< كواليس التدخل البري الأمريكي في إيران.. خطة السيطرة على جزيرة خرج النفطية
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

كواليس التدخل البري الأمريكي في إيران.. خطة السيطرة على جزيرة خرج النفطية

قوات أمريكية
قوات أمريكية

​تتصاعد دقات طبول الحرب في مياه الخليج العربي مع تدفق الحشود العسكرية غير المسبوقة التي تعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل الغزو الكبرى، حيث باتت خيارات التدخل البري الأميركي في إيران موضوعاً يتصدر طاولة النقاش في غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وسط تزايد احتمالات وقوع صدام مباشر يغير خارطة النفوذ في المنطقة بأسرها نتيجة التوترات المتراكمة بين الجانبين.

​وحسب تقرير  لموقع «الشرق»، فإن الولايات المتحدة لم تكتفِ بتعزيز قدراتها الدفاعية فحسب، بل بدأت في صياغة استراتيجية هجومية تستهدف شل القدرات الحيوية لطهران، وذلك عبر نشر عشرات الآلاف من الجنود والمئات من الطائرات القتالية المتقدمة التي توفر غطاءً جوياً دائماً فوق مياه بحر العرب والخليج تحسباً لأي قرار سياسي ببدء العمليات.

​وتشير التحركات الأخيرة إلى أن البيت الأبيض يسعى لتوجيه رسالة ردع قوية، لكن التكهنات حول إمكانية تنفيذ عمليات إنزال بري باتت واقعاً ملموساً يتجاوز مجرد التهديد الخطابي، خاصة مع وجود مجموعات قتالية متكاملة قادرة على تنفيذ مهام خاطفة في عمق الأراضي المعادية أو على الجزر الاستراتيجية التي تمثل صمام أمان للاقتصاد الإيراني المتعثر.

​وتقف واشنطن اليوم أمام معضلة التوفيق بين رغبتها في تحجيم طموحات طهران النووية والإقليمية، وبين ضرورة الحفاظ على استقرار تدفقات الطاقة التي تمر عبر مضيق هرمز، حيث أن أي خطوة عسكرية غير محسوبة قد تؤدي إلى إغلاق هذا الممر الحيوي، مما يعني دخول الاقتصاد العالمي في نفق مظلم من الركود وارتفاع التكاليف المعيشية.

حشود "الغضب الملحمي" وجغرافيا الصدام

​تأتي عملية الغضب الملحمي كعنوان عريض لهذا الحشد الهائل الذي يضم نحو خمسين ألف جندي أميركي تم توزيعهم بعناية على القواعد العسكرية والقطع البحرية في المنطقة، مدعومين بثلاث حاملات طائرات عملاقة هي أبراهام لينكولن وجورج بوش وجيرالد فورد، والتي تشكل كل منها مدينة عسكرية متكاملة تجوب المياه الدولية القريبة من السواحل الإيرانية.

​ولم يتوقف الأمر عند القطع البحرية، بل شمل نشر نحو مائة وعشرين طائرة قتالية تشمل مقاتلات الجيل الخامس من طراز إف خمسة وثلاثين، وطائرات التفوق الجوي إف اثنين وعشرين، بالإضافة إلى القاذفات التقليدية التي تم تزويدها بأحدث أنظمة التوجيه الذكي، مما يمنح القوات الأميركية قدرة فائقة على تدمير مراكز القيادة والسيطرة والمنصات الصاروخية الإيرانية.

​وتلعب مجموعات السفن البرمائية مثل تربولي وبوكسر دوراً محورياً في هذا السيناريو، حيث تحمل على متنها آلاف العناصر من مشاة البحرية المارينز، المتخصصين في فنون القتال في البيئات الساحلية الوعرة، والمدربين على اقتحام الشواطئ المحصنة تحت غطاء كثيف من النيران الجوية والبحرية، وهو ما يمهد الطريق لأي عملية إنزال محتملة.

​إلى جانب المارينز، تم استنفار الوحدة الثانية والثمانين المحمولة جواً، وهي قوة نخبة تتسم بالسرعة الفائقة في الاستجابة للأزمات، حيث يمكن نشرها في أي نقطة جغرافية خلال ساعات قليلة، مما يجعلها الأداة المثالية للسيطرة على المنشآت الحيوية أو تنفيذ غارات تكتيكية تهدف إلى تحييد قدرات العدو قبل أن يتمكن من تنظيم صفوفه الدفاعية.

​ويرى الخبراء أن هذا الحجم من القوات، رغم ضخامته، لا يهدف بالضرورة إلى تنفيذ غزو شامل لإيران، بل يركز على التدخل البري الأميركي في إيران من خلال عمليات جراحية دقيقة تستهدف نقاط الضعف الاستراتيجية، حيث أن احتلال دولة بمساحة إيران يتطلب أعداداً مضاعفة من الجنود، وهو أمر لا يبدو متاحاً حالياً.

​ويستذكر المحللون العسكريون غزو العراق عام ألفين وثلاثة، حيث تم حشد مائة وخمسين ألف جندي لضمان السيطرة، بينما تكتفي واشنطن الآن بقوة قتالية محدودة، مما يؤكد أن الاستراتيجية الحالية تميل نحو الضربات النوعية والسيطرة المؤقتة على الجزر والموانئ لفرض شروط سياسية معينة دون التورط في احتلال طويل الأمد يستنزف الموارد البشرية.

مسارات الإنزال البري بين أصفهان وهرمز

​تتعدد السيناريوهات التي يدرسها المخططون في البنتاجون، ويبرز المسار الأول كواحد من أكثرها جرأة وخطورة، حيث يتضمن تنفيذ غارة برية سريعة تستهدف مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب في منشأة أصفهان، ويهدف هذا الخيار إلى تدمير الطموح النووي الإيراني في ضربة واحدة، لكنه يتطلب اختراقاً لعمق الأراضي الإيرانية تحت نيران الدفاعات الجوية الكثيفة.

​أما المسار الثاني فيتجه نحو جزيرة خرج، تلك النقطة الصغيرة في الخليج التي تحمل ثقلاً اقتصادياً هائلاً، حيث تسيطر على الغالبية العظمى من صادرات النفط الخام الإيراني، والسيطرة عليها تعني خنق النظام مالياً وحرمانه من موارده الرئيسية، لكنها مهمة شاقة تتطلب تأمين الجزيرة من الهجمات الانتحارية للقوارب السريعة والصواريخ الدفاعية الساحلية.

​ويظل المسار الثالث هو الأكثر واقعية من الناحية العسكرية، وهو السيطرة على جزيرة قشم أو الجزر القريبة من مضيق هرمز، والهدف هنا ليس التوسع البري، بل ضمان بقاء المضيق مفتوحاً أمام حركة الملاحة العالمية، وتحويل هذه الجزر إلى قواعد انطلاق أميركية لمراقبة وحماية ناقلات النفط من التهديدات الإيرانية المستمرة التي تسعى لتعطيل التجارة.

​وتعتمد هذه المسارات على تنوع أساليب الإنزال، حيث يبرز الإنزال البحري باستخدام قوارب الربط السطحية لنقل المعدات الثقيلة، والإنزال المظلي الذي يوفر عنصر المفاجأة الصاعقة، إضافة إلى استخدام المروحيات التي تمنح القوات مرونة عالية في التنقل بين الأهداف، رغم المخاطر الجسيمة التي تواجهها هذه المروحيات أمام الصواريخ المحمولة على الكتف.

​إن تنفيذ التدخل البري الأميركي في إيران عبر هذه المسارات يتطلب تنسيقاً استخباراتياً دقيقاً، حيث يجب تحييد الرادارات الإيرانية ومنظومات الدفاع الجوي قبل البدء في أي تحرك ملموس، وذلك لتجنب تكرار حوادث إسقاط الطائرات الأميركية التي حدثت مؤخراً، والتي أثبتت أن طهران تمتلك قدرات دفاعية لا يستهان بها في مواجهة التكنولوجيا الغربية.

عقبات الميدان وتحديات القوة البحرية

​يواجه المخططون العسكريون في واشنطن تحديات ميدانية معقدة تجعل من أي عملية برية مغامرة غير مضمونة النتائج، فإيران تمتلك تضاريس طبيعية قاسية، وشبكة واسعة من القوات شبه العسكرية والمليشيات المستعدة لخوض حرب عصابات طويلة، مما يجعل تأمين القوات الأميركية بعد الإنزال مهمة تفوق في صعوبتها عملية الإنزال نفسها في كثير من الأحيان.

​ويحذر القادة العسكريون المتقاعدون من أن القوات الأميركية بمجرد وصولها إلى الأرض ستكون أهدافاً سهلة للمدفعية الإيرانية والطائرات المسيرة الانتحارية التي أثبتت كفاءة عالية في النزاعات الأخيرة، حيث يمكن لهذه الأسلحة الرخيصة التكلفة أن تلحق أضراراً بالغة بالآليات والجنود، وتخلق حالة من الاستنزاف المستمر للروح المعنوية والقدرات اللوجستية للقوات الغازية.

​وتبرز جزيرة خرج كمثال صارخ على هذه التحديات، فبسبب قربها الشديد من الساحل الإيراني، تقع الجزيرة تحت المدى المباشر للصواريخ قصيرة المدى والمدافع الثقيلة، مما يعني أن أي قوة أميركية تتمركز هناك ستعيش تحت تهديد دائم، ولن يكون بمقدور أنظمة الدفاع الصاروخي التقليدية توفير حماية كاملة ضد وابل النيران المنطلق من البر الرئيسي.

​إضافة إلى ذلك، تسببت الإقالات المفاجئة في البنتاجون، بما في ذلك رئيس أركان القوات البرية، في إثارة تساؤلات حول وجود انقسامات داخلية بشأن جدوى التحرك البري، حيث يخشى بعض القادة من أن يؤدي التدخل البري الأميركي في إيران إلى الانزلاق في مستنقع جديد يشبه الفشل في أفغانستان، ولكن مع خصم أكثر تنظيماً وتسليحاً.

​وتلعب البيئة البحرية في الخليج دوراً مضاداً للقطع البحرية الضخمة، حيث أن المياه الضيقة تجعل حاملات الطائرات أهدافاً محتملة للألغام البحرية الذكية والغواصات الصغيرة التي يصعب رصدها، وهذا يفرض على الأسطول الأميركي البقاء في وضعية دفاعية مستمرة، مما يقلل من فعالية المبادرة الهجومية التي يتطلبها النجاح في عمليات الإنزال السريع.

​وتدرك طهران هذه الثغرات وتعمل على استغلالها من خلال استعراض قدراتها في إسقاط الطائرات المتقدمة مثل إف خمسة عشر، وهي رسالة واضحة بأن الأجواء الإيرانية ليست مستباحة، وأن تكلفة أي تدخل ستكون باهظة بشرياً ومادياً، مما يضع ضغوطاً سياسية هائلة على الإدارة الأميركية أمام الرأي العام الداخلي الذي بات يرفض التورط في حروب أبدية.

زلزال الطاقة وتداعيات "الدومينو" العالمية

​لا تتوقف مخاطر العمليات العسكرية عند الجوانب الميدانية فقط، بل تمتد لتشمل استقرار النظام الاقتصادي العالمي، حيث يرى خبراء الطاقة أن أي استهداف للمنشآت النفطية في جزيرة خرج سيؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار الخام، قد تصل بالبرميل إلى مستويات تفوق مائة وخمسين دولاراً، مما يسبب موجة تضخم عالمية لا ترحم الدول الناشئة أو المتقدمة.

​وتخشى العواصم العالمية من تأثير الدومينو، فإذا تعرضت إيران لهجوم بري، فمن المتوقع أن ترد عبر استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأكملها، مما يعني أن النزاع لن يظل محصوراً بين واشنطن وطهران، بل سيمتد ليطال حقول النفط ومحطات التحلية في الدول المجاورة، مما يحول الخليج إلى منطقة مشتعلة غير قابلة للاستثمار.

​ويرتبط هذا السيناريو بقدرة وكلاء إيران، وخاصة الحوثيين، على تصعيد هجماتهم في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مما يعني خنق طريق تجاري آخر يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية، وهذا الترابط الجيوسياسي يجعل من التدخل البري الأميركي في إيران قراراً ذا أبعاد دولية تتطلب موافقة ودعم قوى كبرى لتجنب انهيار سلاسل التوريد.

​إن الأسواق المالية العالمية تتفاعل بحساسية مفرطة مع أي أخبار تتعلق بالحشود العسكرية في الشرق الأوسط، والمستثمرون يترقبون بقلق أي مؤشر على بدء العمليات، حيث أن عدم اليقين بشأن مدة الحرب ونطاقها يدفع برؤوس الأموال للهروب نحو الملاذات الآمنة، مما يعطل حركة النمو الاقتصادي العالمي التي تحاول التعافي من أزمات سابقة.

​ويؤكد المحللون أن واشنطن تدرك تماماً هذه التبعات، ولذلك فهي تحاول ممارسة أقصى درجات الضغط دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، لكن الحشود العسكرية الضخمة والخطط الموضوعة للإنزال البري تشير إلى أن خيار القوة يظل مطروحاً بقوة كأداة أخيرة إذا فشلت الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية في ثني طهران عن مسارها الحالي.

التوازنات السياسية ومستقبل الردع الإقليمي

​في نهاية المطاف، يبقى الصراع في المنطقة خاضعاً لتوازنات دقيقة بين القوة العسكرية والحسابات السياسية، حيث تسعى الولايات المتحدة لاستعادة هيبتها الردعية التي اهتزت في السنوات الأخيرة، بينما تحاول إيران تعزيز مكانتها كقوة إقليمية قادرة على تحدي النفوذ الغربي، مما يجعل من أي تحرك بري اختباراً حقيقياً لإرادة الطرفين في المواجهة.

​إن السيناريوهات المطروحة لعمليات الإنزال تعكس تحولاً في الفكر العسكري الأميركي نحو العمليات الخاطفة والمحددة، ولكن يبقى السؤال الجوهري حول قدرة واشنطن على التحكم في ردود الفعل المتسلسلة التي قد تنجم عن أي تدخل بري، وهل يمكن حقاً ضمان عدم تحول عملية محدودة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق تأكل الأخضر واليابس.

​وتظل الجماهير في المنطقة والعالم تراقب بقلق مسارات التدخل البري الأميركي في إيران، مدركة أن مستقبل الأمن والسلم الدوليين معلق بخيط رفيع في مياه الخليج، وأن أي قرار يتخذ في واشنطن أو طهران سيكون له صدى يتردد في كل ركن من أركان الكرة الأرضية، سواء في أسعار الوقود أو في موازين القوى السياسية.

​ومع استمرار الحشود وتدفق التعزيزات، يبدو أن المنطقة قد دخلت مرحلة اللاعودة في التصعيد، حيث باتت الخطط العسكرية جاهزة للتنفيذ بانتظار إشارة الانطلاق، في ظل بيئة دولية مشحونة بالتوترات، مما يجعل من العام الحالي واحداً من أكثر الأعوام خطورة وحسماً في تاريخ الصراع العربي الإيراني والأميركي في هذه البقعة الحيوية من العالم.

​إن المزيج بين القوة الجوية الساحقة والوحدات البرية المتخصصة يمنح واشنطن تفوقاً نظرياً، لكن الواقع الميداني في إيران يظل صندوقاً مغلقاً مليئاً بالمفاجآت، مما يتطلب من صانع القرار الأميركي الموازنة بين الطموح الاستراتيجي والمخاطر الوجودية التي قد تلحق بالمصالح الأميركية وحلفائها في حال فشل العمليات البرية في تحقيق أهدافها المرسومة بدقة.