< قص أجنحة المسيرات.. استهداف مصانع الحديد والصلب الإيرانية ينهي أسطورة "الحرب الرخيصة" لطهران
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

قص أجنحة المسيرات.. استهداف مصانع الحديد والصلب الإيرانية ينهي أسطورة "الحرب الرخيصة" لطهران

الفولاذ الإيراني
الفولاذ الإيراني

​تشهد المنطقة تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع العسكري، حيث انتقلت العمليات الإسرائيلية إلى استهدف العمق الصناعي الحيوي لطهران بشكل مكثف وغير مسبوق. ركزت الغارات الجوية الأخيرة على تدمير مصانع الحديد والصلب الإيرانية باعتبارها الركيزة الأساسية للصناعات العسكرية والمدنية في البلاد.

تأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية، حيث يعاني النظام من تصدعات كبرى في هيكله القيادي وتزايد التكهنات حول تدخلات برية أميركية وشيكة.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت عربية"، فإن الاستهدافات الإسرائيلية الدقيقة لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية التقليدية، بل شملت كبرى منشآت الفولاذ في منطقة خوزستان بالأهواز. يعتبر هذا المصنع أحد الركائز الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، وتدميره يمثل ضربة قاصمة لقدرة الدولة على تأمين المواد الأولية اللازمة للتصنيع الحربي. كما طاولت الهجمات مصنع "مباركة" في أصفهان، وهو المنشأة الأضخم لإنتاج الحديد في البلاد برمتها.

​تمثل هذه الهجمات نقلة نوعية في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التي تسعى إلى تجفيف منابع القوة الإيرانية من جذورها الصناعية. إن استهداف مصانع الحديد والصلب الإيرانية لا يهدف فقط إلى إلحاق خسائر مادية، بل يسعى إلى شل قدرة النظام على إعادة بناء ترسانته العسكرية. تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل أجواء مشحونة بالتوتر، حيث باتت المنشآت الحيوية في مرمى النيران المباشرة وصواريخ الطائرات المغيرة.

​تؤكد الدوائر السياسية أن تدمير هذه المواقع الصناعية الكبرى سيؤدي إلى تعميق أزمة الاقتصاد الإيراني الذي يترنح أصلاً تحت وطأة العقوبات الدولية القاسية. إن توقف الإنتاج في مصنع "مباركة" أو منشآت الأهواز يعني فقدان آلاف الوظائف وتوقف تدفق المواد الخام للصناعات التحويلية. هذه النتائج الاقتصادية الوخيمة هي جزء لا يتجزأ من أهداف الغارات الجوية التي تنفذها إسرائيل بدقة متناهية في العمق الإيراني.

انهيار قلاع الصناعة الإيرانية

​تحاول إسرائيل من خلال هذه الضربات زيادة الضغط العسكري والنفسي على النظام الإيراني الذي فقد في الآونة الأخيرة عدداً من قياداته البارزة. فقد أدت الغارات السابقة إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، مما ترك فراغاً قيادياً كبيراً. في ظل هذه الظروف، يجد النظام نفسه عاجزاً عن حماية قلاعه الصناعية الكبرى التي كانت تمثل فخر الصناعة الوطنية والقوة العسكرية.

​تتزامن هذه الضربات مع تزايد الحديث عن احتمالية قيام الولايات المتحدة باجتياح بري للأراضي الإيرانية لإنهاء التهديدات القائمة بشكل جذري. إن تدمير مصانع الحديد والصلب الإيرانية يمهد الطريق لأي تحرك بري محتمل عبر إضعاف القدرات الدفاعية واللوجستية للجيش والحرس الثوري. فبدون الحديد والصلب، تتوقف صناعة الآليات والتحصينات العسكرية، مما يجعل القوات البرية في وضع مكشوف وضعيف أمام أي هجوم خارجي منظم.

​امتدت قائمة الأهداف لتشمل مصانع متخصصة في الشمال، حيث استهدفت الطائرات الإسرائيلية منشأة لألياف الكربون في منطقة ليا الصناعية بمحافظة قزوين. هذه المادة تعتبر حيوية جداً في الصناعات العسكرية الحديثة، خاصة في مجال الطيران وتصنيع هياكل الصواريخ المتقدمة. يظهر هذا التوسع في بنك الأهداف أن إسرائيل تتبع خطة شاملة لتفكيك القدرات التكنولوجية والصناعية الإيرانية بشكل منهجي ومدروس بعناية فائقة.

​تثير هذه الهجمات تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام على الصمود أمام هذه الموجة العنيفة من الاستهداف المباشر لمنشآته الحيوية والاقتصادية. ومع استمرار الحرب، تبدو الخيارات المتاحة أمام طهران تضيق يوماً بعد يوم، خاصة مع فقدان السيطرة على الأجواء. إن حماية ما تبقى من مصانع الحديد والصلب الإيرانية أصبحت مهمة شبه مستحيلة في ظل التطور التكنولوجي والقوة الجوية الكاسحة التي تظهرها إسرائيل.

ألياف الكربون وسر الطائرات المسيرة

​تعتبر صناعة ألياف الكربون التي جرى استهدافها في قزوين عنصراً رئيساً في استراتيجية الحرب الإيرانية التي تعتمد بشكل كبير على الطائرات المسيرة. فهذه المادة تمكن المهندسين من بناء هياكل خفيفة الوزن ومتينة، مما يزيد من مدى المسيرات وقدرتها على حمل المتفجرات. ومن خلال ضرب هذه المصانع، تهدف إسرائيل إلى تعطيل خطوط إنتاج السلاح الذي أرق أمنها وأمن حلفائها لسنوات طويلة في المنطقة.

​يرى مراقبون أن إيران تمكنت طوال السنوات الماضية من تطوير أسراب ضخمة من المسيرات بكلفة مالية منخفضة مقارنة بصناعة الصواريخ الباليستية التقليدية. وقد وفرت الصناعات المحلية المواد اللازمة لهذا التطور، وهو ما جعل إسرائيل تضع تلك المصانع على رأس قائمة أهدافها العسكرية الحالية. إن تدمير البنية التحتية لهذه الصناعات ينهي ميزة "الحروب الرخيصة" التي كانت طهران تلوح بها كأداة ردع استراتيجية.

​من جانبه، أعرب الناشط السياسي المعارض موسى أفشار عن موقف المعارضة الرافض لضرب الأهداف المدنية، لكنه أكد ضرورة إسقاط النظام الحالي. وأشار أفشار إلى أن الغموض يحيط ببعض أهداف الضربات الإسرائيلية، وما إذا كانت تسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية أم عسكرية بحتة. ومع ذلك، يبقى الهدف الأسمى للمعارضة هو تغيير النظام عبر المقاومة المنظمة للشعب الإيراني الذي يعاني من سياسات السلطة الحاكمة وتداعيات حروبها.

​تتوعد طهران بالرد على هذه الهجمات عبر استهداف قطاعات اقتصادية وصناعية داخل إسرائيل ومصالح حيوية ترتبط بالولايات المتحدة في المنطقة. هذا التهديد يضع العالم أمام شبح حرب إقليمية شاملة قد لا تتوقف عند حدود المنشآت الصناعية بل تمتد لتشمل ممرات الطاقة الدولية. إن استهداف مصانع الحديد والصلب الإيرانية قد يكون الشرارة التي ستشعل جبهات جديدة ومواجهات مباشرة لم تشهدها المنطقة منذ عقود طويلة.

استراتيجية الأرض المحروقة والدروس التاريخية

​يؤكد الخبراء العسكريون أن استهداف المنشآت الصناعية الحيوية هو أسلوب حربي كلاسيكي تم استخدامه بفعالية خلال الحروب العالمية الكبرى لكسر شوكة الأعداء. ففي الحرب العالمية الثانية، لجأ الحلفاء إلى تدمير المصانع الألمانية لشل قدرة برلين على إنتاج الدبابات والطائرات والمعدات الثقيلة. واليوم، تعيد إسرائيل تطبيق هذه الاستراتيجية ضد طهران لمنعها من مواصلة تطوير ترسانتها العسكرية المهددة للاستقرار الإقليمي والدولي.

​اعتبر العميد المتقاعد جورج الصغير أن مهاجمة وسائل الدعم الإيرانية تندرج ضمن الهجمات التكتيكية والاستراتيجية الضرورية في الحروب الحديثة واسعة النطاق. وأوضح الصغير أن إيران تمتلك مساحات شاسعة وغنية بالمواد الأولية مثل الفولاذ، مما يجعل تدمير مناجمها ومصانعها ضرورة عسكرية ملحة. إن حرمان العدو من الإمدادات المالية والعسكرية المستمدة من هذه الصناعات يقلل بشكل كبير من قدرته على الاستمرار في خوض العمليات القتالية.

​تشير التحليلات العسكرية إلى أن استهداف مصنعي الفولاذ في الأهواز وأصفهان سيعطل بشكل مباشر خطوط إنتاج الصواريخ والآليات العسكرية الثقيلة. فالحديد هو العصب المحرك لأي صناعة دفاعية، وبدونه تتحول المصانع العسكرية إلى هياكل فارغة لا قيمة لها في أرض المعركة. تعي إسرائيل هذه الحقيقة جيداً، ولذلك صبت جام غضبها الجوي على تلك المنشآت لتجريد النظام من أدوات قوته الخشنة في وقت قياسي.

​إن تدمير المنشآت الصناعية يمثل أيضاً وسيلة للضغط على النخبة الحاكمة من خلال تجفيف منابع التمويل التي يعتمد عليها الحرس الثوري في عملياته الخارجية. فالصناعات الثقيلة ليست مجرد مراكز إنتاج عسكري، بل هي مصادر دخل قومي كبرى تساهم في تمويل السياسات التوسعية للنظام. وبالتالي، فإن سقوط مصانع الحديد والصلب الإيرانية يعني قطع شريان مالي وعسكري حيوي يغذي أذرع النظام في مختلف جبهات الصراع المشتعلة.

الرهان على الضغط الشعبي والانفجار الداخلي

​يرى الباحث السياسي طلعت طه أن إسرائيل تهدف من وراء هذه الهجمات إلى تقويض البرنامج النووي والباليستي عبر تدمير المنشآت الداعمة لهما بشكل غير مباشر. وأوضح طه أن استهداف القدرات العسكرية التي يتم تطويرها في مصانع الصلب يمثل تدرجاً استراتيجياً في المواجهة المفتوحة مع النظام. فالوصول إلى هذه المصانع يبعث برسالة قوية مفادها أن لا مكان آمن داخل الجغرافيا الإيرانية مهما كان محصناً أو بعيداً.

​إلى جانب الأهداف العسكرية، تسعى تل أبيب من خلال تدمير الاقتصاد الإيراني إلى دفع الشعب للخروج في احتجاجات عارمة لإسقاط النظام من الداخل. فمع تفاقم الأزمات المالية وفقدان الوظائف نتيجة توقف المصانع الكبرى، سيزداد الاحتقان الشعبي ضد السلطة التي فشلت في حماية أمن المواطنين وممتلكاتهم. يراهن المخططون الإسرائيليون على أن الانفجار الداخلي قد يكون أسرع وأقل كلفة من خوض حرب برية شاملة وممتدة لسنوات.

​تشكل هذه الهجمات ورقة ضغط قوية في يد الولايات المتحدة وإسرائيل خلال أي مفاوضات مستقبلية قد تجري مع ما تبقى من هيكل النظام الإيراني. فامتلاك القدرة على تدمير البنية التحتية الصناعية يمنح المهاجمين تفوقاً سياسياً كبيراً يفرض شروطاً قاسية على الطرف المنهك عسكرياً واقتصادياً. ومع تزايد الحشود العسكرية، يبدو أن المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من الاستهداف للمنشآت الحيوية التي تمثل صمام أمان للدولة الإيرانية.

​تبقى المنشآت الصناعية والنفطية هي الأهداف التالية المرجحة في قائمة الهجمات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الأيام القليلة القادمة. إن الصراع لم يعد مجرد اشتباكات حدودية أو غارات محدودة، بل تحول إلى حرب تدمير شاملة للقوة الصناعية والقيادية للنظام. ومع سقوط مصانع الحديد والصلب الإيرانية واحدة تلو الأخرى، يقترب المشهد من نهايته المحتومة التي ستغير وجه الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة.