< الوساطة الثلاثية.. كيف تحاول تركيا ومصر وباكستان بناء جسر العودة بين ترامب وطهران؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

الوساطة الثلاثية.. كيف تحاول تركيا ومصر وباكستان بناء جسر العودة بين ترامب وطهران؟

ترامب
ترامب

​حبس العالم أنفاسه مع إعلان الرئيس الأميركي ترامب قراراً مفاجئاً يقضي بتمديد المهلة الممنوحة للجانب الإيراني لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، معلناً في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة ستمتنع عن تنفيذ التهديدات العسكرية التي وجهتها سابقاً باستهداف محطات توليد الكهرباء الإيرانية لمدة خمسة أيام إضافية، وذلك في محاولة واضحة من ترامب لمنح القنوات الدبلوماسية الخلفية فرصة أخيرة لتجنب مواجهة شاملة ومدمرة في المنطقة.

​وحسب تقرير لموقع أكسيوس، فإن هذا التحول في موقف البيت الأبيض جاء بعد سلسلة من المحادثات التي وصفها ترامب بأنها كانت جيدة للغاية ومثمرة للغاية مع أطراف إيرانية خلال اليومين الماضيين، حيث يسعى ترامب من خلال هذا المسار إلى التوصل لتسوية شاملة تنهي حالة المواجهة العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط، مشدداً على أن استمرار هذا الهدوء المؤقت يظل رهناً بالنتائج الملموسة للاجتماعات الجارية طوال الأسبوع الحالي.

​وأوضح ترامب في تصريحاته للصحافيين أن التواصل جرى عبر شخصية رفيعة المستوى داخل هيكل السلطة الإيرانية، لكنه استدرك بالتأكيد على أن هذه الاتصالات المباشرة لم تشمل المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مشيراً إلى أن فريق عمله المكون من صهره جاريد كوشنر ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف تولى إدارة هذه الملفات الشائكة التي استمرت النقاشات حولها حتى وقت متأخر من مساء الأحد الماضي بهدف التوصل لاتفاق نهائي.

​ورغم الأجواء التفاؤلية التي حاول ترامب بثها، إلا أن الميدان لا يزال يشتعل بالحرائق والدمار، حيث تتسع رقعة العمليات العسكرية من مضيق هرمز وصولاً إلى قلب طهران وضواحي لبنان، وسط قلق دولي متزايد من أن أي تعثر في هذه القنوات الدبلوماسية قد يدفع المنطقة إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد خلال أيام قليلة، خاصة مع استمرار الهجمات المتبادلة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للطاقة في الجانبين.

​ويعكس هذا الموقف الجديد تحولاً لافتاً في استراتيجية ترامب، الذي صرح قبل أيام قليلة فقط بأنه لا يرغب في وقف إطلاق النار أو الهدنة، مفضلاً خيار الضغط العسكري المباشر، لكن يبدو أن المعطيات الاقتصادية والسياسية دفعت ترامب إلى مراجعة حساباته، خاصة بعد تهديده الصريح بتدمير محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يتم فتح مضيق هرمز خلال مهلة الثماني وأربعين ساعة التي انتهت مساء الاثنين بتوقيت واشنطن.

ترامب ومساعي ترويض الطموح النووي الإيراني

​كشف ترامب عن أن أي اتفاق مستقبلي مع طهران يجب أن يرتكز على شروط صارمة تشمل تخلي إيران الكامل عن طموحاتها النووية وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، حيث أكد ترامب بوضوح أن الإدارة الأميركية لا تريد أي عمليات تخصيب مستقبلي داخل الأراضي الإيرانية، بل وتسعى للاستحواذ على الكميات الموجودة حالياً لضمان عدم عودة البرنامج النووي إلى النشاط العسكري تحت أي ظرف من الظروف.

​وفي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن التهدئة، فإنه لا يزال يلوح بخيارات سياسية راديكالية قد تصل إلى حد تغيير النظام في إيران، مستشهداً بالنموذج الفنزويلي في البحث عن قيادة جديدة يمكن التعامل معها، كما ألمح ترامب إلى أن القوات الأميركية تمكنت من تحييد مستويات قيادية هامة في الهيكل الإيراني، معتبراً أن التعامل الحالي يجري مع من يراه الشخص الأكثر احتراماً وقدرة على القيادة.

​وربط ترامب بشكل مباشر بين نجاح هذه المفاوضات واستقرار أسواق الطاقة العالمية، متوقعاً أن يُعاد فتح مضيق هرمز في وقت قريب جداً بمجرد توقيع الاتفاق، وهو ما سيؤدي حسب رؤية ترامب إلى هبوط سريع في أسعار النفط العالمية التي شهدت تقلبات حادة نتيجة التوترات الأمنية وتهديدات إغلاق الممرات المائية الحيوية، مما يجعل من البعد الاقتصادي محركاً أساسياً في صناعة القرار السياسي بالبيت الأبيض.

​على المفهوم المقابل، سارعت طهران عبر وسائل إعلامها الرسمية إلى نفي وجود أي حوار مباشر مع واشنطن، حيث صورت وزارة الخارجية الإيرانية قرار ترامب بتعليق الضربات الجوية على أنه تراجع اضطراري ناتج عن الخوف من التهديدات الإيرانية المقابلة باستهداف منشآت الطاقة في عموم منطقة الشرق الأوسط، معتبرة أن تصريحات ترامب تهدف بالأساس إلى تهدئة الأسواق المضطربة وكسب الوقت لتنفيذ مخططات عسكرية بديلة.

​وأكدت الخارجية الإيرانية في بيان رسمي أن التراجع الذي أبداه ترامب يندرج ضمن جهوده لخفض أسعار الوقود العالمية التي أرهقت الاقتصادات الكبرى، مشددة على عدم وجود مفاوضات مباشرة، بل مجرد مبادرات من دول إقليمية تسعى لخفض التوتر، وموضحة أن الرد الإيراني كان دائماً يلقي باللوم على الجانب الأميركي باعتباره الطرف الذي بدأ العدوان، وبالتالي فإن مطالب التهدئة يجب أن توجه إلى واشنطن لا إلى طهران.

صراع الإرادات فوق مضيق هرمز الحيوي

​وسط هذا الصخب الدبلوماسي، ظل مضيق هرمز يتصدر مشهد الأزمة، حيث رفعت طهران من سقف تهديداتها بالتلويح باستخدام الألغام البحرية وتعطيل كافة خطوط الملاحة في الخليج العربي إذا تعرضت سواحلها أو جزرها لأي هجوم، ورغم ذلك حاولت إيران بعث رسائل مطمئنة للدول التي وصفتها بـ "غير المتخاصمة"، مؤكدة أن العبور لا يزال ممكناً بشرط التنسيق الأمني المسبق مع قواتها البحرية المرابطة هناك.

​ودخلت سلطنة عمان على خط الأزمة بشكل مكثف، حيث حذر وزير خارجيتها بدر البوسعيدي من التداعيات الاقتصادية الكارثية لاستمرار هذه الحرب التي لم تكن إيران هي من بدأتها حسب قوله، مشيراً إلى أن السلطنة تبذل جهوداً مضنية لوضع ترتيبات فنية تضمن المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز، منعاً لانهيار سلاسل التوريد العالمية التي تعتمد بشكل كلي على هذا الممر المائي الاستراتيجي.

​وتشير التقارير الاستخباراتية الواردة من "أكسيوس" إلى أن تركيا ومصر وباكستان لعبت أدواراً محورية في نقل الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران خلال الساعات الماضية، حيث أجرى وزراء خارجية هذه الدول اتصالات مكثفة مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة للتوصل إلى نقاط اتفاق رئيسية تنهي حالة الاقتتال وتضع حلاً للقضايا العالقة قبل فوات الأوان وانزلاق الأمور.

​وفي موازاة ذلك، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً مع نظيره التركي هاكان فيدان، أكد فيه أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية المستمرة داخل العمق الإيراني تزيد من إصرار طهران على الدفاع عن سيادتها، مبرراً القصف الإيراني على دول الجوار بأنه استهداف لقواعد عسكرية تابعة للمعتدين، ومحملاً واشنطن وتل أبيب المسؤولية الكاملة عن تدهور أمن الملاحة الدولية في منطقة الخليج وبحر العرب.

​كما دخلت موسكو بثقلها في الأزمة عبر اتصال لافروف مع عراقجي، حيث أعلنت الخارجية الروسية رفضها القاطع للضربات التي استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية، خاصة محطة بوشهر، محذرة من مخاطر بيئية كارثية قد تطال المنطقة بأكملها، وأعرب الجانبان الروسي والإيراني عن قلقهما البالغ من توسع النزاع ليصل إلى منطقة بحر قزوين، وهو تطور جديد يضيف أبعاداً جغرافية أكثر خطورة للصراع القائم.

الميدان يشتعل وجبهة طهران تحت القصف

​على الصعيد الميداني، لم يلمس سكان العاصمة الإيرانية أي أثر للتهدئة التي تحدث عنها ترامب، حيث دوت انفجارات عنيفة في مناطق شرق وشمال وغرب طهران، استهدفت مقار قيادية تابعة للجيش والحرس الثوري، وكان من أبرز نتائج هذه الهجمات مقتل البروفيسور سعيد شمقدري، أستاذ جامعة العلم والصناعة وأحد الرواد البارزين في صناعة الصواريخ الإيرانية، والذي قضى مع اثنين من أبنائه في غارة استهدفت منزله بمنطقة شيذر.

​ووثقت وسائل الإعلام الإيرانية مشاهد مروعة للدمار الذي طال مناطق سكنية في طهران وأرومية وتبريز، حيث أعلنت السلطات المحلية مقتل وإصابة العشرات من المدنيين جراء الضربات الجوية المركزة، وفي مدينة خرم آباد غرب البلاد، تسببت الغارات في تدمير كامل لعدة وحدات سكنية، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، وسط عمليات بحث مضنية تحت الأنقاض تقوم بها فرق الهلال الأحمر.

​في المقابل، أكد الجيش الإسرائيلي مواصلة موجات القصف الواسعة ضد البنى التحتية التابعة للنظام الإيراني، مع استمرار إطلاق صافرات الإنذار في الداخل الإسرائيلي لتحذير السكان من الصواريخ الباليستية المنطلقة من إيران، مما يكرس حالة من الرعب المتبادل، حيث توعد الحرس الثوري بالرد بالمثل على أي استهداف لمحطات الكهرباء الإيرانية بضرب منشآت حيوية مماثلة في إسرائيل والمواقع العسكرية الأميركية بالمنطقة.

​وتشير إحصائيات وكالات حقوق الإنسان إلى أن عدد ضحايا الحرب تجاوز حاجز الـ 4200 قتيل مع دخول النزاع يومه الرابع والعشرين، حيث سجلت إيران العدد الأكبر من الضحايا بين مدنيين وعسكريين، فيما تتفاقم الأوضاع الإنسانية في لبنان مع تكثيف الضربات ضد حزب الله، بينما لا تزال التقارير الطبية تتحدث عن مئات الإصابات في مناطق النقب وديمونة داخل إسرائيل جراء القصف الإيراني المركز خلال الأيام الأخيرة.

​وعلى الصعيد الداخلي الإيراني، بدأت آثار الحرب تظهر بوضوح في تضرر آلاف الوحدات السكنية في طهران والمدن الكبرى، مع فرض قيود مشددة على حركة السفن والتنقل بين الجزر، وتزايد الضغوط على قطاع الطاقة الذي يعاني من أضرار مالية بالغة نتيجة إصابة شبكات التوزيع، ورغم تأكيدات وزارة الطاقة الإيرانية على قدرتها على إدارة السيناريوهات الأسوأ، إلا أن الواقع المعيشي يشير إلى اقتراب الشبكة من حافة الانهيار الكامل.

آفاق التسوية ومخاوف الانهيار الاقتصادي الشامل

​باتت الأسواق العالمية تراقب بحذر شديد تحركات ترامب الدبلوماسية، حيث حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار استهداف منشآت الطاقة في تسع دول بالشرق الأوسط يهدد باستقرار الاقتصاد العالمي، ويظل مضيق هرمز هو الورقة الرابحة أو القاتلة في هذا الصراع، حيث يمثل الممر الحيوي الذي تمر عبره معظم إمدادات النفط والغاز العالمية، مما يجعل من أي تسوية سياسية مطلباً ملحاً للقوى الكبرى.

​وتتزايد الضغوط الدولية على مجلس الأمن للتدخل ووقف الأعمال القتالية، في وقت ترفض فيه طهران ما تصفه باستغلال المجلس للضغط عليها، مطالبة روسيا والصين باتخاذ مواقف أكثر حزماً لمنع واشنطن من شرعنة جرائمها حسب التعبير الإيراني، بينما تصر موسكو على ضرورة التوصل لتسوية سياسية تراعي مصالح جميع الأطراف، مشددة على أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والدمار الإقليمي.

​ومع استمرار الوساطة التركية والمصرية والباكستانية، يبدو أن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير المنطقة، فإما أن ينجح ترامب في إتمام صفقته الكبرى التي تضمن نزع السلاح النووي الإيراني وفتح المضيق، وإما أن تنزلق الأمور نحو حرب استنزاف طويلة الأمد تستهدف العصب الاقتصادي للعالم، مما قد يؤدي إلى تحولات جيوسياسية لا يمكن التنبؤ بنتائجها على المدى البعيد في ظل حالة الاستقطاب الدولي الراهنة.

​إن المشهد الحالي في الشرق الأوسط يمثل صراعاً معقداً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية بالطموحات السياسية والعسكرية، حيث يقف ترامب في مركز هذا الإعصار محاولاً موازنة القوة الغاشمة بالدبلوماسية البراغماتية، بينما تحاول طهران الحفاظ على وجودها ونفوذها الإقليمي وسط حصار عسكري واقتصادي خانق، مما يجعل من كل ساعة تمر بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على التراجع عن حافة الهاوية قبل فوات الأوان.

​يبقى الرهان الأكبر على مدى جدية الأطراف في تقديم تنازلات مؤلمة للوصول إلى اتفاق شامل، فالتاريخ القريب يشهد أن الأزمات الكبرى في هذه المنطقة غالباً ما تنتهي بتسويات مفاجئة خلف الأبواب المغلقة، فهل يكتب ترامب فصلاً جديداً من فصول السياسة الدولية بإنهاء هذا النزاع، أم أن شرارة الحرب التي انطلقت من مضيق هرمز ستحرق كل محاولات السلام الهشة التي تجري الآن تحت وطأة الانفجارات والتهديدات المتبادلة.