في ظل اشتعال حرب إيران.. مجموعة السبع تحذر من فخ روسي لاستهداف المصالح الأميركية
توافد وزراء خارجية دول مجموعة السبع إلى دير تاريخي سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني الفرنسية الهادئة، وسط أجواء عالمية مشحونة بالتوترات الجيوسياسية المعقدة. وقد خيمت تداعيات حرب إيران التي اندلعت مؤخراً على كافة النقاشات الجانبية والرسمية، لتفرض نفسها كأولوية قصوى على جدول أعمال الدبلوماسية الغربية التي تبحث عن مخرج.
حسب تقارير لوكالات الأنباء فقد أطلقت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، اتهامات خطيرة وصريحة ضد موسكو. وأكدت المسؤولة الأوروبية البارزة أن روسيا تعمل بنشاط على تزويد طهران بمعلومات استخباراتية دقيقة وحساسة بهدف مباشر يتمثل في قتل مواطنين أميركيين ضمن إطار الصراع الإقليمي المتسع في الشرق الأوسط.
ولم تكتف كالاس بهذه الاتهامات، بل أوضحت في تصريحاتها التي أدلت بها يوم الخميس أن هذا التعاون الاستخباراتي الروسي الإيراني يشكل تهديداً مباشراً للمصالح الغربية. وأضافت أن موسكو تلعب دوراً مزدوجاً، حيث تتلقى وتوفر الدعم في آن واحد، مشيرة إلى أن روسيا تقوم أيضاً بتزويد الجانب الإيراني بطائرات مسيرة متطورة لتعزيز قدراتها.
وأشارت المسؤولة الأوروبية إلى أن هذه الطائرات المسيرة الروسية تمنح طهران القدرة على شن هجمات دقيقة ضد الدول المجاورة لها في المنطقة. كما حذرت من أن هذه الأسلحة تستخدم بشكل مباشر في استهداف القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد والتصعيد العسكري المتبادل بين الأطراف.
ووجهت كالاس رسالة واضحة إلى الإدارة الأميركية، مشددة على أنه إذا كانت واشنطن ترغب حقاً في إيقاف نزيف الدم وتوقف الحرب في الشرق الأوسط، فإن عليها التحرك فوراً. واعتبرت أن تحقيق السلام يتطلب ممارسة ضغوط قصوى وحقيقية على روسيا لمنعها من تقديم هذا الدعم العسكري والاستخباراتي الحيوي الذي يغذي الصراعات.
التاريخ يعيد نفسه في أروقة الدبلوماسية الفرنسية
أعادت هذه التصريحات القوية تسليط الضوء على هواجس العواصم الأوروبية المتصاعدة بشأن الانعكاسات السلبية العميقة التي تخلفها حرب إيران على ترتيب الأولويات الاستراتيجية الأميركية. وتخشى أوروبا بشكل متزايد من تراجع ملحوظ في الاهتمام الأميركي بملف الدفاع عن أوكرانيا، وذلك في مقابل الانغماس الكامل في خطر تفاقم الصراع في منطقة الشرق الأوسط.
ويبدو للمراقبين وكأن عجلة التاريخ تعيد نفسها بدقة مذهلة في هذا التجمع الدبلوماسي رفيع المستوى لوزراء خارجية الدول الصناعية الكبرى. فالمكان الذي اختارته باريس للاجتماع، وهو بلدة فوـ دوـ سيرني، لا يبعد سوى خمسة عشر كيلومتراً فقط عن قصر رامبويه التاريخي الشهير الذي شهد ولادة النواة الأولى لهذا التكتل الدولي البارز.
فقبل خمسين عاماً بالتمام والكمال، وتحديداً في أعقاب التداعيات الاقتصادية العنيفة التي نتجت عن صدمة النفط العالمية، وجه الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان دعوة تاريخية. فقد جمع قادة الدول الصناعية، باستثناء كندا آنذاك، في قمة طارئة بقصر رامبويه لمناقشة تداعيات حرب أكتوبر بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة.
في تلك الحقبة المفصلية من تاريخ العلاقات الدولية، ولدت ما عُرف بمجموعة الست، والتي توسعت لاحقاً لتصبح مجموعة السبع بعد انضمام كندا إليها. ثم تحولت إلى مجموعة الثمانية بانضمام روسيا، قبل أن يقرر الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما طرد موسكو منها في عام ألفين وأربعة عشر بسبب اندلاع أزمة أوكرانيا الأولى.
محاور النقاش تتركز على أزمات الشرق الأوسط
ينصب الاهتمام الأول والرئيسي لوزراء خارجية مجموعة السبع على التطورات المتسارعة والخطيرة المرافقة لمسار حرب إيران المستعرة وتداعياتها الكارثية على المنطقة. ومن المنتظر أن ينضم إلى هؤلاء الوزراء نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح يوم الجمعة، في خطوة تأمل العواصم الغربية أن توفر إجابات واضحة حول الرؤية الأميركية المستقبلية لإدارة هذه الأزمة.
وإلى جانب الأعضاء الدائمين، دعت الرئاسة الفرنسية وزراء خارجية أربع دول ذات ثقل إقليمي ودولي للمشاركة في هذه المحادثات الهامة. وشملت الدعوة وزراء خارجية كل من المملكة العربية السعودية، والهند، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، في مسعى فرنسي لتوسيع دائرة التشاور وخلق جبهة دولية عريضة قادرة على التعامل مع ارتدادات الصراع الاقتصادي والأمني.
ومنذ الساعات الأولى لصباح الخميس، تحولت أروقة الدير التاريخي إلى خلية نحل، حيث كان ملف الصراع الإقليمي المحور المهيمن على كافة الاجتماعات الثنائية الجانبية. وقد تم الإعلان عن تخصيص جلسة العمل الخامسة، والمقرر عقدها بعد ظهر يوم الجمعة، لتكون تحت عنوان صريح ومباشر يناقش الوضع في إيران وتبعاته الشاملة على المنطقة.
وفي سياق متصل، خططت العاصمة الفرنسية لعقد جلسة سادسة موسعة تتمحور بالأساس حول مفاهيم السلام والأمن في النظام العالمي الراهن. وبحسب بيان رسمي أصدرته وزارة الخارجية الفرنسية، فإن هذه الجلسة ستفتح الباب واسعاً للتشاور المعمق حول أزمات دولية إضافية ملحة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، والأوضاع الإنسانية المأساوية في غزة والسودان.
هواجس أوكرانية من تراجع الدعم الغربي
حرصت فرنسا على دعوة وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة بشكل شخصي في هذا الاجتماع الدولي المخصص لمناقشة شؤون بلاده. وتأتي هذه المشاركة في وقت تتصاعد فيه مخاوف كييف الحقيقية من الانعكاسات السلبية العميقة التي تفرضها حرب إيران على مستوى الاهتمام الغربي، والأميركي على وجه الخصوص، بالمعركة التي تخوضها ضد روسيا.
وتريد باريس من خلال ترؤسها لمجموعة السبع هذا العام أن تبعث برسائل واضحة تؤكد على ثلاثة مبادئ رئيسية لا غنى عنها. وتتمثل هذه المبادئ في تعزيز التضامن بين الدول الديمقراطية، وحماية الاستقرار الاقتصادي العالمي، وتحمل المسؤولية الجماعية لمواجهة التحديات، بهدف تنسيق المواقف والمبادرات للعمل المشترك لصالح إحلال السلام في الشرقين الأدنى والأوسط.
وانطلاقاً من هذه المبادئ الراسخة، تدور اجتماعات بلدة فوـ دوـ سيرني حول ثلاثة محاور رئيسية وضعتها الدبلوماسية الفرنسية بعناية فائقة. ويركز المحور الأول بشكل مكثف على البحث عن تسويات سياسية قابلة للتنفيذ للأزمات الكبرى المشتعلة، بدءاً من أوكرانيا وإيران والسودان وغزة، وصولاً إلى أزمات هايتي وفنزويلا وكوبا، والتوترات في منطقة الهندي والهادئ.
كما سيفرض الملف اللبناني نفسه بقوة على طاولة النقاشات وفي اللقاءات الثنائية المتعددة، وذلك بفضل التركيز الفرنسي الملح على إيجاد سبل فعالة لوقف التصعيد. وتسعى باريس بكل ثقلها الدبلوماسي للترويج لورقتها السياسية التي تدعو إلى إطلاق مفاوضات غير مباشرة لإنهاء التوتر، وهو ما برز في لقاءات الوزير الفرنسي مع نظرائه.
الترقب سيد الموقف بانتظار الرؤية الأميركية
اشتكى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة صريحة مع صحيفة لوموند الفرنسية من وجود تضارب واضح في الرؤى الاستراتيجية بين كييف وواشنطن. وعبر عن إحباطه من القراءة الأميركية للنوايا الروسية، مؤكداً أن الضغوط الدولية الموحدة والصارمة هي وحدها القادرة على إجبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الجلوس إلى طاولة مفاوضات السلام الحقيقية.
وأشار زيلينسكي بمرارة إلى تسريبات تفيد بأن الإدارة الأميركية الجديدة تحاول ربط الضمانات الأمنية المستقبلية لأوكرانيا بتنازلات إقليمية قاسية. وتتضمن هذه الشروط تخلي كييف عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، وهو ما اعتبرته كايا كالاس نهجاً خاطئاً ومطابقاً لاستراتيجية التفاوض الروسية التي تطالب بأراض لا تملكها، محذرة الغرب من الوقوع في هذا الفخ.
رغم تعدد الملفات، يبقى الهم الرئيسي لوزراء المجموعة متمحوراً حول القلق المتنامي من السياسات الأميركية المتقلبة ومستقبل إمدادات الطاقة العالمية. ويشكل الوضع الأمني المتدهور في مضيق هرمز نقطة توتر قصوى، حيث صرح مصدر دبلوماسي أوروبي بأن المشكلة الأساسية تكمن في الانعدام التام للرؤية الواضحة حيال ما ينوي الرئيس دونالد ترمب القيام به.
وتثير التصريحات المتغيرة للرئيس الأميركي مخاوف حقيقية من انعكاساتها المدمرة على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس فقط في الخليج، بل على الصعيد العالمي بأسره. ويزيد من حدة هذا الاستياء الأوروبي حقيقة أن شركاء واشنطن التقليديين لم يتم التشاور معهم مسبقاً أو إشراكهم في القرار قبل اندلاع حرب إيران التي نفذت بتنسيق وتخطيط مسبق.
من هنا، يعول المجتمعون بشكل استثنائي على حضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والذي تعلق عليه الآمال لتقديم مقاربة عقلانية ومقنعة للخطط الأميركية. ويريد ممثلو الدول السبع استيضاح معالم اليوم التالي للعمليات العسكرية، ومستقبل إمدادات الطاقة الحيوية، وحجم الدور العسكري والمادي المطلوب منهم للمساهمة في تأمين حرية الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
تحديات الحوكمة وتجنب الخلافات الدبلوماسية
يتضمن المحور الثاني من النقاشات قضايا إصلاح الحوكمة العالمية ومشاريع إعادة الإعمار، حيث يهدف المجتمعون لإطلاق أعمال ملموسة لحماية سلاسل الإمداد الإنسانية. ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي في هذا المحور الذي سيتناول ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل، بينما يركز المحور الثالث على مكافحة التهديدات العابرة للحدود كتهريب المخدرات والجريمة المنظمة وقضايا الأمن البحري.
ولم تنس دول مجموعة السبع الصعوبات البالغة التي تواكب عادة بلورة وصياغة أي بيان ختامي مشترك عقب اجتماعاتها الماراثونية المتوترة. وتزداد هذه الصعوبات بشكل ملحوظ عندما تكون الإدارة الأميركية الحالية طرفاً أساسياً فيها، نظراً لاختلاف الرؤى وتضارب المصالح وتباين التوجهات السياسية والاقتصادية بشكل جذري بين ضفتي المحيط الأطلسي والشركاء الأوروبيين.
ولتحاشي وقوع إشكالات دبلوماسية أو تفجر جدل علني يعمق هوة الخلافات بين الحلفاء الغربيين، تقرر مسبقاً عدم إصدار بيان ختامي تقليدي. وتم اعتبار اجتماعات فوـ دوـ سيرني الحالية مجرد جلسات تحضيرية وتمهيدية لقمة قادة مجموعة السبع الكبرى المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية في يونيو المقبل، والتي ستسبقها اجتماعات لوزراء المالية نهاية الشهر الجاري.