من بغداد إلى بيروت.. كيف حاصر مبارك وكلاء إيران في «صندوق بريد» الأمن القومي؟
لم يكن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مجرد مراقب للأحداث في الشرق الأوسط بل كان يمتلك بصيرة سياسية نافذة جعلته يدرك مبكراً طبيعة المشروع التوسعي الذي تتبناه طهران في المنطقة العربية برمتها. لقد صاغ مبارك فلسفة أمنية تقوم على اعتبار نفوذ نظام الخميني خطراً وجودياً يهدد استقرار العواصم العربية، واصفاً هذا التمدد في برقيات دبلوماسية مسربة بأنه سرطان يستشري في جسد الأمة ويجب التصدي له بكل حزم.
وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" كشفت وثائق ويكيليكس عن برقية صادرة من السفارة الأميركية بالقاهرة عام ألفين وتسعة توثق رؤية مبارك التي اعتبرت إيران التهديد الاستراتيجي الأول والوحيد. كانت تلك الكلمات تعكس قناعة راسخة لدى القيادة المصرية بأن الأطماع الفارسية لا تقف عند حدود الجغرافيا بل تسعى لهدم ركائز النظام الإقليمي العربي واستبداله بهيمنة مذهبية تقوض سيادة الدول وتثير القلاقل الداخلية والمجتمعية.
تتجلى اليوم دقة تلك الرؤية التي طرحها مبارك في ظل التصعيد العسكري العنيف الذي تشهده المنطقة عقب الضربة الأميركية الإسرائيلية المشتركة في فبراير الماضي وما تبعها من ردود فعل إيرانية. فقد شنت طهران أكثر من ألفي هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت منشآت الطاقة المدنية في دول الخليج، وهو ما يثبت أن التحذيرات المصرية القديمة لم تكن مجرد هواجس سياسية بل كانت قراءة دقيقة لمستقبل مأساوي.
إرث المواجهة وبداية القطيعة مع نظام الثورة
تعود جذور العداء بين القاهرة وطهران إلى اللحظات الأولى لاندلاع الثورة الإيرانية عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين حين قرر الإمام الخميني قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر بشكل مفاجئ. جاء ذلك القرار الإيراني رداً على توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، وهو ما اعتبره مبارك والنظام المصري آنذاك تدخلاً سافراً في القرارات السيادية للدولة المصرية، مما وضع لبنة الصراع الطويل الذي استمر لثلاثة عقود.
زاد التوتر اشتعالاً حينما أقدمت السلطات الإيرانية على إطلاق اسم خالد الإسلامبولي قاتل الرئيس الراحل السادات على أحد أهم الشوارع الرئيسية في قلب العاصمة طهران تخليداً لذكراه. وردت القاهرة في عهد مبارك باستضافة شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي وعائلته فوق أراضيها موفرة له ملاذاً آمناً وتقديراً رسمياً، ليدفن لاحقاً في مسجد الرفاعي بالقاهرة، مما كرس القطيعة النفسية والسياسية العميقة بين النظامين.
كان دعم مصر للعراق خلال حرب الخليج الأولى في الثمانينيات محوراً أساسياً في استراتيجية مبارك لمنع تصدير الثورة الإيرانية نحو الدول العربية المجاورة وحماية البوابة الشرقية للأمة. وقدمت القاهرة لبغداد دعماً عسكرياً ولوجستياً هائلاً شمل دبابات وذخائر وصواريخ سكود بي السوفيتية المتطورة بقيمة ناهزت خمسة مليارات دولار، إيماناً من القيادة المصرية بأن انكسار العراق يعني فتح الطريق أمام الميليشيات الإيرانية للعبث بالأمن القومي.
الخطوط الحمراء وحماية العمق الاستراتيجي الخليجي
لطالما ردد الرئيس الأسبق مبارك عبارته الشهيرة بأن أمن دول مجلس التعاون الخليجي هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو السماح بالمساس به تحت أي ظرف من الظروف السياسية. وكان يرى أن محاولات إيران للسيطرة على الخليج هي مقدمة للوصول إلى مصر وإنشاء خلايا تخريبية تهدف لزعزعة استقرار المجتمعات العربية من الداخل عبر توظيف الشعارات الدينية والمذهبية المتطرفة لتحقيق مكاسب سياسية.
برز هذا التوجه بشكل صارم عقب إلقاء القبض على خلية تابعة لحزب الله اللبناني في مصر عام ألفين وتسعة كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية واستهداف السفن في قناة السويس. وأكد مبارك حينها في خطاب حماسي أن مصر لن تغفر لأي طرف يمس سيادتها أو أمن حدودها، محذراً إيران بلهجة شديدة من مغبة التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ومشدداً على قدرة القاهرة على المواجهة.
لم تكن مخاوف القيادة المصرية مقتصرة على الجوانب العسكرية التقليدية بل امتدت لتشمل البرنامج النووي الإيراني الذي اعتبره مبارك تهديداً مباشراً سيؤدي حتماً إلى سباق تسلح نووي إقليمي. وأعلن بوضوح أن امتلاك طهران للقنبلة النووية سيدفع مصر والعديد من القوى الإقليمية لامتلاك التكنولوجيا ذاتها للحفاظ على توازن الرعب، مؤكداً أن القاهرة لن تقبل أبداً بأن تكون مواطناً من الدرجة الثانية في منطقتها.
تزييف الوعي والخلط بين عهدي الشاه والخميني
يبرز في المشهد الحالي تساؤل جوهري حول كيفية تأثر الشارع المصري ببعض المفاهيم المغلوطة التي تخلط بين إيران الدولة التاريخية وبين النظام الراديكالي الذي أسسه مرشد الثورة الإيرانية. وتغيب عن ذاكرة البعض التحذيرات التي ساقها مبارك طويلاً حول خطورة الانحياز الأيديولوجي في صراعات إقليمية معقدة، حيث يحاول البعض تصوير الحرب الحالية كمعركة دينية بينما هي في حقيقتها صراع نفوذ وهيمنة جيوسياسية.
شنت الصحافة الإيرانية المتشددة طوال فترة التسعينيات حملات شعواء ضد شخص الرئيس مبارك ونظام حكمه، واصفة إياه بالخديعة والممالأة للقوى الغربية وإسرائيل في محاولة لتشويه صورته عربياً. واستغلت طهران حينها المشاعر القومية والدينية الصادقة لدى الشباب المصري لتحريضهم ضد دولتهم، مدعية رغبتها في تحرير القدس، بينما كانت تسعى في الحقيقة لفتح جبهات غربية تخدم طموحاتها الإمبراطورية الفارسية تحت عباءة الدين.
تؤكد الوثائق الدبلوماسية البريطانية أن مبارك بذل جهوداً مضنية خلال جولاته الخليجية لحث الزعماء العرب على رص الصفوف ومواجهة تمدد تيارات الإسلام السياسي المدعومة من الخارج. وكان يرى أن التمويلات التي تصل للجماعات المتطرفة في المنطقة هي المحرك الأساسي لزعزعة الاستقرار، مطالباً بضرورة وجود رؤية أمنية موحدة تمنع إيران من التغلغل في مفاصل الدول العربية عبر وكلائها المحليين المسلحين.
دبلوماسية الحذر وامتداد الرؤية في العصر الحديث
على رغم مرور السنوات وتغير الوجوه السياسية في مصر، ظل الموقف الرسمي تجاه الأزمة الإيرانية محتفظاً بذات القدر من الحذر والاتزان الذي أرسى قواعده الرئيس الأسبق مبارك. وتتبنى القاهرة حالياً مساراً دبلوماسياً يدعو لضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة، مع التأكيد المستمر على رفض الاعتداءات الإيرانية غير القانونية التي تستهدف المنشآت الحيوية والمدنية في الدول العربية الشقيقة بالخليج.
يرى مراقبون أن السياسة المصرية الحالية هي امتداد طبيعي للعقيدة الأمنية التي تشكلت في عهد مبارك، حيث يتم التفريق بدقة بين دعم الحقوق المشروعة وبين رفض الاستفزازات الإقليمية. فمصر تدعم حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية لكنها تعارض بشدة أي تحرك يؤدي لعسكرة هذا البرنامج، محذرة من أن ارتكاب أخطاء في الحسابات التقديرية قد يقود المنطقة بأكملها نحو كارثة لا يمكن تدارك نتائجها المدمرة.
حاولت طهران مراراً في السنوات الأخيرة من حكم مبارك التقارب مع القاهرة عبر إجراءات رمزية مثل تغيير أسماء الشوارع المستفزة أو استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين العاصمتين. لكن هذه المحاولات لم تنجح في كسر الجمود الاستراتيجي نظراً لعدم وجود تغيير حقيقي في السلوك الإيراني التوسعي، مما أبقى النظرة المصرية ثابتة بأن الأمن القومي العربي لا يمكن المقايضة عليه بتنازلات شكلية أو وعود دبلوماسية زائفة.
إن استعادة قراءة مواقف الرئيس الراحل مبارك في اللحظة الراهنة توضح أن ما كان يوصف بالتشدد المصري تجاه طهران كان في حقيقته استشرافاً دقيقاً للمستقبل المظلم. فالميليشيات التي حذر منها باتت اليوم تسيطر على عواصم عربية، والصواريخ التي كانت مجرد تهديد أصبحت تنهمر على مدن الخليج، لتبقى نبوءة مبارك السياسية شاهدة على عمق الأزمة التي يمر بها الشرق الأوسط وتحديات الأمن القومي.