< مقامرة ستارمر الخطرة.. هل تضحي بريطانيا بأمنها القومي لإشعال حرب مع إيران؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

مقامرة ستارمر الخطرة.. هل تضحي بريطانيا بأمنها القومي لإشعال حرب مع إيران؟

قواعد بريطانيا
قواعد بريطانيا

​دخلت بريطانيا مرحلة حرجة من التوتر العسكري والسياسي بعد أن أصبحت قواعدها العسكرية المنتشرة حول العالم أهدافاً مباشرة للصواريخ الإيرانية الباليستية، وهو تطور يعيد رسم خارطة النفوذ والتهديد في آن واحد.

بدأ المشهد بالتصاعد عندما قرر رئيس الوزراء كير ستارمر التخلي عن سياسة الحذر التقليدية، مانحاً واشنطن الضوء الأخضر لاستخدام المنشآت السيادية في شن هجمات هجومية، مما جعل بريطانيا في مواجهة مباشرة مع طهران وتداعياتها العسكرية.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" والبيانات الصحفية الصادرة عن وزارة الدفاع، فإن بريطانيا تعيش حالة من الارتباك بعد إطلاق إيران لصاروخين باليستيين باتجاه قاعدة "دييغو غارسيا" الاستراتيجية في المحيط الهندي.

هذا الهجوم الذي جاء رداً على التعاون العسكري الوثيق مع واشنطن، يثبت أن الحصانة الجغرافية التي كانت تتمتع بها القواعد البعيدة قد انتهت تماماً، ما دفع الحكومة في لندن لإعادة تقييم المخاطر المحدقة بجنودها ومصالحها المنتشرة.

​لم تكن الضربة الصاروخية مجرد عمل عسكري عابر، بل كانت رسالة سياسية مغلفة بالبارود مفادها أن بريطانيا لم تعد في مأمن من الرد الانتقامي الإيراني المباشر.

ورغم أن الصواريخ لم تحقق أهدافها التدميرية بفضل الدفاعات الجوية، إلا أن الدوي السياسي لتلك الصواريخ كان كافياً لزعزعة استقرار حكومة ستارمر، التي اتُهمت بجر البلاد إلى صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، سوى إرضاء الحليف الأمريكي في واشنطن.

تحولات الموقف الرسمي من الدفاع السلبي إلى المشاركة الهجومية

​منذ اندلاع شرارة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حاولت بريطانيا التمسك بخط رفيع يفصل بين حماية مصالحها وبين الانخراط الفعلي في القتال.

إلا أن الضغوط الأمريكية، وبخاصة تصريحات ترامب الحادة تجاه حلفاء الناتو ووصفهم بالجبناء، دفعت لندن نحو تغيير استراتيجي جذري، حيث انتقلت من دور المدافع عن رعاياها إلى شريك فاعل في تدمير منصات الصواريخ الإيرانية التي تهدد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الحيوي.

​جاء قرار السماح للطائرات الأمريكية بالإقلاع من قاعدتي "فيرفورد" و"دييغو غارسيا" بمثابة المسمار الأخير في نعش سياسة الحياد النسبي التي كانت تتبعها بريطانيا سابقاً.

هذا التحول أثار حفيظة طهران التي لم تتوانَ عن تحذير وزير الخارجية عباس عراقجي لنظيرته البريطانية إيفيت كوبر، مؤكداً أن أي تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية ستعتبر عملاً عدوانياً صريحاً يستوجب رداً عسكرياً قاسياً على كافة المستويات المتاحة للنظام الإيراني.

​تعتبر لندن أن تأمين مضيق هرمز هو قضية أمن قومي بامتياز، نظراً لاعتمادها الكبير على تدفقات الطاقة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي والحساس.

لكن هذا المنطق لم يجد قبولاً لدى المعارضة الداخلية، التي رأت في قرارات ستارمر تسرعاً قد يؤدي إلى استهداف الأراضي البريطانية نفسها، خاصة مع امتلاك إيران لصواريخ قادرة على الوصول لمسافات تتجاوز بكثير موقع قاعدة دييغو غارسيا المستهدفة مؤخراً.

الزلزال السياسي داخل أروقة البرلمان وتحت قبة "ويستمنستر"

​أحدثت الهجمات الإيرانية زلزالاً سياسياً داخل بريطانيا، حيث تعالت الأصوات المطالبة بضرورة عرض قرارات الحرب والسلم على البرلمان قبل اتخاذها من قبل الحكومة.

جيرمي كوربين، زعيم حزب "حزبكم" الجديد، قاد جبهة المعارضة بحدة، معتبراً أن التفويض الممنوح للولايات المتحدة لاستخدام القواعد البريطانية هو تنازل عن السيادة الوطنية، ويضع حياة مئات الآلاف من البريطانيين في الشرق الأوسط في خطر داهم وحقيقي.

​تعاني حكومة العمال من انقسامات داخلية حادة، حيث يرفض قطاع واسع من النواب الانجرار خلف الرؤية الأمريكية في إدارة الصراع مع طهران حالياً.

هذه الانقسامات تعكس حالة من عدم اليقين حول قدرة بريطانيا على تحمل تكاليف حرب إقليمية واسعة، سواء كانت تلك التكاليف عسكرية أو اقتصادية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد البريطاني يعاني من تبعات أزمات عالمية ومحلية متلاحقة أرهقت كاهل المواطنين.

​تشير استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة "يوغوف" مؤخراً إلى أن الشارع البريطاني منقسم بشدة، مع ميل واضح نحو معارضة التدخل العسكري المباشر في إيران.

حوالي نصف الناخبين يعربون عن قلقهم العميق من تداعيات الحرب، ويعتقدون أن حكومة بريطانيا الحالية لم تدير الأزمة بحكمة كافية، مما يضع ستارمر في موقف صعب يتطلب موازنة دقيقة بين الالتزامات الدولية والضغوط الشعبية المتزايدة يوماً بعد يوم.

الأهمية الاستراتيجية لقاعدة دييغو غارسيا ومستقبل الوجود الخارجي

​تمثل قاعدة دييغو غارسيا جوهرة التاج في الوجود العسكري الذي تمتلكه بريطانيا وراء البحار، لما توفره من إمكانيات هائلة لإعادة الانتشار والعمليات.

بمدرجها العملاق الذي يستوعب أضخم القاذفات الأمريكية مثل "بي 52"، ومينائها الذي يستقبل حاملات الطائرات، تشكل القاعدة رأس الحربة في أي هجوم يستهدف منطقة الشرق الأوسط أو جنوب آسيا، وهو ما يجعلها هدفاً طبيعياً لأي قوة معادية تسعى لتحييد النفوذ الغربي.

​رغم أن بريطانيا أبرمت اتفاقاً مع موريشيوس لتسليم أرخبيل تشاغوس، إلا أنها ضمنت بقاء القاعدة العسكرية لمدة تسعة وتسعين عاماً مقابل مبالغ مالية كبيرة.

هذا الالتزام طويل الأمد يعكس رغبة لندن في الحفاظ على دورها كلاعب عالمي، لكنه في الوقت ذاته يحول هذه القواعد إلى "نقاط ضعف" يمكن للقوى الإقليمية مثل إيران الضغط عليها لابتزاز القرار السياسي البريطاني في الأزمات الدولية.

​يمتد القلق البريطاني ليصل إلى قبرص، حيث تعرضت قاعدة "أكروتيري" لهجوم بمسيرة إيرانية، مما أحرج الحكومة البريطانية أمام السلطات القبرصية التي بدأت تلمح للمراجعة.

اضطر كير ستارمر لتقديم ضمانات لنظيره القبرصي بأن القواعد لن تستخدم في عمليات هجومية ضد إيران، في محاولة بائسة لاحتواء الغضب الأوروبي المتصاعد من تحول الجزيرة المتوسطية إلى ساحة خلفية لتصفية الحسابات بين طهران وواشنطن برعاية بريطانية.

مستقبل الانتشار العسكري البريطاني في ظل التهديدات الإيرانية المتنامية

​تراقب بريطانيا بقلق تزايد القدرات الصاروخية الإيرانية التي أثبتت قدرتها على تهديد قواعد بعيدة مثل دييغو غارسيا، مما يضع استراتيجية الدفاع البريطانية في اختبار حقيقي.

الوجود العسكري في البحرين وقطر والإمارات وعمان بات اليوم تحت المجهر، حيث تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه المنشآت إلى أهداف سهلة في حال اندلاع مواجهة شاملة ومفتوحة لا تفرق بين الأهداف العسكرية والمنشآت اللوجستية المشتركة.

​إن انسحاب بعض القطع البحرية الملكية من الخليج العربي، مثل الفرقاطة "لانكستر" وكاسحة الألغام "ميدلتون"، يعطي انطباعاً بوجود رغبة في تقليل الانكشاف العسكري المباشر.

ومع ذلك، تظل بريطانيا ملتزمة بعمليات مثل "حارس الرخاء" في البحر الأحمر، وهو ما يضعها في حالة استنزاف مستمر لمواردها البحرية والجوية، في وقت تحتاج فيه الجبهة الداخلية إلى استقرار وتوجيه للموارد نحو قضايا اقتصادية واجتماعية ملحة.

​في نهاية المطاف، تجد بريطانيا نفسها عالقة بين سندان التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة ومطرقة التهديدات الإيرانية التي أصبحت واقعاً ملموساً وليس مجرد وعيد.

إن قدرة لندن على المناورة في هذا الفضاء الملغم ستحدد ليس فقط مصير حكومة ستارمر، بل ومستقبل النفوذ العسكري البريطاني في الخارج للعقود القادمة، وسط عالم يزداد استقطاباً وخطورة، حيث لم تعد المسافات الجغرافية كافية لتوفير الحماية المطلوبة.

​تظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كانت بريطانيا ستستمر في لعب دور "المقاول العسكري" للسياسات الأمريكية في المنطقة، أم أنها ستعود لسياسة أكثر توازناً.

التراجع الأخير لستارمر في قضايا محلية قد يتكرر في الملف الإيراني إذا ما استمرت الضغوط الشعبية والبرلمانية، خاصة وأن تكلفة الانخراط في الحرب قد تتجاوز بكثير المكاسب السياسية المرجوة من إرضاء البيت الأبيض في هذه الظروف الاستثنائية والمعقدة.

​ستظل صواريخ إيران التي استهدفت دييغو غارسيا بمثابة جرس إنذار لكل الساسة في لندن بأن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً في المحيطات والبحار.

بريطانيا اليوم مطالبة بتعريف جديد لدورها العالمي، بعيداً عن التبعية العمياء، لضمان حماية أمنها القومي ورعاياها، وتجنب الانزلاق في حرب مدمرة قد تطال شظاياها قلب العاصمة لندن، في حال قررت طهران توسيع دائرة انتقامها لتشمل العمق الأوروبي كما يحذر بعض الخبراء العسكريين.