< في سابقة تاريخية.. ترامب يدرج التغطية الصحفية ضمن جرائم الخيانة العظمى
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

في سابقة تاريخية.. ترامب يدرج التغطية الصحفية ضمن جرائم الخيانة العظمى

ترامب
ترامب

​لم يعد الصراع في واشنطن مقتصرًا على الجبهات العسكرية الخارجية، بل امتد ليشمل حربًا مفتوحة يقودها الرئيس دونالد ترامب ضد الترسانة الإعلامية الأمريكية التي يتهمها بالفساد. وفي تصعيد غير مسبوق، وجه الرئيس انتقادات لاذعة لمؤسسات صحفية كبرى، مطالبًا بإخضاعها للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى على خلفية تغطيتها لمجريات المواجهة العسكرية الحالية مع النظام الإيراني، مما عكس حالة من الغليان السياسي.

​وحسب تقرير لصحيفة "إندبندنت" البريطانية، فإن الرئيس ترامب استغل منصة "تروث سوشيال" مساء الأحد لشن سلسلة من الهجمات اللفظية، معتبرًا أن نشر معلومات منسوبة لمسؤولين إيرانيين يمثل طعنة في ظهر الدولة. وأكدت التقارير أن هذه التهمة التي لوح بها الرئيس تعد من أخطر الجرائم في القانون الأمريكي، حيث قد تصل عقوبتها في الحالات القصوى إلى الإعدام أو السجن لسنوات طويلة.

​وجاءت هذه التصريحات الحادة بالتزامن مع انشغال الأوساط الثقافية بحفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين، حيث فضل ترامب التعبير عن استيائه من ملفات متعددة تشغل إدارته. ولم يكتفِ الرئيس بمهاجمة الصحافة، بل شملت انتقاداته رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول وبعض القضاة الذين لم تتماشَ أحكامهم مع سياساته، إضافة إلى هجومه التقليدي المستمر على قادة الحزب الديمقراطي المعارض.

​وفي قلب هذا السجال، اتهم الرئيس ترامب طهران بفبركة قصص إخبارية كاذبة حول تدمير حاملة طائرات أمريكية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة لإنتاج مقاطع فيديو وهمية.

ورأى الرئيس أن قيام وسائل إعلام أمريكية بتداول هذه الرواية الإيرانية دون تدقيق يضعها في خانة الشراكة مع العدو، مشددًا على أن القصة كانت مختلقة عن عمد بهدف النيل من الروح المعنوية للقوات المسلحة.

الحرب على "اليسار الراديكالي" وحملات التضليل الممنهجة

​وواصل الرئيس هجومه بوصف ما يحدث بأنه مؤامرة تقودها "صحافة اليسار الراديكالي" لنشر معلومات مضللة تخدم أجندات خارجية تهدف لإضعاف الموقف الأمريكي القوي في المنطقة. وأكد ترامب في منشوراته أن الولايات المتحدة تواصل إلحاق دمار هائل بالبنية التحتية الإيرانية، وهو التوصيف الذي بات يتكرر بشكل لافت في خطابات أعضاء إدارته لتأكيد السيطرة الميدانية الكاملة وتكذيب الروايات المضادة التي تنشرها الصحافة.

​إن هذه الدعوات القضائية التي يطلقها الرئيس ليست وليدة الصدفة، بل تعكس نهجًا دائمًا في التعامل مع المعارضة، إذ سبق أن دعا لمحاكمة منتقديه بتهم الخيانة. ويرى مراقبون أن استخدام ترامب لهذا المصطلح القانوني الثقيل يهدف إلى ترهيب الصحفيين ومنعهم من طرح أسئلة استقصائية حول الخسائر الحقيقية أو الجداول الزمنية للعمليات العسكرية المستمرة في الشرق الأوسط منذ أواخر فبراير الماضي.

​وتجدر الإشارة إلى أن القوانين الأمريكية تضع محددات صارمة لتعريف الخيانة، إلا أن خطاب الرئيس يسعى لتجاوز هذه الأطر التقليدية لفرض واقع جديد في العلاقة مع الإعلام. 

ويرى مؤيدو ترامب أن ما تفعله القنوات الإخبارية يتجاوز حرية الرأي ليصل إلى حدود التجسس والتخريب، بينما يخشى المدافعون عن الدستور من تحول هذه التهديدات إلى إجراءات تنفيذية تقيد العمل الصحفي بشكل دائم.

​وعلى متن الطائرة الرئاسية "إير فورس ون"، انفجر الرئيس غضبًا في وجه المراسلين الذين حاولوا استيضاح تفاصيل الصراع، واصفًا قناة "إيه بي سي نيوز" بأنها الأكثر فسادًا. 

وبدا أن ترامب غير مستعد لتقبل أي تشكيك في الرواية الرسمية للبيت الأبيض، مؤكدًا أن أي صحافي يتداول الرواية الإيرانية يضع نفسه في موقف قانوني حرج أمام القضاء الفيدرالي الذي قد يحرمه من حقوقه المدنية.

قادة البنتاجون في خندق واحد ضد العناوين "المزيفة"

​وفي سياق متصل، ظهر وزير الدفاع بيت هيجسيث كذراع يمنى للرئيس في هذه المعركة الإعلامية، حيث تبنى موقفًا هجوميًا حادًا ضد كل من يطرح أسئلة حول القوات البرية. وأكد هيغسيث في مؤتمراته الأخيرة أن الجيش يحقق تقدمًا مذهلاً، منتقدًا بشدة صحفيي قناة "إن بي سي" بسبب ما وصفه بالأسئلة الاستفزازية التي لا تخدم المصلحة الوطنية العليا في وقت الحرب الحساس.

​ولم يتوقف وزير الدفاع عند حد الانتقاد، بل سخر من العناوين الإخبارية التي تتحدث عن اتساع رقعة الصراع، واصفًا إياها بالعناوين "المزيفة" التي تفتقر للروح الوطنية الصادقة. واقترح بدلاً منها عناوين تؤكد تراجع القوة الإيرانية ولجوءها للعمل السري، في محاولة واضحة لفرض نمط معين من التغطية الصحفية يتماشى تمامًا مع تطلعات ورؤية الرئيس ترامب للمشهد الإقليمي المعقد.

​هذا التناغم بين البيت الأبيض والبنتاجون في مهاجمة الصحافة يعكس استراتيجية شاملة تهدف إلى محاصرة الروايات التي تشكك في نجاح العمليات العسكرية أو تبرز تداعياتها الاقتصادية. فبينما يركز ترامب على البعد القانوني والسياسي لتهمة الخيانة، يتولى قادة الجيش مهمة دحض التفاصيل الميدانية ووصم المحللين العسكريين المستقلين بالجهل أو العمل لصالح أجندات معادية تهدف لزعزعة استقرار الجبهة الداخلية الأمريكية.

​ويرى المحللون أن هذه الضغوط المكثفة تضع المؤسسات الإعلامية في اختبار صعب بين التمسك بالمعايير المهنية وبين الخوف من الملاحقات القضائية التي قد تنهي مسيرتها المهنية. فالتهديد بالإعدام أو السجن أو الغرامات المالية الباهظة ليس بالأمر الهين، خاصة عندما يصدر من أعلى سلطة في البلاد تمتلك القدرة على توجيه وزارة العدل لفتح تحقيقات رسمية ومعقدة ضد الأفراد والمؤسسات.

تداعيات الخطاب الرئاسي على حرية الصحافة والديمقراطية

​إن إصرار الإدارة الحالية على ربط النقد الصحفي بالخيانة العظمى يفتح الباب أمام تحولات جذرية في مفهوم الأمن القومي وعلاقته بحق الجمهور في المعرفة والوصول للحقيقة. ويخشى الكثيرون من أن تؤدي هذه السياسة إلى صمت إعلامي مطبق يتيح للسلطة التنفيذية تمرير قراراتها دون رقابة، مما يضعف الركائز الأساسية التي قامت عليها الديمقراطية الأمريكية طوال العقود الماضية في مواجهة الأزمات.

​وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يبقى السؤال معلقًا حول مدى قدرة القضاء الأمريكي على الوقوف كحائط صد أمام محاولات تجريم العمل الصحفي تحت مسميات فضفاضة كالخيانة العظمى. وبينما يستمر الصراع العسكري مع إيران، يظل الصراع الداخلي في واشنطن هو الأكثر إثارة للقلق، حيث يعاد رسم حدود العلاقة بين الحاكم ومن ينقل الخبر في مشهد يوحي بمزيد من التصعيد والصدام.

​ختامًا، تظهر هذه الأحداث أن المعركة على "الحقيقة" لا تقل ضراوة عن المعركة بالصواريخ والطائرات المسيرة، وأن ثمن الكلمة قد يصبح باهظًا جدًا في المستقبل القريب. ومع تمسك كل طرف بموقفه، يبدو أن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة من المحاكمات التاريخية التي قد تغير وجه القانون والإعلام للأبد، وسط ترقب عالمي لما ستؤول إليه الأمور في قلب القوة العظمى الوحيدة.