في «بيت الشعر».. نقاد ومبدعون يقرأون «رائحة للحب.. روائح للقتل» للزميل محمد هشام
يستعد بيت الشعر العربي بمركز إبداع الست وسيلة بالقاهرة لاستقبال ليلة أدبية استثنائية تجمع بين رقي الكلمة وعمق التحليل، حيث يتم الاحتفاء بالتجربة الإبداعية الجديدة التي قدمها الشاعر محمد هشام في ديوانه الأحدث «رائحة للحب.. روائح للقتل».
وتأتي هذه الفعالية المقررة يوم الأحد الموافق الثاني عشر من أبريل الجاري لتضع بصمة نقدية هامة على منجز أدبي لافت صدر تزامناً مع فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لعام 2026.

الندوة التي تديرها الكاتبة سلمى ناصر الأشرم تشهد حواراً نقدياً رفيع المستوى يجمع بين أجيال شعرية متباينة الرؤى. إذ يتصدى الشاعر والناقد الكبير عماد غزالي بقراءته العميقة لسبر أغوار النصوص، بينما يقدم الشاعر حاتم الأطير وجهة نظر جيلية معاصرة، بهدف تفكيك البنية الفنية والجمالية والإنسانية التي صاغها الشاعر محمد هشام في مجموعته الشعرية الرابعة، كاشفين عن تقاطعاتها مع تجاربه السابقة.
أطياف القصيدة وتحولات الرؤية الجمالية
تنسج المجموعة الشعرية الجديدة خيوطها حول تيمة مركزية تلامس الوجدان الإنساني في لحظات انكساره وصفائه، حيث تتدفق القصائد لتعبر عن مأساة الفقد والبهجة المنقوصة في عالم يلفه الغموض والديستوبيا. وقد استطاع الشاعر محمد هشام أن ينقل القارئ عبر قسمين رئيسيين، يحمل الأول عنوان «أعبر منك إليّ»، وفيه نجد نصوصاً مفعمة بالارتباك الوجودي مثل «مشهد تنقصه الحبكة» و«تداعٍ»، تعكس رحلة الذات في محاولاتها المستمرة للهروب عبر الثقوب الصغيرة للروح.

وفي القسم الثاني الذي اختار له عنواناً لافتاً وهو «متاهة محكمة لفأر ساذج»، تبرز مهارة الشاعر في صياغة الألم اليومي بأسلوب رمزي عميق يتجلى في قصائد مثل «ألوهة» و«أصوات منهوبة». هذا التنوع الموضوعي يبرز قدرة محمد هشام على تطويع اللغة لتلائم حالات الفقد والاحتجاج الهادئ ضد رتابة الواقع، مما يجعل المجموعة رحلة بحث مضنية عن الذات وسط تشوهات العالم الخارجي ومذكرات الأيام العادية التي لا تخلو من مأساوية خفية.
تتسم لغة المجموعة الشعرية بكثافة صورها واعتنائها بالتفاصيل الدقيقة التي تبني عالماً شعرياً متكاملاً لا ينفصل عن الواقع بقدر ما يعيد تأويله جمالياً. وقد لفت النقاد النظر إلى أن هذا العمل يمثل نضجاً لافتاً في مسيرة الشاعر محمد هشام، كونه يتجاوز فيه القوالب التقليدية نحو آفاق سردية شعرية تدمج بين اليومي والمتخيّل، مما يخلق حالة من التواصل الوجداني مع المتلقي الذي يجد نفسه في مواجهة مرآة تعكس خبايا النفس البشرية.
مسيرة صحفية وإبداعية توجت بالجوائز
لا يمكن فصل الروح المبدعة في هذا العمل عن المسار المهني الحافل لصاحبه، حيث يعمل الشاعر في الحقل الصحفي بجريدة الدستور، وهو ما أضفى على قصائده دقة الملاحظة والقدرة على التقاط التفاصيل العابرة.
حضور محمد هشام في المشهد الثقافي لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكم معرفي وإبداعي بدأ منذ سنوات دراسته الجامعية، حين بدأت موهبته تتبلور وتجذب الأنظار في المحافل الأدبية والمهرجانات الشعرية الكبرى.

وقد توجت هذه المسيرة بالعديد من التقديرات المرموقة، كان أبرزها حصوله على جائزة مجلة دبي الثقافية المرموقة عام 2013 عن ديوانه الأول «ثم لم يأتنا الماء» حين كان لا يزال مخطوطاً. هذا النجاح المبكر وضع الشاعر محمد هشام في مقدمة شعراء جيله، ودفعه لمواصلة مشروعه الأدبي بإصدارات متتالية تميزت بالبحث الدائم عن لغة مغايرة قادرة على الصمود أمام تحولات الواقع الثقافي والاجتماعي المتسارعة في المنطقة العربية.
وعند النظر في بيبليوغرافيا الشاعر، نجد تنوعاً في جهات النشر التي احتفت بأعماله، بدءاً من الهيئة المصرية العامة للكتاب التي أصدرت عمله الأول عام 2014، ومروراً بدار روافد التي نشرت «عارياً من ضعفه ورتابة الإنشاء» عام 2017. إن استمرار هذا التدفق الإبداعي وصولاً إلى «ممالك بين اللحم والعظام» عام 2019، يعكس إصراراً على تطوير الأدوات الفنية والجمالية، وهو ما سيتم استعراضه بالتفصيل خلال ندوة بيت الشعر المرتقبة.
بين ثنايا النصوص وجدل المأساة والبهجة
تعتبر ندوة الأحد المقبل فرصة ذهبية لجمهور الشعر والمثقفين للاشتباك مع نص أدبي يطرح أسئلة وجودية حارقة حول ماهية الحب والقتل في سياقاتهما الرمزية. إذ يرى النقاد أن العناوين التي اختارها المبدع لقصائده، مثل «نوبة فقدان للنطق» و«بوق مسدود»، تشي برغبة في كسر الصمت والتمرد على الأنماط المستهلكة. إنها محاولة جادة لصياغة هوية شعرية قادرة على التنقيب في الركام الإنساني واستخراج لآلئ الجمال حتى من أكثر اللحظات قتامة وديستوبية.
كما تسلط المناقشة الضوء على كيفية معالجة الشاعر لمفاهيم «أبناء آدم» و«الأقوال العادية» وتحويلها إلى مادة شعرية دسمة تثير الدهشة والتساؤل لدى القارئ المعاصر. إن القدرة على الجمع بين البساطة اللغوية والعمق الفلسفي هي السمة التي جعلت من تجربة المبدع محط اهتمام الدوائر النقدية، حيث ينجح دائماً في خلق موازنة دقيقة بين العاطفة الجياشة والبناء الدرامي المحكم للقصيدة، مما يمنح نصوصه حياة متجددة مع كل قراءة.
وفي ختام هذه الاحتفالية الثقافية، من المتوقع أن يفتح بيت الشعر باب المداخلات للجمهور لإثراء النقاش حول ديوان «رائحة للحب.. روائح للقتل» وما يمثله من إضافة للمكتبة العربية. إن هذا اللقاء ليس مجرد مناقشة لكتاب، بل هو احتفاء باستمرارية الإبداع الشعري وقدرته على المقاومة والتعبير عن آمال وآلام الجيل الحالي، وتأكيد على مكانة الشاعر كصوت متفرد يمتلك رؤية خاصة للعالم من حوله بكل تناقضاته وصراعاته.