من خلف أسوار الحقيقة.. ترامب يدير «حرب الضرورة» بعقلية التاجر وقبضة الجنرال
يدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الثالث من المواجهة العسكرية المشتركة مع إيران وهو يقف على أعتاب قرارات مصيرية قد تعيد تشكيل ملامح ولايته الرئاسية الحالية بشكل جذري ومفاجئ.
بينما تشتعل جبهات القتال في الشرق الأوسط، يجد القائد الأعلى للقوات المسلحة نفسه أمام حرب اختيارية بدأت تخرج خيوطها عن السيطرة، مما يضع استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي في مهب الريح المشتعلة.
وفقاً لتقارير البيت الأبيض والمراقبين السياسيين، فإن الاستراتيجية التي يتبعها ترامب حالياً تعتمد على الفصل التام بين العمليات العسكرية وبين جدول أعماله اليومي المزدحم بالملفات الداخلية المتنوعة والمثيرة للجدل في واشنطن.
خلال ظهور علني امتد لأكثر من ساعة في أروقة البيت الأبيض يوم الاثنين الماضي، فضل الرئيس استعراض رؤيته لمشاريع إنشائية وتجديدات معمارية بدلاً من التركيز الحصري على تطورات المجهود الحربي المتصاعد.
تحدث الرئيس بإسهاب عن خطط بناء قاعة احتفالات جديدة وتطوير مركز كينيدي، متطرقاً لبطولة كأس العالم وصحة زملائه في الحزب الجمهوري، في محاولة واضحة لإظهار الثبات والسيطرة أمام الناخب الأمريكي القلق.
هذا السلوك العفوي والمتنوع يعكس شخصية ترامب المعهودة التي ترفض الانصياع لضغط الأزمات الدولية، حيث شوهد وهو يمارس رياضة الغولف في منتجعه بفلوريدا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي دون اكتراث ظاهر.
على منصة "تروث سوشيال"، اختار الرئيس تخصيص مساحات واسعة للهجوم على المحكمة العليا والقضايا القانونية، وهي مساحة زمنية تكاد توازي الوقت الذي منحه لمناقشة تداعيات الحرب الإيرانية المستعرة وتأثيراتها الجيوسياسية العميقة.
تداعيات عملية الغضب الملحمي في الحسابات الرئاسية
رغم محاولات التجاهل الإعلامي، يدرك الخبراء أن ترامب يواجه الآن درساً قاسياً تعلمه سلفه من الرؤساء، وهو أن الحروب تمتلك قدرة فائقة على استنزاف الرئاسة وتدمير الأجندات السياسية مهما بلغت قوة القائد.
تتزايد الأدلة الميدانية على أن الحرب التي وصفها الرئيس سابقاً بأنها "محسومة" قد تحولت إلى صراع طويل الأمد بجدول زمني يمتد لأسابيع أو أشهر، مما ينسف الوعود السابقة بالنصر السريع والناجز.
أعلن البيت الأبيض رسمياً تأجيل زيارة رئاسية كانت مقررة إلى الصين في أبريل المقبل، وبررت المتحدثة كارولين ليفيت هذا القرار بضرورة تركيز القائد الأعلى على نجاح عملية "الغضب الملحمي" العسكرية الواسعة.
هذا التحول في الجدول الزمني الدولي يعكس حجم التورط الأمريكي الجديد في الملف الإيراني، حيث باتت الأهداف العسكرية تتصدر الأولويات على حساب الملفات الدبلوماسية والاقتصادية الكبرى مع القوى العظمى المنافسة مثل الصين.
تستهدف العمليات الجوية الحالية شل القدرات الدفاعية الإيرانية وتأمين ممرات الملاحة الدولية، لكن النتائج على الأرض تشير إلى تعقيدات تفوق التوقعات الأولية التي بنيت عليها خطط الهجوم الخاطف في بداية التدخل العسكري.
يحاول المستشارون العسكريون في البنتاغون تقديم تقارير دورية تفاؤلية، إلا أن الواقع يشير إلى صمود في بعض المواقع الاستراتيجية الإيرانية، مما يفرض على الإدارة الأمريكية مراجعة شاملة لخططها الهجومية والدفاعية في المنطقة.
يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على تماسك التحالف الدولي في ظل تزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع لتشمل دولاً أخرى، وهو ما يسعى ترامب لتجنبه عبر رسائل القوة والتحذير المستمرة لخصومه وحلفائه.
أزمة أسعار الوقود والتهديد الاقتصادي الداخلي
يواجه الرئيس ترامب الآن معضلة حقيقية في إقناع الشارع الأمريكي بأن إدارته لا تزال تملك الحلول السحرية لمعالجة المخاوف الاقتصادية المتزايدة، خاصة مع الارتفاع الجنوني والمفاجئ في أسعار البنزين بجميع الولايات.
لقد تحولت أسعار الوقود التي كانت مصدر فخر سياسي للإدارة إلى سلاح ذو حدين يهدد المكانة الشعبية للرئيس، حيث وصل متوسط سعر الغالون إلى 3.72 دولاراً مقارنة بنحو 2.94 دولاراً قبل شهر واحد.
يؤكد المحللون الاقتصاديون أن هذا الارتفاع الحاد يمثل تهديداً مباشراً لأجندة خفض تكاليف المعيشة التي وعد بها الحزب الجمهوري، مما قد يؤدي إلى عواقب انتخابية وخيمة في صناديق الاقتراع خلال الجولات القادمة.
يرى الخبير الاقتصادي يونغ أن استمرار الحرب في مضيق هرمز سيؤدي حتماً إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن الأمريكي، وهو أمر لا يمكن التغطية عليه بالتصريحات السياسية أو الوعود التي لا تجد صدى في الواقع.
تعتمد الرؤية الجمهورية تاريخياً على الاستقرار المالي، لكن نيران الحرب الإيرانية بدأت تلتهم ثمار النمو الاقتصادي، مما يضع الإدارة في موقف دفاعي صعب أمام الخصوم الديمقراطيين الذين يترقبون أي تعثر في هذا الملف.
إذا لم ينجح البيت الأبيض في كبح جماح أسعار الطاقة، فإن الزخم السياسي الذي يتمتع به الرئيس قد يتبخر سريعاً، خاصة وأن المواطن العادي يربط دائماً بين السياسة الخارجية وتكلفة ملء خزان وقود سيارته.
تدرك الإدارة أن الوقت يداهمها، فكلما استمرت العمليات العسكرية دون حسم واضح، زادت الضغوط التضخمية التي قد تؤدي إلى ركود اقتصادي ينهي أحلام الاستقرار التي بنيت عليها الحملات الانتخابية السابقة واللاحقة.
خيار التدخل البري ومخاطر الاستنزاف العسكري
تكمن الخطورة الحقيقية في الحسابات الاستراتيجية الحالية في احتمالية توسيع العمليات العسكرية لتشمل تدخلاً برياً واسعاً، وهو الخيار الذي يلوح في الأفق مع تحرك آلاف من مشاة البحرية الأمريكية نحو المنطقة الساخنة.
قد يجد ترامب نفسه مضطراً لإشراك القوات البرية لتأمين مضيق هرمز بشكل كامل، أو السيطرة المباشرة على موانئ تصدير النفط الإيرانية الحيوية مثل جزيرة خرج، لضمان استمرار تدفق الإمدادات النفطية للأسواق العالمية.
إن محاولة الوصول إلى مكونات البرنامج النووي الإيراني وتفكيكها ميدانياً تتطلب وجوداً عسكرياً على الأرض، وهو ما يمثل نقطة تحول خطيرة قد تثير غضباً شعبياً عارماً ضد الإدارة التي وعدت بإنهاء الحروب الخارجية.
يعاني الشعب الأمريكي من إرهاق دائم نتيجة التدخلات العسكرية الطويلة في الشرق الأوسط، وأي تورط جديد في حرب برية قد يُنظر إليه كخيانة للوعود الانتخابية التي أطلقها الرئيس خلال حملاته السابقة واللاحقة.
يرى المراقبون أن الاعتماد على الحملات الجوية فقط قد يمنح الإدارة متسعاً من الوقت لاستعادة التوازن السياسي، شريطة أن تؤدي هذه الضربات إلى نتائج ملموسة وسريعة تخفض من حدة التوتر والأزمات الاقتصادية.
لا تزال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس تمثل هاجساً كبيراً، حيث يفصلنا عنها أكثر من سبعة أشهر، وهي فترة قد تكون كافية للرئيس لإيجاد مخرج للأزمة أو قد تكون كافية لغرق إدارته في مستنقع جديد.
ختاماً، يظل الرهان على قدرة ترامب في الموازنة بين لغة القوة العسكرية والحاجة للاستقرار الاقتصادي، في ظل تضاؤل فرص الحلول السهلة والسريعة مع كل يوم يمر على بداية هذه المواجهة التاريخية والمعقدة.