< بين الرفض والقبول.. شروط إسرائيل الصعبة لإنهاء الأزمة اللبنانية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

بين الرفض والقبول.. شروط إسرائيل الصعبة لإنهاء الأزمة اللبنانية

لبنان
لبنان

​تدخل التحركات الدبلوماسية الرامية لتهدئة الأوضاع في لبنان نفقاً مظلماً مع دخول الاتصالات اللبنانية الأميركية في إجازة مفتوحة، حيث باتت لغة النار في مضيق إسرائيل هي المحرك الوحيد للأحداث الجارية جنوباً. وتتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية من أن يطول أمد هذا الجمود، مما يترك الساحة اللبنانية وحيدة أمام آلة الحرب العسكرية بانتظار معجزة سياسية تعيد إحياء فرص التفاوض المباشر الذي دعا إليه رئيس الجمهورية جوزيف عون.

​وحسب تقرير لـ «الشرق الأوسط»، فإن الاتصالات المتعلقة بوقف إطلاق النار تراوح مكانها وتصطدم بحائط مسدود، نتيجة إصرار الجانب الإسرائيلي على توجيه ضربة عسكرية قاضية لمخزون "حزب الله" الصاروخي. وفي المقابل، يواصل الحزب تصديه لمحاولات التوغل البري لمنع السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، مما يجعل الصراع في مضيق إسرائيل والمناطق الحدودية يتخذ طابعاً تدميرياً يهدد بقطع آخر الجسور التي تربط الجنوب اللبناني بباقي المناطق.

​تؤكد المصادر المطلعة أنه لا مجال حالياً لوقف إطلاق النار في ظل تمسك "حزب الله" بسلاحه، حيث يعتبر الحزب أن هذه المواجهة هي معركة وجودية بامتياز. ويرى الحزب أن التخلي عن قدراته العسكرية في غياب ضمانات حقيقية يعني الموافقة الضمنية على إلغاء دوره السياسي في لبنان، وهو ما يدفع الجانبين نحو مزيد من التصعيد العسكري الذي يغلق كل نوافذ الحوار المتاحة حالياً في المنطقة.

​وينسحب هذا الموقف المتصلب على الجانب الإسرائيلي المدعوم بغطاء أميركي واضح، إذ ترفض تل أبيب وقف العمليات العسكرية قبل ضمان إنهاء دور أذرع إيران الإقليمية. ويظهر الصراع في مضيق إسرائيل كجزء من مواجهة كبرى تشمل طهران وواشنطن، مما يجعل قرار السلم والحرب يتجاوز الحدود اللبنانية المحلية ليرتبط كلياً بموازين القوى الدولية ونتائج الصدام المباشر على الجبهة الإيرانية المشتعلة التي تلقي بظلالها على الجميع.

انسداد أفق الحوار السياسي

​تشير المصادر إلى أن الحوار بين الرئيس عون وقيادة "حزب الله"، الذي سعى رئيس مجلس النواب نبيه بري لتمهيد أجوائه، ما زال متوقفاً نتيجة غياب التواصل مع الجناح العسكري. ويُعزى هذا الانقطاع إلى تفلت الجانب العسكري في الحزب من التعهدات السابقة بعدم التدخل إسناداً للأطراف الخارجية، مما جعل أي حوار سياسي داخلي يفقد جدواه الحقيقية طالما أن القرار النهائي بيد قيادات مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني.

​وكشفت المعلومات لـ «الشرق الأوسط» أن الحزب لم يتلقَّ حتى الآن أي ضمانات تطمئنه على مستقبله السياسي في حال تسليم سلاحه لعهدة الدولة اللبنانية رسمياً. ويتمسك الحزب بموقفه الرافض للتسليم المجاني في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق الجنوبية ورفض تل أبيب الالتزام باتفاق وقف الأعمال العدائية، مما يعقد مهمة الوسطاء الدوليين الذين يحاولون إيجاد صيغة وسطية تضمن تلازم الخطوات بين جميع الأطراف المتنازعة.

​وتتساءل قيادة الحزب، ممثلة في أمينها العام نعيم قاسم، عن الأسباب التي دفعت واشنطن للتخلي عن الضمانات السابقة التي كانت ستسمح بتطبيق الاتفاق الفرنسي الأميركي المشترك. ورغم المطالبة بتنفيذ الاتفاق المبرم في نوفمبر 2024، إلا أن غياب التوازن في الضغوط الدولية أدى إلى فشل اللجنة المكلفة بالإشراف على تطبيق القرار الدولي 1701، مما أعاد المشهد إلى نقطة الصفر بانتظار تغير في الموقف الأميركي.

​وفي ظل هذا التوتر، يبرز الإشكال الناجم عن التباين في المواقف بين الحلفاء الداخليين، حيث حاول الوزراء المحسوبون على الرئيس بري إظهار التماسك عبر تأييد القرارات الحكومية. ورغم امتناع وزراء الحزب عن التصويت في بعض الأحيان، إلا أن هناك إصراراً متبادلاً على تجنب السجالات العلنية للحفاظ على ما تبقى من تحالفات سياسية في مواجهة الضغوط العسكرية المتزايدة التي تفرضها الحرب في مضيق إسرائيل والجبهة الجنوبية.

أولويات الإيواء وحماية النازحين

​ينصرف رئيس مجلس النواب نبيه بري حالياً لمواكبة جهود الحكومة في تأمين احتياجات النازحين الذين هجروا من قراهم تحت وطأة القصف الممنهج والتهجير القسري. وتعمل الهيئات المدنية والجمعيات الأهلية بتوجيهات مباشرة لتوفير أماكن الإيواء الضرورية، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالإجراءات الأمنية للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع أي احتكاكات محتملة قد تؤدي إلى توترات اجتماعية بين النازحين والمجتمعات المضيفة لهم.

​ويشدد بري على أن حماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان. ويرى أن احتضان النازحين هو الأولوية القصوى حالياً، مشيداً بالتكافل الاجتماعي الذي أظهره اللبنانيون في مواجهة موجات التهجير الجديدة التي تسببت فيها العمليات العسكرية الواسعة، معتبراً أن تماسك الجبهة الداخلية هو السد المنيع الوحيد المتبقي أمام محاولات تمزيق النسيج الوطني اللبناني.

​وقد أثار تركيز بري على الملف الإنساني تساؤلات حول أسباب توقف محركاته السياسية الدبلوماسية التي اعتاد تشغيلها في الأزمات الكبرى السابقة للوصول إلى تسويات. ويبدو أن الجواب يكمن في قناعته بأن التفاوض تحت الضغط العسكري المباشر هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً، وأنه لا يمكن الدخول في مسارات مجهولة الزمان والمكان وجدول الأعمال دون وجود ضمانات دولية حقيقية تكفل سريان مفعول أي قرار يتم التوصل إليه.

​وترى الأوساط المتابعة أن الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة التي تتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن تعطل الاتفاقات التي تمت برعايتها سابقاً مع الجانب الفرنسي. ويظل تنفيذ القرار 1701 معلقاً على مدى تجاوب واشنطن مع المطالب اللبنانية بتوفير حماية حقيقية للمدنيين ووقف تدمير القرى الحدودية، وهو الأمر الذي يبدو بعيد المنال في ظل الانحياز الكامل للأهداف العسكرية الإسرائيلية في هذه المرحلة الحرجة.

مبادرة عون وضغوط الميدان

​توقفت المصادر السياسية أمام ترحيب السفير الأميركي في بيروت بدعوة الرئيس جوزيف عون لإجراء مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي لإنهاء حالة الصراع المشتعلة. ورغم أن هذا الترحيب بدا إيجابياً في ظاهره، إلا أن المصادر اعتبرت أن الطريقة التي طُرح بها قد أغلقت الأبواب أمام المبادرة بدلاً من فتحها، لأنها أوحت بأن المفاوضات يجب أن تتم تحت ضغوط النار في مضيق إسرائيل وبقية الجبهات المفتوحة.

​وتعتبر القوى السياسية اللبنانية أن أي مفاوضات مباشرة تتطلب أولاً وقفاً فورياً وشاملاً للأعمال العدائية لفسح المجال أمام المفاوضين للعمل في بيئة هادئة بعيدة عن التهديد. وترى أن الدور الأميركي يجب أن يتركز على فرض التهدئة أولاً كضمانة لنجاح أي مسار دبلماسي، بدلاً من استخدام التصعيد العسكري كأداة للضغط لتحصيل مكاسب سياسية لصالح طرف واحد على حساب السيادة الوطنية اللبنانية والأمن الإقليمي العام.

​ويبقى التلازم بين الجبهة اللبنانية والمواجهة الكبرى مع إيران هو العائق الأكبر أمام أي حل منفرد قد يسعى إليه الداخل اللبناني بعيداً عن صراعات المنطقة. ويؤكد المراقبون أن تعقيدات الميدان العسكري تفرض واقعاً جديداً يتجاوز التفاهمات الورقية القديمة، حيث يسعى كل طرف لتحسين شروطه التفاوضية من خلال السيطرة على الأرض، مما يجعل موعد انتهاء "الإجازة الدبلوماسية" أمراً لا يمكن التنبؤ به في المدى المنظور.

​وفي نهاية المطاف، يجد لبنان نفسه محاصراً بين مطرقة العمليات العسكرية الإسرائيلية وسندان الارتباطات الإقليمية المسلحة، مع غياب كامل لأي تحرك خارجي فعال يضع حداً للنزيف. وتظل كلمة الفصل للميدان الذي بلغ ذروة الانفجار، بانتظار لحظة توازن دولي قد تسمح بإعادة الروح للمساعي الدبلوماسية التي تبدو اليوم جثة هامدة تحت ركام البيوت المدمرة في الجنوب وفي عمق الصراع الدائر حول مضيق إسرائيل المشتعل.