< كسرت حاجز المسافات.. صواريخ إيران تضع القواعد الغربية تحت التهديد المباشر
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

كسرت حاجز المسافات.. صواريخ إيران تضع القواعد الغربية تحت التهديد المباشر

صواريخ إيران
صواريخ إيران

​أثار إطلاق طهران صواريخ باليستية بعيدة المدى باتجاه القاعدة العسكرية المشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي تساؤلات عميقة ومخاوف جدية. ويأتي هذا التطور الخطير ليفتح الباب أمام نقاشات مكثفة حول احتمال تصاعد الصراع في الشرق الأوسط واتساع رقعته الجغرافية. وتعد صواريخ إيران في هذه العملية بمثابة رسالة استراتيجية غير مسبوقة تتجاوز حدود الإقليم لتنذر بمتغيرات جديدة في موازين القوى العالمية وحسابات الردع.

​حسب تقرير لـ صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، فإن هذا الهجوم يمثل المرة الأولى منذ اندلاع الحرب الحالية التي يجري فيها استخدام صواريخ بهذا المدى البعيد. ورغم أن الصواريخ لم تصب الأهداف المقصودة بدقة، إلا أن الجيش الإسرائيلي سارع إلى تأكيد خطورة هذا التطور العسكري. وتتجه الأنظار الآن نحو فهم الطبيعة التقنية لهذه الأسلحة ومدى قدرتها الحقيقية على تجاوز الدفاعات الجوية الغربية المعقدة وتشكيل تهديد مباشر وحقيقي.

​ولم تؤكد طهران رسمياً حتى الآن عملية إطلاق الصواريخ نحو تلك القاعدة النائية في المحيط الهندي. واكتفت وسائل الإعلام الإيرانية، ومن بينها وكالة مهر شبه الرسمية، بنقل تقارير عن وسائل إعلام أجنبية تشير إلى الحادثة. وتتعمد القيادة الإيرانية الحفاظ على حالة من الغموض الاستراتيجي الذي يربك حسابات الخصوم ويجعلهم في حالة تأهب دائم للتعامل مع أي تصعيد محتمل أو مفاجآت عسكرية قد تغير مسار المواجهة المشتعلة حاليا.

​ويدفع هذا الغموض الخبراء والمحللين إلى البحث المعمق في تداعيات هذا الهجوم الذي ورغم أنه لم يحقق أهدافه العسكرية المباشرة، إلا أنه يحمل دلالات خطيرة. ويدور النقاش حاليا حول ما يعنيه ذلك بالنسبة لاتساع نطاق الأهداف المحتملة التي قد تطالها الضربات المستقبلية. ويطرح المراقبون في هذا السياق سؤالا جوهريا حول ما إذا كانت عواصم أوروبية كبرى مثل برلين وباريس ولندن قد تصبح ضمن مدى الاستهداف الإيراني الفعلي قريبا.

أبعاد التهديد الجغرافي وقدرات الردع الإيرانية

​وفي سياق الرد على هذه المخاوف المتصاعدة، صرح وزير الإسكان في الحكومة البريطانية، ستيف ريد، محاولا طمأنة الرأي العام المحلي والأوروبي. وأكد ريد أنه لا توجد حتى اللحظة أي تقييمات استخباراتية أو أمنية تدعم ما ذكره الجيش الإسرائيلي من أن طهران تمتلك قدرات باليستية قادرة على الوصول إلى لندن. وشدد الوزير على غياب أي مؤشرات ملموسة تثبت وجود نوايا إيرانية لاستهداف الأراضي البريطانية أو القدرة الفعلية على ذلك.

​وكانت طهران تلتزم لسنوات طويلة بحد أقصى فرضته على نفسها لمدى ترسانتها الباليستية، والذي كان يقدر بنحو ألفي كيلومتر فقط. لكن المحللين العسكريين يرون الآن أن هذا السقف الاستراتيجي قد يكون تراجع تماما أو لم يعد مطبقا على أرض الواقع في ظل التطورات والمواجهات الأخيرة. وتعتبر صواريخ إيران اليوم محور اهتمام عالمي بعد أن أظهرت قدرة نظرية وعملية على تجاوز الحدود التي كانت تعلنها القيادة السياسية والعسكرية.

​وفي هذا الصدد، أوضحت غنچه حبيبي زاد، المحللة في قسم بي بي سي فارسي، أن البرنامج الصاروخي الإيراني ظل لسنوات طويلة موضع تدقيق دولي صارم. وأشارت إلى أن القيادة في طهران تؤكد باستمرار أن جهود تطوير الصواريخ تندرج حصريا في إطار الدفاع المشروع عن النفس والردع المتبادل. ومع ذلك، يرى المنتقدون أن التقدم المتسارع في التكنولوجيا الباليستية بعيدة المدى قد يخل بشكل خطير بموازين الأمن والاستقرار في المنطقة.

​ويأتي هذا التصعيد العسكري الخطير بعد أقل من شهر واحد فقط على مفاوضات دبلوماسية حساسة كانت جارية لمعالجة المخاوف الغربية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. وكانت الأوساط الدولية تتوقع عقد جولات إضافية من المباحثات لخفض التوتر الإقليمي المتصاعد. لكن هذه الآمال تبددت سريعا قبل أن تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجومهما الأخير والواسع على مصالح إيرانية، مما دفع طهران إلى الرد بقوة واستعراض عضلاتها الصاروخية في مياه المحيط الهندي العميقة.

قاعدة دييغو غارسيا في قلب المواجهة العسكرية

​وتقع جزر تشاغوس النائية، التي تضم جزيرة دييغو غارسيا الاستراتيجية حيث توجد القاعدة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، على بعد نحو أربعة آلاف كيلومتر من السواحل الإيرانية. وتعد هذه المسافة الهائلة مؤشرا مرعبا للدوائر العسكرية الغربية، حيث أن وصول المقذوفات إلى هذا المدى يعني امتلاك طهران تقنيات متطورة. ويمكن استخدام هذه التقنيات المتقدمة في تصنيع مقذوفات عابرة للقارات، وفقا لما نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل في تقاريرها.

​وتتفق شريحة واسعة من المحللين الأمنيين والخبراء الاستراتيجيين مع هذا التقييم الإسرائيلي المقلق. وفي هذا الإطار، صرحت الدكتورة كارين فون هيبل، المديرة العامة السابقة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، لشبكة بي بي سي نيوز حول أبعاد هذه الخطوة. وقالت الدكتورة فون هيبل إنه إذا افترضنا أن الصواريخ وصلت بالفعل إلى محيط دييغو غارسيا، فإن ذلك يؤكد أن المهندسين الإيرانيين يطورون سرا أنظمة باليستية عابرة للقارات بمديات استثنائية.

​وأضافت الخبيرة البارزة أن هذه الترسانة المستقبلية قد يصل مداها التشغيلي إلى نحو عشرة آلاف كيلومتر، رغم أن أجهزة الاستخبارات الغربية لم تر استخدامها فعليا حتى هذه اللحظة. ويعني ذلك بوضوح شديد أن صواريخ إيران التي تطلق من قواعد داخل الأراضي الإيرانية قد تكون قادرة نظريا على الوصول إلى عمق أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الاحتمال يمثل كابوسا استراتيجيا لواشنطن وحلفائها ويفرض إعادة تقييم شاملة للدفاعات الجوية العالمية.

​ويرى مراقبون مختصون في الشؤون العسكرية أن الضربة الصاروخية التي كان يعتزم الحرس الثوري تنفيذها في مياه المحيط الهندي تشير بوضوح إلى تغيير في العقيدة العسكرية. ويدل هذا الهجوم على أن السقف الجغرافي الذي كانت السلطات الإيرانية تفرضه على مدى ترسانتها الباليستية لم يعد قائما أو معترفا به. وهذا التحرر من القيود الذاتية يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد ومكلف في منطقة الشرق الأوسط والمحيط الهندي وما وراءهما.

​وفي قلب العاصمة الإيرانية طهران، تعكس المشاهد اليومية حالة التعبئة العامة والتحدي المفتوح للغرب. ويمر المارة باستمرار بجانب لافتات دعائية ضخمة تظهر صواريخ تنطلق بقوة من خريطة لإيران ملونة بألوان العلم الوطني الزاهية. ويرى محللون سياسيون أن هذه الخطوة الاستعراضية قد تحمل رسالة مشفرة بشأن نوايا القيادة الإيرانية المستقبلية، من دون أن تشير بالضرورة في هذه المرحلة الحساسة إلى نية فعلية لاستهداف مواقع مدنية تقع خارج المدى التقليدي.

تداعيات استراتيجية على الأمن الأوروبي والأمريكي

​وتؤكد التقارير الصحفية الغربية أن واشنطن كانت تأخذ بجدية تامة احتمال تعرض قاعدة دييغو غارسيا لهجوم مباغت، ولذلك بادرت سريعا بنشر مدمرة عسكرية مزودة بأنظمة اعتراضية متطورة بالقرب من سواحل الجزيرة. وتلعب هذه القاعدة دورا محوريا كمركز رئيسي للعمليات العسكرية الأمريكية والبريطانية، حيث تستضيف قاذفات استراتيجية وغواصات نووية ومدمرات ضخمة. وكان يعتقد سابقا أن هذه المنشأة الحيوية تقع خارج نطاق التهديد المباشر نظرا لبعدها الجغرافي الشاسع عن طهران.

​ورغم حالة القلق المتصاعدة، يشكك بعض المراقبين والخبراء التقنيين في قدرة الترسانة الإيرانية الحالية على بلوغ أهدافها المقصودة بدقة متناهية، حتى في حال عدم اعتراضها من قبل الدفاعات الجوية الغربية. وتدور تساؤلات جدية في الأوساط العلمية والعسكرية حول ما إذا كانت المنشآت الصناعية الإيرانية قد طورت بالفعل التكنولوجيا التشغيلية المعقدة اللازمة لتنفيذ ضربات دقيقة وبعيدة المدى. ويشمل ذلك القدرة على توجيه الرؤوس الحربية والتحكم بها إلكترونيا على مسافات شاسعة.

​وفي محاولة للحد من حالة الذعر التي بثتها التصريحات الإسرائيلية، أكد مسؤولون بريطانيون أن التهديد لا يزال ضمن حدوده الإقليمية المعهودة. وكرر وزير الإسكان البريطاني، ستيف ريد، في مقابلاته الإعلامية أنه لا يوجد أي تقييم استخباراتي محدد أو موثوق يشير إلى أن صواريخ إيران تستهدف المملكة المتحدة بشكل مباشر. وأضاف أن الحكومة لا تعتقد أن طهران قادرة تقنيا على تنفيذ مثل هذا الهجوم المعقد حتى إذا أرادت ذلك حقا.

​ومع ذلك، حذر محللون عسكريون آخرون من مغبة الاستهانة بالقدرات الصناعية العسكرية الإيرانية التي أثبتت مرونتها وقدرتها على التكيف رغم العقوبات الغربية القاسية والمستمرة منذ عقود. وأشاروا إلى أن الأزمة الحالية، التي تضمنت استخدام مقذوفات يقال إنها من طراز خرمشهر المتطور، تثبت أن طهران تستثمر بكثافة في تعزيز ترسانتها الاستراتيجية. وهذا التطور يفرض واقعا أمنيا جديدا على القارة الأوروبية ويضع عواصمها الكبرى تحت ضغط التهديد المحتمل في المستقبل المنظور.

رسائل نفسية ومحاولات إسرائيلية لتوسيع الصراع

​ويرى خبراء استراتيجيون أن للخطوة الإيرانية الجريئة في المحيط الهندي بعدا نفسيا وعسكريا لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه في خضم الحرب النفسية الدائرة. ويعتقد قسم كبير من هؤلاء المحللين أن طهران ربما لم تكن تنوي من الأساس إصابة الأهداف العسكرية الغربية بدقة تدميرية، بقدر ما كانت تسعى إلى توجيه رسالة نارية واضحة للجميع. وتتعلق هذه الرسالة الحازمة بإثبات القدرة على الردع وإظهار القوة الصاروخية أمام الخصوم المتشائمين.

​وفي هذا السياق المعقد، قدم داني سيترينوفيتش، الضابط السابق البارز في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث الحالي في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، تحليلا دقيقا للموقف. وصرح سيترينوفيتش لصحيفة إندبندنت الصادرة في لندن بأن إطلاق الصواريخ لا يعني بالضرورة أن الإيرانيين يعتزمون مهاجمة شوارع لندن أو العاصمة باريس غدا صباحا. لكنه أكد أن هذا الحدث يشكل عنصرا إضافيا وحاسما بالنسبة للقيادة الإيرانية لتعزيز ميزان الردع الإقليمي والدولي.

​من جهة أخرى، يرى مراقبون سياسيون ومحللون مستقلون أن رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه على ما جرى في مياه المحيط الهندي هذا الأسبوع يحمل أهدافا خفية. ويمكن تفسير التصريحات الإسرائيلية المتتالية حول وصول التهديد الإيراني إلى قلب القارة الأوروبية على أنه محاولة سياسية مدروسة لحشد دعم دولي وأوروبي أوسع لصالح تل أبيب. وتسعى القيادة الإسرائيلية من خلال هذا التهويل إلى تصوير صواريخ إيران كخطر وجودي يهدد العالم بأسره.

​وفي قراءة استراتيجية أعمق للمشهد، صرح الجنرال السير ريتشارد شيريف، نائب القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في القارة الأوروبية، لشبكة بي بي سي محذرا من الفخ الإسرائيلي. وقال الجنرال شيريف إنه من الطبيعي جدا أن تروج القيادة الإسرائيلية لمثل هذه التهديدات الواسعة، لأن من مصلحتها الاستراتيجية العليا توسيع نطاق الحرب الحالية. وأضاف أن إسرائيل تهدف إلى إشراك مزيد من الدول الغربية وحلف الناتو إلى جانب الولايات المتحدة.

​واختتم الجنرال شيريف تصريحاته بدعوة الحكومات الغربية إلى ضرورة توخي أقصى درجات الحذر ومقاومة محاولات الانجرار إلى صراع إقليمي مفتوح لا تحمد عقباه.

 وأكد أن الحرب الحالية المشتعلة في الشرق الأوسط لا تبدو لها نهاية واضحة المعالم أو استراتيجية خروج محددة ومتفق عليها. وأشار بوضوح إلى وجود تشكيك واسع النطاق في مصداقية بعض التقديرات الاستخباراتية والعسكرية التي صدرت في السابق بهدف تبرير التدخلات العسكرية وتوسيع رقعة المواجهة المسلحة المستمرة.