< بعد مهلة الـ 48 ساعة.. هل يشتعل مضيق هرمز ليحرق بنيان الطاقة في المنطقة؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

بعد مهلة الـ 48 ساعة.. هل يشتعل مضيق هرمز ليحرق بنيان الطاقة في المنطقة؟

مضيق هرمز
مضيق هرمز

​تتجه أنظار العالم بقلق بالغ نحو الممر المائي الأكثر حيوية في كوكب الأرض، حيث بات مضيق هرمز اليوم ساحة لصراع إرادات دولية تنذر بكارثة اقتصادية وأمنية شاملة. إن هذا الشريان الذي يغذي العالم بنحو خمس احتياجاته من النفط والغاز المسال يعيش حالة من الشلل التام، بعد أن تحولت مياهه الزرقاء إلى مسرح للعمليات العسكرية والتهديدات المتبادلة التي لم تشهد المنطقة مثيلاً لها منذ عقود طويلة، مما جعل الملاحة مغامرة غير محسوبة العواقب.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" ووكالة الأنباء الفرنسية، فقد منح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مهلة أخيرة مدتها ثمان وأربعون ساعة للسلطات الإيرانية لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون قيود. وتوعد ترمب في خطاب حازم بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران إذا استمر الإغلاق، لترد طهران فوراً بتهديد مماثل يستهدف المنشآت الحيوية في المنطقة، مما رفع منسوب التوتر إلى مستويات قياسية تنذر بانفجار عسكري وشيك في الممر.

​تعود جذور هذه الأزمة المتفجرة إلى الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على المواقع الإيرانية في فبراير الماضي، مما دفع طهران لفرض قيود صارمة على عبور مضيق هرمز. ولم تتوقف الاستجابة الإيرانية عند الإغلاق التقني، بل امتدت لتشمل ضربات يومية تستهدف المصالح الإسرائيلية ودول المنطقة، وهو ما أدى إلى تدهور أمني متسارع تسبب في وقوع أربع وعشرين حادثة أمنية استهدفت سفناً تجارية وناقلات نفط عملاقة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

​تتحدث لغة الأرقام القاسية عن واقع مرير تعيشه أطقم السفن التي وجدت نفسها عالقة وسط أمواج الغضب السياسي والعسكري المتلاطمة في المنطقة. فقد سجلت المنظمة البحرية الدولية سقوط ثمانية قتلى على الأقل من البحارة وعمال الموانئ، إضافة إلى فقدان أربعة آخرين وإصابة عشرة بجروح متفاوتة نتيجة الهجمات المباشرة. وتعكس هذه الدماء المسالة حجم المخاطر التي تكتنف العبور في مضيق هرمز الذي تحول من ممر للتجارة إلى ساحة قتال دامية.

انهيار الملاحة واحتراق أسواق الطاقة العالمية

​تكشف البيانات الملاحية الصادرة عن شركتي "لويدز ليست" و"كبلر" عن انهيار دراماتيكي في حركة التجارة عبر هذا الممر الاستراتيجي الحيوي. فبعد أن كان المضيق يستقبل يومياً نحو مئة وعشرين عملية عبور، تراجع هذا الرقم بشكل حاد ليصل إلى مجرد محاولات فردية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في بعض الأيام. ويمثل هذا التراجع بنسبة 95% ضربة قاصمة لسلاسل التوريد العالمية التي تعتمد كلياً على التدفق المستمر عبر الممر.

​لم يتوقف الضرر عند حدود تراجع حركة السفن، بل امتد ليشمل تكاليف التشغيل التي قفزت إلى مستويات جنونية أرهقت شركات الشحن الدولية. فقد ارتفع سعر وقود السفن بنسبة هائلة بلغت 90% منذ بداية اندلاع المواجهات، مما انعكس مباشرة على كلفة شحن النفط الخام. وتضاعفت تكلفة نقل البرميل الواحد لتصل إلى عشرة دولارات، مما يهدد بموجة تضخم عالمية تطاول أسعار السلع والخدمات في مختلف القارات والأسواق الدولية.

​أشارت تقارير "كلاركسونز" إلى أن هناك نحو مئتين وخمسين ناقلة نفط لا تزال رابضة في مياه الخليج، وهي تمثل 5% من إجمالي الخام المحمول عالمياً. وتخشى هذه السفن من المضي قدماً نحو مضيق هرمز خوفاً من الاستهداف المباشر أو الألغام البحرية التي تزايدت الأنباء عن زرعها في القناة. هذا التكدس يمثل قنبلة موقوتة، حيث تظل ثروات هائلة معطلة تحت رحمة القرار السياسي والعسكري الذي يطبخ في الغرف المغلقة.

​يواجه نحو عشرين ألف بحار وعامل في الموانئ مصيراً مجهولاً وهم عالقون داخل السفن والمنشآت البحرية في منطقة النزاع المشتعلة حالياً. وتصف المنظمة البحرية الدولية وضع هؤلاء البحارة بالمأساوي، حيث يفتقرون إلى الأمن ويحيط بهم خطر الموت من كل جانب. هؤلاء الرجال، الذين ينتمون لجنسيات مختلفة، تحولوا إلى رهائن غير مباشرين لصراع القوى العظمى الذي يتخذ من الممرات المائية وسيلة للضغط السياسي وتحقيق المكاسب الميدانية.

طموحات الحرس الثوري والردع الغربي المتعثر

​يهدد "الحرس الثوري" الإيراني بشكل علني بإغلاق الممر بالكامل وبصورة نهائية إذا ما نفذ الرئيس ترمب تهديداته بقصف منشآت الطاقة أو المواقع الاستراتيجية. ويرى القادة العسكريون في طهران أن السيطرة على حركة المرور في المنطقة هي الورقة الرابحة الوحيدة لمواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة. هذا الإصرار الإيراني يقابله حشد عسكري غربي يهدف لكسر الحصار، لكنه يواجه تعقيدات ميدانية بالغة الصعوبة بسبب الطبيعة الجغرافية الضيقة للممر المائي.

​بينما تدرس اليابان وبقية القوى الاقتصادية الكبرى خيارات إزالة الألغام، يبدو أن الحلول العسكرية التقليدية قد لا تكفي لتأمين الملاحة بشكل كامل ومستدام. إن أي محاولة لفتح المضيق بالقوة قد تشعل حرباً إقليمية واسعة النطاق تمتد لسنوات طويلة وتدمر ما تبقى من بنية تحتية. ومع ذلك، يصر البيت الأبيض على أن حرية الملاحة خط أحمر لا يمكن التنازل عنه، حتى لو أدى ذلك لاندلاع مواجهة مباشرة مع طهران.

​تشير التحليلات السياسية إلى أن استمرار هذا الإغلاق سيؤدي حتماً إلى تفكك تحالفات قائمة أو ولادة تحالفات جديدة لمواجهة النقص الحاد في إمدادات الطاقة. ويراقب العالم بقلق ردود أفعال الأسواق الآسيوية التي تعد المستهلك الأكبر لنفط المنطقة، حيث بدأت بعض الدول بالفعل في البحث عن بدائل مكلفة بعيداً عن الخليج. إن تداعيات الأزمة الحالية تتجاوز الجانب العسكري لتصل إلى صلب المعيشة اليومية لملايين البشر في أقصى بقاع الأرض.

​يبقى المشهد في مياه المنطقة ضبابياً ومشحوناً بالبارود، حيث ينتظر الجميع انقضاء مهلة الثماني وأربعين ساعة التي حددها الرئيس الأميركي لتقرير مصير الملاحة. إن استمرار الشلل في هذه المنطقة الاستراتيجية لا يهدد فقط أسعار الوقود، بل يضع النظام الدولي برمته تحت اختبار حقيقي للقدرة على إدارة الأزمات الكبرى. وفي غياب لغة الدبلوماسية، يظل الرصاص والصواريخ هما اللغة الوحيدة المسموعة فوق أمواج القلق والترقب التي تغلف المنطقة.