حقائق صادمة عن سلالة بهلوي.. قصة عائلة حكمت إيران بالحديد والنار والعداء للعرب
بدأت ملامح التغيير الجذري في خارطة الإمبراطورية الفارسية القديمة تأخذ منحىً جديداً مع بزوغ نجم رضا خان، الذي انتقل من حراسة الإسطبلات إلى قمة الهرم العسكري والسياسي، حيث اعتمدت سلالة بهلوي منذ عام 1925 نهجاً مركزياً متصلباً سعى لتقويض نفوذ الأقاليم المختلفة، مستبدلاً الحكم القاجاري التركماني بسلطة قومية فارسية مطلقة. كان هذا التحول بمثابة زلزال مجتمعي أعاد صياغة صورة إيران الإقليمية لعقود طويلة، مؤسساً لقطيعة مع الموروثات الثقافية التي سادت لقرون.
وحسب تقرير لـ "اندبندنت عربية" فإن رضا خان لم يكتفِ بالانقلاب العسكري بل شرع في احتلال إمارة عربستان في عام 1925. قاد الجيش الإيراني نحو الأحواز والمحمرة ليسقط حكماً عربياً ذاتياً كان معترفاً به تاريخياً من قبل ملوك القاجار، محولاً إياه إلى سيادة مركزية فارسية. أحاط الشاه نفسه بنخبة قومية مشبعة بأفكار شوفينية راديكالية معادية للعرب، مما أدى إلى تغيير التقويم القمري الإسلامي إلى تقويم شمسي بأسماء زرادشتية، في خطوة عكست الرغبة العارمة في محو الأثر العربي تماماً من الوجدان الشعبي.
استمرت سياسات التغيير الديموغرافي والجغرافي عبر تبديل أسماء المدن والقرى والأنهار من العربية إلى الفارسية في كافة أرجاء المنطقة التي تعرف اليوم بخوزستان. كان الهدف من هذه الاستراتيجية الأمنية والعسكرية هو تطهير المنطقة من هويتها الأصلية، حيث تم تغيير اسم المحافظة من عربستان لقطع الصلة التاريخية والحضارية بسكانها العرب. تزامنت هذه التحولات مع إعجاب الشاه رضا بالأفكار النازية الصاعدة في أوروبا، مما دفعه للتقارب مع أدولف هتلر لإيمانه بوجود روابط عرقية آرية مشتركة تجمع الفرس بالجرمان.
تجلى التأثير النازي في مشاريع البنية التحتية الإيرانية، حيث لا تزال محطة قطارات طهران المركزية تحمل نقوشاً وصليباً معقوفاً يرمز لتلك الحقبة السياسية المثيرة للجدل. قلص نظام بهلوي الأول العطلات الإسلامية الرسمية وحارب المظاهر الدينية التقليدية، سعياً لدمج المجتمع في قالب قومي علماني يتنكر للروابط الشرقية والإسلامية.
كانت هذه الإجراءات القمعية في الأحواز، والتي تضمنت مجازر موثقة في التواريخ الفارسية، هي اللبنة الأولى في بناء نظام إمبراطوري يرى في العرق الفارسي سمواً لا يضاهيه عرق آخر في المنطقة المحيطة.
إمبراطورية محمد رضا وتكريس التبعية للغرب والآرية
ورث الشاه محمد رضا عرش والده متبنياً سياسات قومية أكثر راديكالية، حيث ركز جهوده على تمجيد الحضارة الأخمينية التي سبقت دخول الإسلام إلى بلاد فارس. سعى الشاه الثاني في سلالة بهلوي إلى تعزيز الهوية الفارسية عبر احتفالات أسطورية مكلفة، مثل ذكرى مرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية على يد كورش. أنفق النظام مبالغ طائلة لاستقدام مشاهير العالم إلى خيام "برسيبوليس" الفاخرة، مما عمق الفجوة المعيشية والنفسية بين القصر الإمبراطوري الباذخ وعامة الشعب الإيراني الكادح الذي كان يعاني الفقر.
آمن محمد رضا شاه بأن إيران تنتمي عرقياً وجغرافياً إلى القارة الأوروبية، واصفاً وجودها في الشرق الأوسط بأنه مجرد صدفة جغرافية بحتة لا تعبر عن جوهرها. سعى نظامه لتطهير اللغة الفارسية من المفردات العربية واستبدالها بكلمات فارسية قديمة ومصطنعة، في محاولة لعزل المجتمع عن محيطه الثقافي والديني الطبيعي. كانت نظرة الاستعلاء تجاه العرب واضحة في تصريحاته الصحفية، حيث استخدمت أدبيات نظامه أوصافاً دونية تعكس غطرسة إمبراطورية كانت ترى نفسها "شرطي الخليج" والوصي الوحيد على استقرار المنطقة.
امتدت التدخلات السياسية والعسكرية لنظام الشاه لتشمل دعم حركات سياسية وطائفية في لبنان والعراق، بما يخدم طموحات إيران الإمبراطورية والإقليمية المتنامية آنذاك. وصف بعض الباحثين هذا النهج بـ "الإمبريالية الصغيرة"، حيث سعت طهران لفرض سطوتها الثقافية والأمنية على جيرانها العرب بشتى الوسائل المتاحة. ورثت الأنظمة اللاحقة بعض هذه الخصائص القومية التوسعية، مما يؤكد أن النزعة المركزية الفارسية كانت ركيزة أساسية في فكر العائلة الحاكمة التي سيطرت على مقدرات البلاد حتى ثورة 1979.
كشفت مذكرات أسد الله علم، المقرب من الشاه، عن غضب العرش من أي إشارة إعلامية دولية تؤكد عروبة سكان إقليم خوزستان أو تذكر اسمه التاريخي "عربستان". أصدر الشاه أوامر مباشرة بوضع خطط طويلة المدى لتغيير لغة وملابس وعادات سكان الأحواز، في عملية وصفت بالتطهير الثقافي والعرقي الممنهج. تفاخر وزراء البلاط بنجاحهم في إجبار النساء والأطفال على التحدث بالفارسية في مدن المحمرة وعبادان، مما يظهر حجم الاضطهاد الذي تعرض له المكون العربي تحت مسمى "التحديث" الشاهنشاهي.
رضا الحفيد وصمت المعارضة عن إرث الماضي
غادر رضا بهلوي الحفيد إيران مراهقاً قبل اندلاع الثورة الإسلامية، لكنه ظل يحمل إرث عائلته السياسي في منافيه الاختيارية بين العواصم الغربية المختلفة لسنوات طويلة. ورغم الاستقبال الحفاوة التي وجدها والده في مصر فقط عقب سقوطه، إلا أن الحفيد لم يبدِ أي مراجعة نقدية حقيقية لسياسات جده أو والده الاستبدادية. التزم الصمت تجاه انتهاكات حقوق القوميات غير الفارسية، بل استمر في الإشادة بمنجزات السلالة، مما أثار ريبة الشعوب غير الفارسية حول مستقبله السياسي.
رفض الحفيد فكرة تعليم اللغات الأم للقوميات غير الفارسية في المدارس الإيرانية، معتبراً إياها مطلباً غير مبرر يهدد الوحدة الوطنية والمركزية الثقافية للدولة. تجاهل في طروحاته السياسية الحديثة قضايا اللامركزية وحقوق الإنسان الخاصة بالعرب والكرد والأذريين، مركزاً فقط على شرعيته التاريخية ودوره في المرحلة الانتقالية. يرى مراقبون أن صمته عن هتافات أنصاره العنصرية في الخارج يعكس استمراراً لذات النهج الفكري الذي تبناه أسلافه من سلالة بهلوي في تهميش المكونات غير الآرية.
خلال الاحتجاجات التي شهدتها الأحواز بسبب أزمات المياه والتمييز الممنهج في عام 2021، اكتفى رضا الحفيد بانتقاد سوء إدارة السلطة الحالية دون الإشارة لعروبة السكان. حاول في خطاباته ربط الإقليم بالحضارة العيلامية والأخمينية القديمة، مصادراً الهوية العربية للأحوازيين لصالح تاريخ فارسي يراه المؤرخون العرب دخيلاً على جغرافيا المنطقة التاريخية. يسعى هذا الخطاب إلى تجريد السكان من جذورهم السامية، وربط مصيرهم بملوك الفرس القدامى في عملية التفاف واضحة على الحقائق الديموغرافية والاجتماعية القائمة.
يتمسك رضا بهلوي وبعض مناصريه برفض التقويم الهجري المعتمد حالياً، ويفضلون استخدام تقويم إمبراطوري يربط تاريخ البلاد بتأسيس الدولة الأخمينية قبل خمسة وعشرين قرناً. يعتبر هذا التوجه الثقافي أداة سياسية تهدف لعزل إيران عن محيطها الإسلامي والعربي، وإعادتها لمربع القومية المتطرفة التي سادت في مطلع القرن العشرين. يظل الصراع بين الهوية الفارسية والواقع المتعدد للأقاليم عقبة أساسية أمام أي مشروع ديمقراطي حقيقي يسعى الحفيد لتقديمه كبديل للنظام الثيوقراطي القائم في طهران حالياً.
مستقبل الهوية الإيرانية بين المركزية والاعتراف بالتنوع
يبقى إرث سلالة بهلوي مثيراً للجدل في الأوساط السياسية، حيث يراه البعض رمزاً للحداثة والتطور بينما يراه آخرون رمزاً للقمع العرقي والتمييز العنصري المرير. إن محاولات طمس الهوية العربية في الأحواز عبر عقود من التغيير الديموغرافي لم تنجح في إخماد جذوة المطالب القومية لسكان الإقليم الأصليين. يتطلب بناء مستقبل مستقر لإيران الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية، بعيداً عن أوهام النقاء العرقي الآري التي روج لها الشاه وجهازه الأمني القمعي "السافاك".
إن الفشل في تقديم اعتذار رسمي أو مراجعة تاريخية شفافة لانتهاكات الماضي يجعل من رضا الحفيد نسخة مكررة من أسلافه في عيون المظلومين والمهمشين. لا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي حقيقي في إيران دون حل جذري لقضية القوميات ومنحها حقوقها في التعبير عن هويتها ولغتها بحرية تامة. تظل الذاكرة الجماعية للعرب في الأحواز محملة بآلام التهجير القسري وتغيير أسماء المعالم الجغرافية، وهي جراح لن تندمل إلا بالاعتراف بالحقوق التاريخية للشعب العربي هناك.
تؤكد الدراسات التاريخية والآثارية أن الوجود العربي في إقليم الأحواز يمتد لآلاف السنين، وهو أقدم بكثير من السيطرة الآرية التي تحاول المعارضة الملكية الترويج لها. إن محاولة ربط الإقليم بالهوية الفارسية حصراً هي عملية مصادرة للواقع الجغرافي لا تخدم التعايش السلمي بين مكونات الشعب الإيراني في المستقبل البعيد. يجب على القوى السياسية استيعاب أن عهد الإمبراطوريات الشمولية قد ولى، وأن احترام التنوع العرقي هو الضمانة الوحيدة لمنع تفكك البلاد وانهيارها في صراعات أهلية.
ختاماً، فإن سيرة آل بهلوي تختزل صراعاً هوياتياً عميقاً بين نزعة قومية فارسية متطرفة وبين واقع شرقي متعدد الأعراق يرفض التذويب القسري في بوتقة واحدة. إن الدروس المستفادة من تاريخ السلالة تؤكد أن القوة العسكرية والغطرسة الإمبراطورية لا يمكن أن تلغي حقائق التاريخ واللغة والانتماء القومي للشعوب. يظل البحث عن عقد اجتماعي جديد يعترف بحقوق الجميع هو السبيل الوحيد لإنهاء عقود من الاضطهاد الذي بدأ مع صعود رضا خان وانتهى بنفي ابنه محمد رضا.