الحرب على إيران: ثلاث أهداف حاسمة لإعادة ضبط معادلة التهديد الإقليمي والدولي
من غير المتصور أن تنتهي الحرب الدائرة ضد إيران ما لم تنجح الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، في تحقيق ثلاثة أهداف حاسمة تعيد ضبط معادلة التهديد من جذورها، لا مجرد الحد من تأثير أدواته الحالية، فجوهر هذا الصدام لا يكمن في حجم القوة المستخدمة، بل في القدرة على استهداف “مراكز الثقل” التي تمنح النظام الإيراني أدواته الفعلية للابتزاز الاستراتيجي. ومن ثم، فإن أي مسار لا يفضي إلى تفكيك هذه المراكز سيظل عاجزًا عن تحقيق نهاية حقيقية وراسخة للحرب.
وفي ترجمة عملية لهذه الرؤية، يتمثل الهدف الأول في حرمان النظام من القدرة على احتجاز المنطقة والاقتصاد العالمي كرهينة، من خلال فتح مضيق هرمز بالقوة. فالمسألة لا تتعلق فقط بضمان حرية الملاحة، بل بكسر معادلة هيكلية تمنح طهران نفوذًا يتجاوز قدراتها العسكرية المباشرة، وعليه، فإن عملية إعادة فتح المضيق يجب أن تقترن بفرض سيطرة عملياتية مستدامة على نقاط الاختناق، وتفكيك منظومات التهديد المرتبطة بها، بما يحول دون إعادة إنتاج هذه القدرة مستقبلًا. فطالما ظل هذا المسار الحيوي عرضة للابتزاز، ستبقى الحرب — بصرف النظر عن مسارها العسكري — دون حسم استراتيجي كامل.
أما الهدف الثاني، فيتمثل في القضاء الكامل على عنصر الردع الكامن في البرنامج النووي الإيراني، عبر إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من متناول النظام، سواء بالسيطرة عليه أو بتدميره على نحو يحول دون استعادته أو إعادة توظيفه. وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة في ظل امتلاك كميات تُقدَّر بنحو 460 كيلوجرامًا مخصبًا بنسبة 60%، وهي كمية تضع إيران — نظريًا على الأقل — على مسافة قصيرة من إنتاج مادة انشطارية كافية لصنع أكثر من عشر قنابل نووية. إذ إن مجرد الاحتفاظ بهذا المخزون، حتى في حال تدمير منشآت التخصيب أو إضعاف القدرة على تحويله إلى سلاح، يمنح الحرس الثوري هامشًا واسعًا للمناورة السياسية، ويفتح مسارًا محتملاً لاختراق نووي عسكري في المستقبل. ومن ثم، فإن تحييد هذا العنصر يُعد شرطًا لازمًا لإسقاط أحد أهم أعمدة القوة والنفوذ التي يمتلكها النظام.
إلى جانب التحكم في مضيق هرمز وتحييد البرنامج النووي، يظل تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني هدفًا استراتيجيًا ثالثًا لا يقل أهمية في إعادة تشكيل بيئة التهديد. فالقدرات الصاروخية تمثل أداة تكتيكية مباشرة للضغط على الجيران، وللتأثير في موازين الردع الإقليمي، وقد استخدمها الحرس الثوري بشكل متزايد لتأكيد القدرة على ابتزاز دول الجوار، بما في ذلك إسرائيل والدول الخليجية. ومن ثم، فإن أي استراتيجية تهدف إلى تحقيق نهاية حقيقية للحرب لا يمكن أن تتجاهل هذه القدرة، بل يجب أن تشمل عمليات دقيقة لاستهداف منظومات الصواريخ الباليستية، مع التركيز على تفكيك البنية التحتية والقدرات التشغيلية التي تتيح إطلاقها، لضمان منع استخدامها كأداة تهديد أو ابتزاز في المستقبل، والامر يمتد الي ضروره القضاء علي أدوات ايران في المنطقه والمقصود بذلك كافه التكتلات والمليشيات المسلحه التابعه لها علي المستوي الاقليمي
في هذا السياق، ينبغي ضمان أن النظام — حتى إن استمر — لن يكون قادرًا على تهديد محيطه أو استخدام أدوات الابتزاز الاستراتيجي التي يمتلكها حاليًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، عبر استهداف مباشر ومركز للأدوات الثلاثة: مضيق هرمز، اليورانيوم عالي التخصيب، والبرنامج الصاروخي الإيراني.
وعليه، فإن نجاح هذه المقاربة كفيل بإعادة تعريف موقع إيران في المعادلة الإقليمية، من فاعل يمتلك أدوات ضغط هيكلية إلى طرف مُقيَّد القدرة على التأثير، حتى وإن احتفظ ببنيته السياسية ، أما الإخفاق في ذلك، فسيؤدي إلى ترسيخ نموذج أكثر خطورة من القوة غير المتكافئة، يقوم على توظيف اختناقات الاقتصاد العالمي وعتبة الردع النووي لتحقيق مكاسب سياسية، بما يحمل تداعيات تتجاوز حدود الإقليم إلى بنية النظام الدولي ذاته.
ورغم التعقيد الذي يواجه تنفيذ هذه الأهداف، فإن كلفة عدم تحقيقها تبدو أعلى بكثير؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بمسار الحرب الراهنة، بل بمستقبل نظام منع الانتشار النووي، وبمدى قدرة النظام الدولي على احتواء نماذج الابتزاز الاستراتيجي في بيئة تتسم بتزايد الاعتماد المتبادل والهشاشة الهيكلية.
في ضوء التفاعلات الراهنة، لم تعد كلفة الحرب تُقاس فقط بموازين القوة العسكرية، بل بما تفرضه من ضغوط متصاعدة على الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار الطاقة وتزايد احتمالات عودة موجات التضخم يضع صناع القرار في كلٍّ من واشنطن وتل أبيب تحت ضغط زمني واستراتيجي متزايد. وكلما طال أمد الصراع، تعاظمت كلفته غير المباشرة، ليس فقط على الاستقرار الاقتصادي الدولي، بل على قدرة الطرفين على الحفاظ على زخم العمليات دون انعكاسات داخلية أو مالية ضاغطة.
ومن ثم، تكتسب الأيام القليلة المقبلة أهمية حاسمة في ظل المهلة التي حددها الرئيس ترامب للتوصل إلى اتفاق نهائي. إذ تمثل هذه النافذة الزمنية نقطة مفصلية بين مسارين: إما احتواء الصراع عبر تسوية تفرض قيودًا واضحة على أدوات التهديد التي يمتلكها النظام الإيراني، أو الانزلاق إلى تصعيد أوسع تُفرض فيه كلفة أعلى على جميع الأطراف، في لحظة دولية تتسم أصلًا بهشاشة اقتصادية متزايدة.
السفير عمرو حلمي