تخشى تلك الحكومات أن يُنظر إلى المشاركة العسكرية على أنها اصطفاف في حرب إقليمية، وليس مجرد مساهمة في حماية حرية الملاحة الدولية.
ومن ناحية أخرى، يفسر بعض المحللين في الصحافة الأمريكية هذا الموقف بوصفه انعكاساً لتراجع درجة الثقة السياسية بين واشنطن وبعض حلفائها التقليديين، فالكثير من الحكومات بات يميل إلى قدر أكبر من الاستقلالية في القرارات الأمنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأزمات الشرق الأوسط التي تنطوي على مخاطر استراتيجية عالية، وقد عززت السنوات الأخيرة هذا الاتجاه، حيث أصبحت الدول الحليفة أكثر حذراً في الانخراط في عمليات عسكرية تقودها الولايات المتحدة ما لم يكن هناك توافق سياسي واضح داخل التحالف الغربي.
وفي المحصلة، يبدو أن الجدل الدائر حول تأمين الملاحة في مضيق هرمز لا يتعلق فقط بإدارة أزمة بحرية عابرة، بل يكشف أيضاً عن تحولات أعمق في طبيعة النظام الأمني الدولي. فالحلفاء الذين اعتادوا في مراحل سابقة الانخراط سريعاً في عمليات تقودها الولايات المتحدة باتوا اليوم أكثر ميلاً إلى تقييم المخاطر السياسية والقانونية والاستراتيجية بصورة مستقلة، وهو ما يجعل تشكيل تحالفات عسكرية سريعة أكثر صعوبة مما كان عليه الحال في أزمات سابقة في الخليج.
وبذلك فإن رفض عدد من الحلفاء إرسال سفن حربية إلى المضيق، إلى جانب مواقف القوى الآسيوية الكبرى التي فضلت الحذر والدعوة إلى التهدئة، إلى جانب تهديد الرئيس ترامب بالانسحاب من حلف الناتو وتزايد الانشقاقات بين شطري الاطلنطي ، وارتفاع أسعار البترول إلى مستويات قياسية، لا يعني التقليل من أهمية حماية حرية الملاحة الدولية، لكنه يشير إلى أن إدارة هذه المهمة لم تعد مسألة عسكرية بحتة، بل قضية سياسية واستراتيجية معقدة تتداخل فيها حسابات القانون الدولي، ومخاطر التصعيد العسكري، والتحولات المتزايدة في توازنات التحالفات الدولية.
السفير عمرو حلمي