< سباق مع الزمن في السودان.. الدبلوماسية تطرق الأبواب والرصاص يفتح الجبهات
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

سباق مع الزمن في السودان.. الدبلوماسية تطرق الأبواب والرصاص يفتح الجبهات

السودان
السودان

شهدت العاصمة الخرطوم اليوم الأربعاء حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تصدره رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان الذي التقى بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو. ركز الاجتماع على استعراض كافة السبل الدولية المتاحة حالياً لوقف الحرب المدمرة التي تعصف بمقدرات السودان. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية يتزامن مع تحولات ميدانية متسارعة تفرض تحديات جسيمة على مسار أي تسوية سياسية مرتقبة مستقبلاً.

السودان والبحث عن مسارات السلام الدائم

حسب تقرير لوكالات الأنباء ومصادر ميدانية، فقد جدد المبعوث الأممي التزام المنظمة الدولية الثابت بدعم كافة المساعي الرامية للوصول إلى وقف فوري لإطلاق النار في السودان. وأكد هافيستو خلال مهمته الرسمية الأولى أن زيارته تهدف بشكل مباشر للاستماع لرؤى الفاعلين السياسيين والمدنيين حول سبل الخروج من النفق المظلم. وأشار إلى أن الحل السلمي الشامل يتطلب إرادة حقيقية لخفض التصعيد وحماية المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر في هذا الصراع.

​شدد المبعوث الدولي على أن الحوار يمثل المدخل الوحيد والأساسي لوقف الأعمال العدائية وضمان وحدة وسلامة أراضي السودان التي تهم المجتمع الدولي بأسره. وأوضح أن الأمم المتحدة تظل منخرطة بشكل كامل مع كافة الجهات المعنية لتعزيز الاستقرار وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لكل المتضررين. وأكد هافيستو أن المنظمة الدولية تقف بحزم خلف تطلعات الشعب السوداني في العيش الكريم والأمان، بعيداً عن صراعات السلطة التي تفتت النسيج الاجتماعي للدولة.

​انتقل الحراك الدبلوماسي ليشمل الجانب الاقتصادي، حيث التقى المبعوث بوزير المالية جبريل إبراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة الحليفة للجيش، لمناقشة التداعيات الإنسانية في السودان. واستمع هافيستو لشرح مفصل حول تدهور الأوضاع المعيشية والانهيار الاقتصادي الذي خلفته الحرب المستمرة منذ شهور طويلة. وأعرب الوزير عن رؤية الحكومة السودانية التي ترفض أي إملاءات خارجية أو حلول جاهزة لا تراعي خصوصية الأزمة وتعقيداتها الداخلية التي تتطلب رؤية وطنية خالصة وموحدة.

​أوضح الوزير إبراهيم أن مشاركة كافة الفاعلين الوطنيين تمثل الركيزة الأساسية لبناء خارطة طريق واضحة المعالم تحدد نقطة انطلاق عملية السلام في السودان. وشدد الطرفان خلال اللقاء على ضرورة دمج كافة القوى المسلحة ضمن المؤسسات العسكرية الرسمية وفق أسس قانونية صارمة تضمن هيبة الدولة. واتفقا على أن الوجود الموازي لأي قوى عسكرية خارج إطار القانون يمثل تهديداً وجودياً لمستقبل السودان، مما يستدعي نهجاً تراكمياً مدروساً لتحقيق الاستقرار المستدام.

اشتعال جبهة النيل الأزرق وتداعياتها

في مقابل التحركات الدبلوماسية، كان الميدان يغلي، حيث خرج حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة بتصريحات تؤكد استقرار الأوضاع الأمنية في ولايته الحدودية مع إثيوبيا. وجاءت هذه التصريحات بعد أنباء عن سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية التي تعتبر بوابة هامة في خارطة السودان الشرقية والجنوبية. وأكد العمدة أن القوات المسلحة لا تزال تواصل عملياتها لتأمين الشريط الحدودي وضمان عدم تمدد القتال إلى مناطق جديدة داخل الإقليم المتاخم لدول الجوار.

​دعا حاكم الإقليم المواطنين إلى الصمود وعدم الانسياق وراء الشائعات التي تروج لها غرف إعلامية تهدف لزعزعة الاستقرار وبث الذعر في نفوس سكان السودان. ووصف الجيش الوطني بأنه الخط الأحمر الذي يضمن وحدة النسيج الاجتماعي وحماية البلاد من المؤامرات الخارجية والداخلية التي تستهدف تفتيتها. ومع ذلك، تشير التقارير الميدانية إلى ضغوط عسكرية كبيرة تواجهها القوات الحكومية في عدة محاور استراتيجية بمحيط مدينة الدمازين العاصمة التاريخية للإقليم المضطرب.

​تواترت الأنباء عن تقدم ميداني سريع لقوات تحالف "تأسيس" المدعومة من قوات الدعم السريع، والتي أعلنت سيطرتها الكاملة على مدينة الكرمك الحدودية الهامة في السودان. وأظهرت مقاطع فيديو بثت عبر منصات التواصل الاجتماعي مسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش وتجولهم في مرافق حيوية داخل المدينة الجبلية. وقد تسبب هذا التقدم في موجة نزوح جماعي لمئات الأسر التي فرت باتجاه المناطق الأكثر أمناً خوفاً من الوقوع في شرك القتال المباشر.

​أفادت تقارير محلية أن حكومة ولاية النيل الأزرق قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المدنيين قبل دخول القوات المهاجمة إلى عمق مدينة الكرمك لضمان سلامتهم. ورغم هذه الوقائع، خرجت السلطات المحلية في محافظة باو ببيانات تنفي فيها وجود أي تهديدات عسكرية قريبة، مؤكدة أن ما يشاع هو محض أخبار كاذبة تستهدف السودان وأمنه. ويبقى التناقض بين الروايات الرسمية ومقاطع الفيديو المتداولة يثير قلقاً بالغاً لدى المراقبين حول حقيقة الوضع الميداني على الأرض.

مآسي المدنيين واتهامات القصف الجوي

لم تتوقف مآسي الحرب عند حدود الأقاليم الجنوبية، بل امتدت لتطال ولاية شمال كردفان، حيث وقعت مجزرة بشرية جديدة في بلدة التومات جنوب محلية الرهد. وأسفرت غارة نفذتها طائرة مسيرة مجهولة عن مقتل ستة مدنيين على الأقل وإصابة آخرين كانوا يستقلون شاحنة نقل تجارية مدنية في السودان. وأفاد شهود عيان بأن المشهد كان كارثياً، حيث تم استهداف الشاحنة بشكل مباشر مما أدى لتمزق جثث الضحايا واحتراق الممتلكات المحدودة التي كانت بحوزتهم.

​في سياق متصل، وجهت قوات الدعم السريع اتهامات مباشرة للجيش السوداني بقصف سوق شعبي في بلدة سرف عمرة الواقعة بولاية شمال دارفور المنكوبة. وأكدت القوات في بيان رسمي أن الهجوم أدى لسقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين الذين كانوا يمارسون حياتهم اليومية بشكل طبيعي في السودان. وأشار البيان إلى أن هذا القصف يأتي ضمن سلسلة هجمات استهدفت أيضاً مستشفى الضعين ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني.

​أشارت التقارير الحقوقية إلى أن الهجمات الجوية الأخيرة استهدفت مواقع مدنية خالية تماماً من أي وجود عسكري، مما يرفع وتيرة الاحتقان الشعبي ضد أطراف النزاع في السودان. ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من قيادة الجيش السوداني للرد على هذه الاتهامات المحددة، مما يفتح الباب أمام التكهنات حول تكتيكات الحرب الجديدة. وتظل دماء المدنيين هي الوقود المستمر لهذا الصراع الذي يبدو أنه يبتعد يوماً بعد يوم عن الحلول السلمية المقترحة دولياً.

​تظل الأوضاع في السودان معلقة بين آمال المبعوثين الدوليين وواقع الميدان الذي يزداد تعقيداً مع دخول جبهات جديدة في دائرة الصراع المسلح المباشر. إن المسافة بين قاعات الاجتماعات في الخرطوم وبين جبهات القتال في النيل الأزرق ودارفور تعكس حجم الهوة التي يجب ردمها لتحقيق السلام المنشود. ويقف الشعب السوداني اليوم منتظراً معجزة سياسية تعيد صياغة مستقبله بعيداً عن أصوات المدافع والطائرات المسيرة التي أصبحت جزءاً من يومياته الحزينة.

​إن الحاجة إلى حوار شامل وحقيقي أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية المنهارة تحت وطأة الحرب. ويتطلب هذا المسار تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف لتغليب مصلحة الوطن العليا على المكاسب العسكرية الضيقة التي لا تجلب سوى الدمار والخراب لمدن السودان. ويبقى المجتمع الدولي مطالباً بممارسة ضغوط حقيقية تتجاوز البيانات الدبلوماسية، لضمان حماية المدنيين وفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية الضرورية للبقاء على قيد الحياة.