< تأمين مضيق هرمز.. تفاصيل المباحثات الاستراتيجية لـ الرئيس عبد الفتاح السيسي في السعودية والبحرين
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

تأمين مضيق هرمز.. تفاصيل المباحثات الاستراتيجية لـ الرئيس عبد الفتاح السيسي في السعودية والبحرين

السيسي وبن سلمان
السيسي وبن سلمان

​في توقيت إقليمي بالغ الحساسية والتعقيد، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي جولة خليجية استراتيجية شملت المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين. تأتي هذه التحركات الدبلوماسية المكثفة لتأكيد التضامن المصري المطلق مع الأشقاء العرب، وإدانة الاعتداءات الإيرانية المتصاعدة التي تستهدف البنية التحتية. كما تهدف الزيارة إلى توحيد الصف العربي لوقف التهديدات الصريحة من طهران بتعطيل حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.

​حسب تقرير لوكالة الأنباء السعودية، التقى الزعيم المصري في مدينة جدة بالأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي. ركزت المباحثات الثنائية المعمقة على تطورات الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا سيما تداعيات التصعيد العسكري الخطير الذي يعصف بمنطقة الشرق الأوسط. وناقش الطرفان الانعكاسات السلبية لهذه التوترات المشتعلة على أمن واستقرار المنطقة والعالم، مع التشديد على ضرورة تنسيق الجهود المشتركة لاحتواء الأزمة الراهنة.

تصعيد خطير وموقف مصري حازم

​وأكد الزعيمان خلال القمة السعودية المصرية أن تكرار الهجمات الإيرانية العدائية التي تستهدف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل تهديدا مباشرا. واعتبر الجانبان أن استهداف المنشآت الحيوية والاقتصادية والأعيان المدنية يشكل تصعيدا خطيرا ينذر بعواقب وخيمة على أمن المنطقة واستقرارها. وتطابقت الرؤى حول ضرورة التصدي بحزم لأي محاولات تسعى لزعزعة الاستقرار الإقليمي أو المساس بسيادة الدول العربية ومقدرات شعوبها.

​وفي موقف واضح لا يقبل التأويل، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي إدانة جمهورية مصر العربية الشديدة للاعتداءات الإيرانية الآثمة والمتكررة. وشدد على رفض القاهرة القاطع لأي مساس بالمملكة العربية السعودية ودول المنطقة كافة. وأكد أن مصر تقف صفا واحدا وتتضامن بشكل كامل ومطلق مع المملكة ضد أي تهديد يمس سيادتها وأمنها القومي، معتبرا أن أمن الخليج هو امتداد طبيعي للأمن القومي المصري.

​وعقب اختتام مباحثاته الناجحة في جدة، توجه الزعيم المصري إلى العاصمة البحرينية المنامة في محطة دبلوماسية بالغة الأهمية. وعقد هناك لقاء قمة موسعا مع العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وشهد اللقاء الأخوي استعراضا شاملا للتطورات الإقليمية المتسارعة وتداعياتها الخطيرة على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بشكل عام، وسط ظروف استثنائية تتطلب أعلى درجات التنسيق والتشاور الدائم.

​وتطرق الزعيمان خلال القمة البحرينية المصرية إلى خطورة الاعتداءات الإيرانية السافرة والمستمرة التي تستهدف دول المنطقة بلا هوادة. ووفقا لما بثته وكالة الأنباء البحرينية، اعتبر الطرفان أن هذه الممارسات العدائية تمثل انتهاكا صارخا لسيادة الدول وتجاوزا خطيرا للقوانين والأعراف الدولية المستقرة. وحذر الجانبان من أن استمرار هذا النهج الإيراني يشكل تهديدا مباشرا وموثقا للسلم والأمن الدوليين، مما يستوجب تدخلا حاسما.

قرارات أممية وحماية الملاحة الدولية

​في سياق متصل، أكد ملك البحرين والرئيس المصري التزامهما التام بما ورد في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817. وقد أدان هذا القرار الأممي بشدة وطالب بالوقف الفوري والشامل لجميع الهجمات التي تشنها إيران على دول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية. كما طالب القرار بضرورة الوقف الفوري دون أي قيد أو شرط لأي استفزاز عسكري أو تهديد أمني يمس سيادة واستقرار الدول.

​وشدد الجانبان على الحق الأصيل والمشروع لدول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية المتكررة. وأكد الزعيمان على الأهمية القصوى والملحة لوقف تهديدات طهران المتصاعدة بتعطيل حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز. ويعتبر هذا المضيق ممرا دوليا حيويا وعصبا رئيسيا لنقل إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية، وأي مساس به سيؤدي إلى تداعيات كارثية ومؤلمة.

​واتفق الطرفان على أن حماية الممرات البحرية الاستراتيجية وضمان حرية الملاحة فيها ليست مسؤولية إقليمية فحسب، بل هي مسؤولية دولية مشتركة. وأوضحا أن هذا التحدي الأمني الخطير يتطلب تضافر الجهود وتعاونا وثيقا بين جميع الأطراف الإقليمية والقوى الدولية الفاعلة. من جانبه، أعرب ملك البحرين عن اعتزازه البالغ بهذه الزيارة التاريخية التي تجسد عمق ومتانة العلاقات الأخوية الراسخة والتاريخية بين البلدين.

​وأكد العاهل البحريني أن جمهورية مصر العربية تمثل دائما سندا أساسيا وعمقا استراتيجيا في دعم جهود الأمن والاستقرار في المنطقة العربية. وأعرب عن تقديره العالي لمواقف الدعم المصرية المستمرة والقوية في مواجهة التحديات الجسيمة التي تواجهها مملكة البحرين ودول مجلس التعاون. وأشاد الملك حمد بالدور المصري الفاعل والمحوري في ترسيخ دعائم الأمن الإقليمي، خاصة في ظل العدوان الإيراني المتواصل على الأراضي العربية.

دبلوماسية مكوكية لاحتواء الأزمة المشتعلة

​كانت هذه الجولة الحالية مسبوقة بتحركات دبلوماسية واسعة، حيث قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بجولة خليجية أخرى شملت دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر. وجدد خلال تلك المحطات يوم الخميس الماضي إدانة بلاده الصارمة للاعتداءات الإيرانية المتكررة على مقدرات الدول العربية. وتضمنت المباحثات التأكيد المشترك على ضرورة الوقف الفوري لدورة التصعيد العسكري، واللجوء العاجل إلى الحوار الجاد والوسائل السلمية.

​وفي قراءة تحليلية لهذا الحراك، عد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، هذه الزيارة استكمالا استراتيجيا. وأوضح أن الهدف الرئيسي من هذا المسار هو إرسال رسالة تضامن قوية ودعم لا محدود لدول الخليج العربي. وأكد أن هذه الدبلوماسية الرئاسية النشطة تهدف بوضوح إلى درء أي محاولات بائسة للوقيعة أو زرع الشقاق بين مصر وأشقائها.

​وأضاف السفير رخا في تصريحات مفصلة لصحيفة الشرق الأوسط أن هذه الزيارة المهمة تستهدف بحث أفضل السبل والآليات لمواجهة التصعيد الإيراني المستمر. وأشار إلى مناقشة مقترحات جادة لتعزيز آليات العمل العربي المشترك، ومن بينها إحياء فكرة القوة العربية المشتركة لحماية الأمن القومي. وأكد أن الزيارة تحمل أهدافا سياسية عميقة، وتأتي في إطار التضامن الوثيق والتنسيق عالي المستوى والتشاور المشترك.

​على الصعيد الداخلي والإعلامي، دعت الحكومة المصرية الأربعاء الماضي إلى وقف فوري وحاسم للسجالات الإعلامية غير المسؤولة التي دارت على بعض المنصات. وتناولت تلك المنصات العلاقات التاريخية بين مصر وعدد من الدول العربية بشكل سلبي ومسيء وسط هذه الظروف الدقيقة. وأكد بيان مشترك لوزارة الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية أن استمرار هذا الخطاب المنفلت يسيء بشدة للروابط التاريخية العميقة المتجذرة.

​كما أشار البيان الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئات الوطنية للصحافة والإعلام إلى خطورة الانسياق وراء الشائعات. وأوضح أن هذه السجالات العبثية تهدد حالة التماسك والترابط الوجداني بين الشعوب العربية الشقيقة في وقت تشتد فيه الحاجة للوحدة. وشددت المؤسسات المصرية على ضرورة الارتقاء بالخطاب الإعلامي ليكون أداة للبناء وداعما رئيسيا لجهود الدبلوماسية الرسمية في حماية مقدرات الأمة.

توافق عربي شامل ضد العدوان

​من جهته، أكد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور عمرو الشوبكي، أن جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي المكوكية تستهدف إيصال رسائل حاسمة. وأوضح أن أبرز هذه الرسائل هو التأكيد العملي على عمق العلاقات الاستراتيجية والتحالف الوثيق بين مصر ودول الخليج العربي. وأضاف لصحيفة الشرق الأوسط أن التحركات تبرز تضامن القاهرة المطلق مع عواصم الخليج في مواجهة أي عدوان خارجي.

​وأشار الشوبكي إلى أن من بين الأهداف الاستراتيجية الكبرى لهذه الزيارة هو البحث الجاد عن مقاربة أمنية وسياسية جديدة وشاملة تحفظ أمن الخليج. وتهدف هذه المقاربة إلى حماية المنطقة بأسرها من خطر الانزلاق المدمر إلى حرب إقليمية واسعة النطاق ومزيد من التصعيد. وتأتي هذه الخطوات لتدارك الموقف المشتعل ومنع خروج الصراع عن السيطرة بما يضر بمصالح جميع شعوب الشرق الأوسط.

​وتعددت الاتصالات الهاتفية واللقاءات التي أجراها الرئيس المصري مع القادة العرب منذ اندلاع شرارة الحرب الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وخلال تلك الاتصالات المكثفة والمستمرة، أكد سيادته استعداد بلاده الكامل لتقديم كل أشكال الدعم والمساندة الممكنة والمتاحة. وشدد على أن مصر لن تتوانى عن مساندة أشقائها حفاظا على أمن الخليج واستقرار المنطقة بأسرها في وجه الطموحات التوسعية.

​وجاءت هذه الجولة الرئاسية تتويجا ومساندة لجولة مماثلة قام بها وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الأسبوع الماضي والتي شملت عدة عواصم عربية مؤثرة. وشملت جولة وزير الخارجية كلا من السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، حيث مهدت الطريق للقمم الرئاسية اللاحقة. وشهدت تلك الجولة الوزارية أيضا تأكيدا حاسما على التضامن المصري المطلق مع دول الخليج العربي، ورفضا قاطعا للاعتداءات.

​وفي سياق متصل، رحب الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في بيان صحافي صدر السبت، بالزيارات الرئاسية المصرية والأردنية المتلاحقة للعواصم الخليجية. وشدد أبو الغيط على أن هذه الزيارات رفيعة المستوى تعكس تضامنا عربيا كاملا وغير مسبوق على أعلى المستويات القيادية مع الدول المستهدفة. وأوضح أن هذا الحراك يجسد الموقف العربي الصلب والرافض لهذه الهجمات الغادرة في أجلى صوره السياسية.

​وأضاف أبو الغيط أن التنسيق المتواصل والتشاور المستمر بين الدول العربية على جميع المستويات يؤكد أن الأمن القومي العربي هو كتلة صلبة. وأكد أن هذا التضامن في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة يعكس موقفا موحدا وحازما لا يقبل المساومة أو التفريط. وأشار إلى رفض الجامعة العربية القاطع لأي ذرائع واهية أو تبريرات سياسية لهذه الاعتداءات الممنهجة التي طالت البنية التحتية والاقتصادية.

​وختم الأمين العام بيانه بالتأكيد على أن الهجمات التي استهدفت المنشآت الحيوية والأعيان المدنية في دول الخليج تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي. وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر كافة الجهود العربية والدولية لردع المعتدي وضمان استدامة السلم والأمن الإقليميين والدوليين. ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الكاملة في حماية خطوط الملاحة ومنع أي طرف من العبث باستقرار أسواق الطاقة العالمية.