< «السيناريو الأسوأ في تاريخ البشرية».. ماذا سيحدث في حال دمرت إيران مفاعل ديمونة الإسرائيلي؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

«السيناريو الأسوأ في تاريخ البشرية».. ماذا سيحدث في حال دمرت إيران مفاعل ديمونة الإسرائيلي؟

ارشيفية
ارشيفية

شهدت الحرب بين إيران والمعسكر الأمريكي الإسرائيلي مرحلة جديدة من التصعيد الخطير، وذلك بعد أن شنت تل أبيب وواشنطن هجوم على منشأة نطنز النووية الإيرانية، لترد الأخيرة بشن هجوم على مدينة ديمونة حيث تقع منشأة نووية في جنوب الدولة العبرية مما أسفر عنه إصابة العشرات وإجلاء ما يقرب من 485 شخصا من المدينة.

ماذا لو حدث السيناريو الأسوأ في تاريخ البشرية..؟ 

هذا الهجوم والذي يعد رسالة تحذيرية مباشرة من إيران إلى التحالف الأمريكي الإسرائيلي، يضعنا أمام تساؤل ماذا كان سيحدث في حال تحولت رسائل إيران التحذيرية إلى واقع وتم تدمير مفاعل ديمونة؟ وما تداعيات ذلك على دول المنطقة؟!

للإجابة على هذا السؤال، نشر مركز الحبتور للأبحاث سيناريوهات المتوقعة بخصوص ذلك الشأن واطلعنا عليها، ووفق المركز إسرائيل ستتحمل بلا شك العبء المباشر - حيث ستواجه عمليات إجلاء جماعية للمدنيين، وتدهور بيئي لا رجعة فيه في النقب، وشلل قطاعاتها الزراعية والسياحية - فإن الآثار المترتبة ستمتد إلى ما هو أبعد من حدودها.

وقد تواجه المناطق الحدودية الأردنية والمناطق الزراعية في وادي الأردن تلوثًا وضغوطًا إنسانية، مما قد يستدعي إجلاء عشرات الآلاف من السكان. كما قد تتعرض شبه جزيرة سيناء ومنطقة السويس الشمالية لتداعيات إشعاعية، مما قد يعطل حركة الملاحة العالمية عبر القناة ويهدد الممر السياحي للبحر الأحمر. أما المناطق الشمالية من المملكة العربية السعودية، فقد تواجه اضطرابات بيئية وديموغرافية.

التقييم الأمني لمفاعل ديمونة 

يُشغّل مركز شيمون بيريز للأبحاث النووية في النقب مفاعلاً يعمل بالماء الثقيل، ويضمّ مرافق لفصل البلوتونيوم، وتقع هذه المرافق داخل هياكل تحت الأرض شديدة التحصين. وقد كشفت تقييمات تاريخية أُجريت عام 2012 عن ثغرات أمنية كبيرة، ما استدعى استثماراً إضافياً بقيمة 30 مليون شيكل إسرائيلي في تحسينات أمنية محيطية، شملت مركبات وكاميرات ومعدات استخباراتية. ويُطبّق المركز منطقة حظر طيران دائمة، مع وجود طائرات اعتراضية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في حالة تأهب دائم لتحويل مسار أي طائرة تقترب.

يضم مصنع فصل البلوتونيوم تحت الأرض (ماشون 2) طابقين فوق سطح الأرض وستة طوابق تحتها، وقد شُيّد باستخدام الخرسانة المقواة والفولاذ المقوى المصمم لتحمل قوى خارجية كبيرة. وتستخدم المنشآت النووية الحديثة عادةً هياكل احتواء خرسانية مسبقة الإجهاد مزودة بطبقات متعددة من الحماية ضد الهجمات الصاروخية.

كيف يمكن اختراق ديمونة عسكريًا؟

بالنسبة لمنشأة ديمونة، وبالنظر إلى بنائها متعدد الطبقات تحت الأرض وهياكلها المحصنة، تشير التقييمات الحالية إلى ما يلي: 

المنشآت فوق سطح الأرض: 

من شأن ضربتين أو ثلاث ضربات مباشرة من أقوى الرؤوس الحربية التقليدية الإيرانية (أكثر من 1500 كجم) أن تُسبب أضرارًا هيكلية كبيرة.

مرافق الفصل تحت الأرض:

 سيتطلب الأمر من 6 إلى 8 ضربات دقيقة برؤوس حربية خارقة للدروع لاختراق الهيكل تحت الأرض المكون من ستة طوابق، وذلك بالنظر إلى تقنيات التحصين الحديثة والحواجز الواقية المتعددة.

تدمير المنشأة بالكامل: 

سيكون من الضروري تنفيذ 10-12 ضربة منسقة باستخدام مخزون الصواريخ المتقدمة المتبقي لدى إيران لضمان إلحاق أضرار كارثية بالمكونات السطحية وتحت الأرضية.

سيناريو تأثير الإشعاع على دول الشرق الأوسط 

في سيناريو كارثي يتضمن اختراقات متعددة في هيكل المفاعل وتضرر منشأة فصل البلوتونيوم، فإن كمية الإشعاع المنبعث ستعتمد على الحالة التشغيلية للمفاعل، ومخزون الوقود المستهلك، والظروف الجوية السائدة وقت الاصطدام. يحتوي مفاعل ديمونة الذي يعمل منذ أكثر من 60 عامًا، على كميات كبيرة من المواد المشعة. 

إسرائيل.. انهيار الدولة العبرية 

ستتطلب منطقة التأثير المباشر، الممتدة على مسافة 30 كيلومترًا من ديمونة، إجلاءً إلزاميًا لنحو 200 ألف نسمة من السكان المعرضين لمخاطر التعرض الإشعاعي الحاد. وسيواجه المستجيبون للطوارئ والسكان المجاورون متلازمة الإشعاع الحادة، بأعراض تتراوح بين اضطرابات معوية فورية وفشل عضوي قد يكون مميتًا في غضون أسابيع، وذلك تبعًا لمستويات التعرض والقرب من مركز الانفجار. وستشهد منطقة النقب بأكملها توقفًا زراعيًا تامًا، إذ سيجعل التلوث الإشعاعي المحاصيل غير صالحة للاستهلاك البشري، مما يستدعي إجلاء الماشية أو إعدامها فورًا لمنع دخول المنتجات الملوثة إلى سلاسل الإمداد الغذائي. وسيؤدي هذا الحدث الكارثي إلى خلق منطقة غير صالحة للسكن بشكل دائم، تغطي مساحة تتراوح بين 2500 و3000 كيلومتر مربع، مما سيؤدي فعليًا إلى إخراج هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية من الاستخدام الإنتاجي لعقود أو قرون.

سيؤدي تلوث مصادر المياه الرئيسية، بما في ذلك أجزاء من منطقة البحر الميت وخزانات المياه الجوفية الحيوية التي تغذي جنوب ووسط إسرائيل، إلى أزمة مياه غير مسبوقة تتطلب ترتيبات إمداد بديلة طارئة لملايين السكان. وسيكون الانهيار الاقتصادي الكامل لقطاعي السياحة والزراعة في إسرائيل فورياً وشاملاً، مع استمرار حظر السفر الدولي ومنع تصدير المنتجات الزراعية لعقود، حيث سترفض الأسواق العالمية أي منتجات من المنطقة المتضررة.

ستتطلب برامج المراقبة الصحية إنشاء برامج لما بين 2 إلى 3 ملايين شخص في جميع أنحاء المناطق المتضررة، مع التركيز بشكل خاص على برامج فحص سرطان الغدة الدرقية للأطفال والنساء الحوامل، حيث يشكل اليود المشع أكبر تهديد صحي فوري للأنسجة النامية، مما يتطلب برامج مراقبة وعلاج طبية مدى الحياة.

الأردن

ستواجه المناطق الحدودية الشرقية للأردن مخاطر تلوث شديدة إذا سادت الرياح الغربية خلال التسرب الإشعاعي الأولي، مما قد يتطلب إجلاء ما بين 50 ألفًا و100 ألف من السكان من المجتمعات الحدودية 

إن التحديات اللوجستية لإجلاء وإعادة توطين هذه الأعداد الكبيرة من شأنها أن ترهق موارد الحكومة الأردنية وقدراتها الإنسانية الدولية، لا سيما بالنظر إلى العبء الحالي الذي تتحمله المملكة باستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين. 

ستواجه المناطق الزراعية في وادي الأردن الخصب، والتي تنتج أجزاء كبيرة من المنتجات الطازجة في الأردن وتشكل محاصيل تصدير رئيسية تولد عملة أجنبية حيوية، تلوثًا فوريًا يتطلب تدمير المحاصيل القائمة وحظر الأنشطة الزراعية لفترات طويلة قد تستمر لعقود.

ستتجاوز التداعيات الاقتصادية الأوسع نطاقًا على الأردن حدود المناطق المجاورة مباشرة، حيث سيشهد قطاع السياحة انهيارًا تامًا نتيجة عزوف السياح الدوليين عن زيارة البلاد بأكملها خوفًا من قربها من منطقة الكارثة. وستشهد مدينة البتراء الأثرية، المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي ووجهة سياحية رئيسية، إلى جانب منتجع العقبة على البحر الأحمر، انخفاضًا حادًا في أعداد السياح الوافدين، ما سيؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف وتدمير الاقتصادات المحلية التي تعتمد كليًا على عائدات السياحة الدولية.

ستواجه الصادرات الزراعية، التي تُعدّ مصدراً حيوياً للعملات الأجنبية للمملكة التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، حظراً دولياً كإجراء احترازي، مما سيُجبر الأردن على طلب مساعدات غذائية طارئة والبحث عن شركاء تجاريين بديلين. وسيؤدي التدفق الهائل للاجئين الفارين من الإشعاع إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة، تستدعي إنشاء مخيمات مؤقتة، وتُرهق النظام الصحي الأردني ، الذي سيحتاج في الوقت نفسه إلى علاج حالات التعرّض للإشعاع بين سكانه، إلى جانب توفير الرعاية الطبية لعشرات الآلاف من النازحين الذين يحتاجون إلى علاج متخصص للتعرّض للإشعاع وما يرتبط به من مضاعفات صحية.

مصر

ستواجه شبه جزيرة سيناء مخاطر تلوث تتراوح بين المتوسطة والشديدة اعتمادًا على أنماط الرياح السائدة، حيث من المحتمل أن تحمل الرياح الشمالية جزيئات مشعة عبر المناطق الشمالية من شبه الجزيرة 

قد تواجه قناة السويس، اضطراباً محتملاً إذا تجاوزت مستويات الإشعاع في الأجزاء الشمالية من القناة معايير السلامة الدولية للملاحة البحرية، حتى أن الإغلاق المؤقت أو تقليل حركة المرور عبر هذا الممر البحري الحيوي سيكلف مصر ملايين الدولارات يومياً من رسوم العبور المفقودة

السعودية

ستواجه المناطق الشمالية من المملكة العربية السعودية، بما في ذلك تبوك ومناطق الحدود الشمالية، احتمال التلوث إذا حملت أنماط الرياح الجنوبية جزيئات مشعة عبر الحدود، مما قد يتطلب إجلاء أكثر من 100 ألف من السكان من المجتمعات الحدودية وتعطيل التجمعات السكانية البدوية التقليدية التي سكنت هذه المناطق لأجيال.

إن التلوث المحتمل للبنية التحتية النفطية في الحقول الشمالية، على الرغم من بعدها الجغرافي عن موقع الكارثة، قد يتطلب إجراءات تطهير واسعة النطاق في حالة اكتشاف أي مستويات إشعاع قابلة للقياس، حيث ستطالب أسواق النفط الدولية بمنتجات نظيفة معتمدة مدعومة ببروتوكولات اختبار شاملة.

ستمتد التداعيات الاقتصادية الأوسع نطاقاً لتشمل جميع أنحاء المملكة، مع احتمال حدوث اضطرابات في صادرات النفط إذا تطلبت الحقول الشمالية شهادة إزالة التلوث أو إذا طالب المشترون الدوليون بتحقق إضافي من سلامة المنتجات البترولية، مما قد يؤثر على أسواق النفط العالمية ومصدر الإيرادات الرئيسي للمملكة العربية السعودية.

ستؤدي العواقب طويلة المدى إلى تغيير المشهد الديموغرافي والاقتصادي لشمال المملكة العربية السعودية بشكل جذري، حيث قد تتطلب طرق الحج التقليدية إلى مكة المكرمة تعديلاً إذا تجاوزت مستويات الإشعاع في المناطق الشمالية معايير السلامة الدولية للسفر الديني، مما يؤثر على ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً.

منطقة عزل غير صالحة للسكن لمدة تتراوح بين 300 و20 ألف عام

سيُنشئ هذا الحادث منطقة عزل دائمة مماثلة لتشرنوبل، قد تصبح غير صالحة للسكن لمدة تتراوح بين 300 و20 ألف عام، وذلك تبعًا لمستويات التلوث. وتشمل التداعيات الإقليمية نزوحًا دائمًا لما بين 500 ألف ومليون شخص في أربع دول، مما يستدعي برامج إعادة توطين دولية وأنظمة دعم طويلة الأجل. وسيستمر العزل الدولي للمنطقة المتضررة لعقود، مع تكاليف باهظة لمعالجة التلوث البيئي قد تتجاوز 500 مليار دولار، استنادًا إلى تجارب تنظيف تشرنوبل وفوكوشيما.

ستشمل الآثار الصحية الممتدة عبر الأجيال ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بالسرطان، لا سيما سرطان الغدة الدرقية لدى الأطفال الذين تعرضوا للإشعاع خلال التسرب الأولي، مع استمرار ظهور الآثار الصحية الناجمة عن الإشعاع لعقود بعد التعرض الأولي. وسيكون انهيار الاقتصادات الزراعية والسياحية الإقليمية فوريًا ودائمًا، حيث ستبقى الأراضي الزراعية الملوثة غير صالحة لإنتاج الغذاء لأجيال. 

سيمثل هذا السيناريو الكارثي أحد أسوأ الكوارث النووية في تاريخ البشرية، مع عواقب تمتد إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط المباشرة وتستمر لأجيال عديدة، مما سيؤدي إلى تغيير جذري في الجغرافيا السياسية الإقليمية وبروتوكولات الأمن النووي الدولي.