< من مقاعد الدراسة إلى فوهة البندقية.. تجنيد القاصرين يغزو شوارع إيران
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

من مقاعد الدراسة إلى فوهة البندقية.. تجنيد القاصرين يغزو شوارع إيران

تجنيد القاصرين يغزو
تجنيد القاصرين يغزو شوارع إيران

​في قلب التصعيد العسكري المتسارع، تشهد شوارع ومدن دولة إيران تحولاً لافتاً يتجاوز حدود التعبئة العسكرية التقليدية المعروفة في النزاعات الكبرى. حيث يبرز الأطفال الصغار، الذين لم يتجاوز بعضهم سن المراهقة المبكرة، وهم يتصدرون نقاط التفتيش الأمنية الحساسة حاملين أسلحة ثقيلة تفوق قدراتهم الجسدية. هذا المشهد بات واقعاً يومياً في كبرى الحواضر، مما يعكس تحولاً جوهرياً في استراتيجيات الأمن الداخلي خلال المواجهة العسكرية الراهنة.

​حسب تقرير لـ "اندبندنت فارسية" فإن التقارير الميدانية الواردة من مدن إيرانية عدة، رصدت مع دخول الحرب شهرها الثاني تكثيفاً غير مسبوق في استخدام القصر. ومع استمرار الضربات الجوية التي تستهدف مواقع حيوية وشخصيات قيادية، يعمد الحرس الثوري ومنظمة الباسيج إلى زج الأطفال في مهام أمنية معقدة. وبحسب الإفادات، فإن هذا التوجه تصاعد بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة لسد الثغرات الأمنية في الشوارع.

​بات وجود مراهقين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والسادسة عشرة، بزي عسكري رسمي، ظاهرة مألوفة في طهران وكرج وأصفهان ومشهد. وفي كثير من الحالات، لا يكتفي هؤلاء الأطفال بالوقوف كعناصر مراقبة، بل يتولون فعلياً مهام السيطرة على حركة المرور وتفتيش المارة بشكل مستقل. ويثير هذا المشهد دهشة السكان الذين لم يعتادوا رؤية أطفال يديرون نقاط تفتيش عسكرية في مناطق سكنية وتجارية حيوية بمدنهم.

​يروي أحد سكان العاصمة طهران، المقيم قرب أوتوستراد الجيش، مشاهداته الصادمة حول مراهق لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره يحمل سلاحاً آلياً. ويؤكد الشاهد أن الطفل بدا فاقداً للقدرة على التواصل السليم مع المواطنين، مما يوحي بأنه جلب حديثاً للميدان دون تدريب كافٍ. ويبدو أن النقص الحاد في القوى البشرية المدربة دفع السلطات لاستغلال أطفال العائلات الفقيرة مقابل إغراءات مالية زهيدة لتغطية الفراغ الأمني.

عسكرة الطفولة في شوارع العاصمة والمحافظات

​في منطقة مهرشهر بمدينة كرج، يتحدث أصحاب المتاجر عن وجود منظم لهؤلاء الصبية إلى جانب عناصر الباسيج تحت جنح الظلام يومياً. ويشير التجار إلى أن المراهقين هم من يبادرون أحياناً بإيقاف السيارات، مما يعزز الاعتقاد بأن الأمر ليس مجرد تطوع عفوي بل خطة منظمة. ويسود شعور عام بأن النظام في إيران يسعى لخلق دروع بشرية من هؤلاء الأطفال لاستخدام سقوطهم لاحقاً كأداة للدعاية الإعلامية والسياسية.

​وتتكرر الروايات الصادمة في أصفهان، حيث رصد سائقو الأجرة وجود أطفال بعمر الثانية عشرة في نقاط تفتيش ليلية وهم يحملون أسلحة نارية حقيقية. ووصفت الشهادات حالة الذهول التي تنتاب المارة عند رؤية هؤلاء الصغار بملابس عسكرية فضفاضة، وهم يمارسون سلطات أمنية واسعة النطاق. ورغم صمت الناس في الميدان خوفاً من التبعات، إلا أن ملامح الصدمة والرفض لهذا المشهد تبدو واضحة على وجوه الجميع في تلك اللحظات.

​لم يتوقف الأمر عند الشهادات الميدانية، بل وصل إلى اعترافات رسمية من قيادات في النظام الإيراني بشرعية خفض سن المشاركة الأمنية. فقد صرح رحيم ناد علي، المسؤول في "جيش مقر محمد رسول الله"، أن الخطط الجديدة تسمح بتسجيل أفراد من سن الثانية عشرة. وأوضح أن هؤلاء المراهقين يتم توظيفهم في دوريات معلوماتية ومهام دعم لوجستي، مما يمنح صبغة رسمية لعملية استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة الدائرة حالياً.

​تزامن هذا التوجه مع زيادة هائلة في عدد نقاط التفتيش داخل المدن بعد هدوء نسبي في الهجمات الخارجية على تلك المراكز. وتقول مصادر محلية إن العاصمة طهران وحدها تضم الآن مئات النقاط المؤقتة التي تتطلب أعداداً ضخمة من العناصر البشرية لتشغيلها. وبما أن القوات النظامية تعاني من استنزاف في الجبهات والمواقع الحساسة، تم اللجوء إلى الأطفال والمراهقين كبديل سريع ومنخفض التكلفة لتأمين العمق الداخلي.

اعترافات رسمية تشرعن انتهاك براءة المراهقين

​تمثل قصة الطفل علي رضا جعفري، البالغ من العمر أحد عشر عاماً، مأساة حية تلخص أبعاد هذه الظاهرة الخطيرة في البلاد. فقد قُتل هذا التلميذ، الذي يدرس في الصف الخامس الابتدائي، خلال هجوم بطائرة مسيرة استهدف إحدى نقاط التفتيش في قلب طهران. وكشفت والدته أن والده الذي يعمل في الحرس الثوري اصطحبه معه للخدمة بسبب النقص العددي، ليتحول الطفل لاحقاً إلى مشروع شهادة في الرواية الرسمية.

​تؤكد تقارير حقوقية أن مقتل الطفل جعفري ليس مجرد حادثة معزولة، بل هو مؤشر على اتجاه عام لاستخدام القصر في المواقع الخطرة.

 وفي مدينة مشهد، يلاحظ السكان انتشاراً واسعاً لأطفال لا يملكون حتى زياً عسكرياً ملائماً، لكنهم يقبضون على الأسلحة بقوة لملء الفراغ الأمني. هذا المشهد يثير قلقاً عميقاً حول سلامة هؤلاء الصبية الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تهديدات عسكرية تتجاوز إدراكهم الطفولي.

​ينعكس هذا القلق بوضوح في القطاع التعليمي بمدينة شيراز، حيث يعبر المعلمون عن صدمتهم لرؤية طلابهم في دوريات الباسيج الليلية. 

ويرى هؤلاء التربويون أن زج الأطفال في العمل الأمني يشكل خطراً جسيماً على المجتمع وعلى التكوين النفسي للطلاب أنفسهم. فالمدرسة التي ينبغي أن تكون مكاناً للعلم والنمو، تخسر طلابها لصالح نقاط التفتيش التي تعرض حياتهم للخطر المباشر في ظل استمرار التوترات العسكرية والهجمات المتبادلة.

​ويرى مراقبون أن مقتل عدد كبير من العسكريين وعناصر الأمن في هجمات موجهة خلال الأسابيع الماضية أحدث فراغاً كبيراً في منظومة القمع. وهذا الفراغ هو ما دفع السلطات في إيران إلى الاعتماد على عناصر أصغر سناً وأقل خبرة للقيام بمهام حساسة. ويبدو أن الحكومة تجد في هؤلاء المراهقين مادة بشرية سهلة الانقياد ويمكن تعويضها بسهولة، مما يجعلهم الضحايا الأوائل في أي تصعيد ميداني محتمل على الأرض.

دماء صغيرة على أرصفة النزاعات الإقليمية

​تطرح الاستعانة بالأطفال مخاوف جدية حول استخدامهم كأداة دعائية في حال تعرضهم للأذى خلال العمليات القتالية أو القصف الجوي. فوجود مدنيين قصر في مواقع عسكرية يتيح للنظام تقديم رواية للعالم حول استهداف الأطفال من قبل القوى الخارجية، مما يثير عواطف المجتمع الدولي. هذا الاستغلال السياسي لأرواح الصغار يعد من أخطر الجوانب في استراتيجية المواجهة التي يتبناها الحرس الثوري في الوقت الراهن بمختلف المناطق السكنية.

​بالإضافة إلى الأطفال المحليين، رصدت تقارير وجود عناصر من "الحشد الشعبي" العراقي في بعض المناطق الإيرانية الحيوية خلال الفترة الماضية. ويعتبر محللون أن الاستعانة بقوات أجنبية إلى جانب المراهقين والصبية الصغار دليل قاطع على أزمة القوى البشرية التي يعاني منها الهيكل الأمني. فالدولة التي تفاخرت دائماً بقدراتها العسكرية، باتت اليوم تعتمد على الفئات الأكثر هشاشة لحماية مراكز قوتها ونقاط تفتيشها في الشوارع العامة والساحات.

​إن استغلال الأطفال دون سن الثامنة عشرة كقوات عسكرية يخالف صراحة اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة التي وقعت عليها البلاد. وتحظر هذه الاتفاقية تماماً استخدام القصر في أي أنشطة ذات طابع عسكري، حتى لو كانت هذه المشاركة تتم بشكل تطوعي من قبل الطفل. كما أن إشراك من هم دون الخامسة عشرة في نزاعات مسلحة يعتبر جريمة حرب وفقاً لمعايير المحكمة الجنائية الدولية الصارمة.

​رغم التحذيرات المتكررة من المنظمات الحقوقية الدولية، تستمر السلطات في تجاهل التزاماتها الدولية تجاه حماية الطفولة في أوقات الحروب والنزاعات.

ويعتبر هذا الانتهاك الواضح جزءاً من نمط سلوكي طويل الأمد، حيث يتم تغليب المصالح الأمنية الضيقة للنظام على حياة وسلامة الأجيال الناشئة. إن تحويل الطفل من مقعد الدراسة إلى فوهة البندقية يمثل طعنة في خاصرة القانون الدولي الإنساني الذي يسعى لحماية المدنيين والقصر.

سوابق تاريخية ومخاوف من استراتيجية الدروع البشرية

​تعيد المشاهد الحالية في إيران إلى الأذهان ذكريات الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين أرسل آلاف المراهقين إلى الجبهات. فالبنية الفكرية لمنظمة الباسيج تعتمد تاريخياً على تعبئة الصغار تحت شعارات عقائدية لزجهم في مهام قتالية وأمنية لا تتناسب مع أعمارهم. وما يحدث اليوم هو امتداد لهذا المسار الذي استمر بصور مختلفة، بما في ذلك استخدام القصر في قمع الاحتجاجات الشعبية والطلابية خلال السنوات الماضية.

​إلا أن الفارق الجوهري في الوقت الحالي هو أن هؤلاء الأطفال يوضعون في خضم حرب تقنية وعسكرية نشطة وهجمات صاروخية دقيقة. وهذا يعني أن وجودهم في نقاط التفتيش أو المراكز الأمنية يجعلهم أهدافاً مباشرة في نزاع لا يملك هؤلاء الصغار أي دور في قراره. إن وضع المراهقين في خطوط المواجهة الأولى داخل المدن يعكس حالة من التخبط الأمني والرغبة في الاحتماء خلف براءة الصغار لمواجهة التحديات الخارجية.

​يرى الخبراء أن استخدام الأطفال في مهام أمنية يعكس أيضاً تآكل الثقة بين النظام والقوات النظامية التي قد ترفض تنفيذ بعض الأوامر. فالمراهقون في سن الثانية عشرة يسهل توجيههم وغسل أدمغتهم بشعارات حماسية تجعلهم ينفذون المهام دون تساؤل عن شرعيتها أو خطورتها. وهذا التوظيف الأيديولوجي للطفولة يمثل أخطر أنواع الانتهاكات، حيث يتم تدمير مستقبل جيل كامل من أجل الحفاظ على توازنات القوة السياسية والأمنية الراهنة.

​ يبدو أن ظاهرة عسكرة الأطفال في إيران تتجه نحو المزيد من التوسع والتعقيد مع استمرار النزاع المسلح الإقليمي. وبينما تندد المنظمات الدولية بهذه الممارسات، تظل أصوات عائلات الأطفال الضحايا مكتومة تحت وطأة القبضة الأمنية المشددة في الداخل. ويبقى التساؤل قائماً حول الثمن الاجتماعي والأخلاقي الذي ستدفعه البلاد جراء تحويل أطفالها إلى وقود في معارك سياسية وعسكرية كبرى تتجاوز أحلامهم البسيطة وحقهم في الحياة.