استعراض إبداعي أم استثمار في الشبكات؟.. إعلانات "الاتصالات" تتصدر التريند..وخدمات تبحث عن رضا المستخدم
في السباق الرمضاني هذا العام تدفقت مئات الملايين من الجنيهات من ميزانيات شركات الاتصالات العاملة في السوق المصرية للهواتف المحمولة إلى شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، واستعانت الشركات بنجوم الصف الأول من الفنانين والمشاهير، وراهن كل طرف على خلطة موسيقية وعاطفية قادرة على خطف انتباه الجمهور خلال ثوانٍ معدودة في موسم يُعد الأعلى مشاهدة والأكثر تنافسية في العام.
استعراض إبداعي أم استثمار في الشبكات؟.. إعلانات "الاتصالات" تتصدر التريند..وخدمات تبحث عن رضا المستخدم
حققت الإعلانات مئات الملايين من المشاهدات، وتصدرت “التريند” لساعات وأيام، وتوالت البيانات الصحفية التي تتغنى بالأرقام القياسية ونسب التفاعل، لكن خلف هذا الضجيج الإعلاني الصاخب ظل سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: هل انعكس هذا الإنفاق الضخم على جودة خدمات الاتصالات التي ينتظرها المستخدم المصري؟.
رمضان في مصر لم يعد مجرد موسم درامي أو إعلاني، بل تحول إلى ساحة اختبار حقيقية سنوية لقوة العلامات التجارية، وشركات الاتصالات، بحكم طبيعة نشاطها المرتبط بالحياة اليومية للمواطن، تدرك أن حضورها في هذا الموسم يتجاوز الترويج لباقات أو عروض، إلى بناء صورة ذهنية متكاملة تعكس القرب من الناس والقدرة على مواكبة تفاصيل حياتهم، لذلك، لم يكن مستغربًا أن تتجه شركات الاتصالات إلى إنتاج حملات ضخمة تعتمد على قصص إنسانية مؤثرة وأغانٍ سريعة الانتشار ووجوه فنية قادرة على جذب مختلف الشرائح العمرية.
بحسب تقديرات خبراء صناعة الإعلان، فإن حجم الإنفاق الإعلاني لشركات الاتصالات خلال رمضان يلتهم نسبة معتبرة من إجمالي الإنفاق السنوي، نظرًا لارتفاع تكلفة الفواصل الإعلانية في أوقات الذروة، فضلًا عن أجور النجوم وتكاليف الإنتاج الضخم التي تشمل مواقع تصوير متعددة وتقنيات تصوير متقدمة..ويؤكد خبير التسويق الرقمي الدكتور أحمد سليم، أن: “شركات الاتصالات تتعامل مع رمضان باعتباره ذروة المنافسة على الوعي بالعلامة التجارية، وليس فقط على المبيعات المباشرة، ولذلك فهي مستعدة لتحمل كلفة مرتفعة مقابل ضمان حضور قوي في ذاكرة الجمهور”، ويلفت سليم إلى أن نجاح الإعلان في تحقيق ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة نجاحه في تغيير سلوك المستهلك أو تعزيز رضاه عن الخدمة، ويقول: “المستخدم قد يحب الأغنية ويحفظ كلماتها، لكنه في النهاية سيقيّم الشركة بناءً على جودة الشبكة وسرعة الإنترنت ومستوى خدمة العملاء، فالإعلان يخلق انطباعًا، لكن التجربة اليومية هي التي تصنع الولاء”.
ومن زاوية اقتصادية، يرى المحلل المالي محمد بدوي أن السباق الإعلاني يعكس احتدام المنافسة في سوق وصل إلى درجة عالية من التشبع، حيث باتت الشركات تتقاسم قاعدة عملاء مستقرة نسبيًا، ما يدفعها إلى التركيز على كسب حصة من العملاء المنافسين أو تعزيز استخدام الخدمات الرقمية ذات العائد الأعلى..ويضيف: “في سوق تنافسي مثل سوق الاتصالات المصري، يصبح الإعلان أداة دفاع وهجوم في آن واحد، لكنه يظل استثمارًا غير ملموس إذا لم يتزامن مع تطوير حقيقي للبنية التحتية”.
المواطن، من جانبه، لا ينظر إلى الأرقام المجردة للإنفاق أو المشاهدات، بل يقيس الأمور بمعيار بسيط: هل تحسنت جودة الاتصال في منطقته؟ هل أصبح الإنترنت أكثر استقرارًا وأقل انقطاعًا؟ هل تتناسب أسعار الباقات مع قدرته الشرائية؟، في جولات ميدانية وآراء رصدناها عبر منصات التواصل، تباينت التقييمات بين من أشاد بتحسن ملحوظ في سرعات الإنترنت خلال العامين الأخيرين، ومن اشتكى من تذبذب الخدمة في بعض المناطق الطرفية والقرى.
المهندس كريم عادل، خبير الاتصالات وتخطيط الشبكات، يوضح أن تحسين جودة الخدمة لا يرتبط فقط بالإنفاق على الأبراج أو الترددات، بل يتطلب استثمارات متواصلة في تحديث المعدات وزيادة السعات وتطوير أنظمة الإدارة الذكية للشبكات.. ويشير إلى أن أي شركة اتصالات تخصص جزءًا كبيرًا من ميزانيتها للتسويق دون أن توازن ذلك باستثمار موازٍ في الشبكة، ستواجه عاجلًا أو آجلًا تحديًا في رضا العملاء، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن المقارنة المباشرة بين الإنفاق الإعلاني والإنفاق على البنية التحتية ليست دقيقة دائمًا، لأن لكل منهما بندًا مختلفًا في الميزانية وأهدافًا مختلفة.
في المقابل، يدافع بعض المتخصصين في إدارة العلامات التجارية عن هذا المستوى من الإنفاق، معتبرين أن سوق الاتصالات لا يبيع خدمة تقنية فحسب، بل يبيع “تجربة” و”إحساسًا بالانتماء”، وتقول استشارية التسويق هبة رشاد إن الحملات الرمضانية الناجحة تسهم في تعزيز الثقة بين الشركة والعميل، ما ينعكس لاحقًا في استعداد المستخدم لتجربة خدمات جديدة مثل المحافظ الإلكترونية أو التطبيقات الرقمية، وتضيف: “الرسالة العاطفية في رمضان ليست ترفًا، بل وسيلة لبناء علاقة طويلة الأمد”.
غير أن هذه العلاقة تبقى هشة إذا لم تدعمها تجربة استخدام مستقرة، فخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت توقعات المستخدمين بشكل كبير مع التوسع في استخدام تطبيقات البث المباشر والألعاب الإلكترونية والعمل عن بُعد، ولم يعد الاتصال الصوتي هو المعيار الأساسي، بل أصبحت سرعة البيانات وزمن الاستجابة وجودة التغطية داخل المباني عناصر حاسمة في تقييم الخدمة، وهنا، تتحول المقارنة بين الشركات من أغنية أكثر انتشارًا إلى اختبار حقيقي في الأداء.
في النهاية، قد تنجح حملة رمضانية في تصدر “التريند” وتحقيق أرقام مشاهدة قياسية، وقد تتحول أغنيتها إلى نشيد يتردد في الشوارع والمنازل، لكن الحكم الحقيقي يصدر بهدوء في يوم عادي من أيام العام، حين يمسك المستخدم هاتفه ويختبر جودة الشبكة، فهناك فقط تتجسد القيمة الفعلية لكل جنيه أُنفق، سواء على إعلان لامع أو على برج جديد في قرية بعيدة.
السباق الرمضاني سيستمر، وربما تتضاعف ميزانياته في الأعوام المقبلة مع اشتداد المنافسة وتطور أدوات القياس الرقمي، لكن التحدي الأكبر أمام شركات الاتصالات في مصر سيظل في قدرتها على تحويل هذا الزخم الدعائي إلى رضا مستدام لدى العملاء، فالإعلان قد يفتح الباب، لكنه لا يستطيع وحده أن يبقي المستخدم ما لم يجد خدمة تليق بتطلعاته.