سياسة الاحتكار النووي.. خفايا تاريخية وسياسية تفسر حرب أمريكا وإسرائيل على إيران
في العشرين من يناير 1972، بعد هزيمة عسكرية قاسية لباكستان أمام الهند وفقدان بنغلاديش، جمع رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو كبار علماء بلاده باجتماع سري في ملتان. لم يكن اللقاء استشاريا، بل تكليفيا حاسما. أطلق بوتو حينها صيحته الشهيرة التي تتقاطع اليوم مع مشاهد حرب أمريكا وإسرائيل على إيران الجارية.
حسب تقرير لـ شبكة الجزيرة الإعلامية ووكالات دولية، فإن تصريحات بوتو القائلة بأنهم سيأكلون العشب وأوراق الشجر لصنع القنبلة تعكس صلب الأزمة الحالية. بعد أكثر من نصف قرن، يقف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ليشرح أهداف الحملة العسكرية ضد طهران. صرح هيغسيث صراحة أن العالم لن يسمح لنظام إسلامي بامتلاك هذا السلاح.
ذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أبعد من ذلك في خطابه أمام المستشار الألماني فريدريش ميرتز. وصف ترمب الإيرانيين بأنهم شعب مريض ومجانين وغاضبون ويشكلون خطرا داهما. هذا الخطاب العنيف يطرح تساؤلات جوهرية حول من يملك حق المعرفة النووية. ولماذا يعتبر سعي دول معينة لامتلاك هذه التكنولوجيا تهديدا وجوديا مدمرا للبشرية.
في المقابل يصمت المجتمع الدولي تماما عن الترسانة النووية الإسرائيلية غير الخاضعة للرقابة. يتم التعامل مع مساعي الدول النامية وخاصة الإسلامية منها بوصفها محرمات دولية تستوجب الردع العسكري. المشهد المعقد اليوم يربط بين الماضي الاستعماري والحاضر المهيمن، حيث يتم تسخير القوانين الدولية لخدمة مصالح قوى بعينها على حساب سيادة دول أخرى.
جذور الأزمة واستهداف قلب المشروع الإيراني
شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدا عسكريا خطيرا تجلى في استهداف مفاعل أراك الإيراني في السابع والعشرين من مارس 2026. يعد هذا المفاعل للماء الثقيل أحد أهم أركان البنية التحتية النووية الإيرانية. ورغم التعديلات التي خضع لها المفاعل سابقا لتقليل مخاطر إنتاج البلوتونيوم، إلا أنه بقي هدفا مفضلا للضربات الجوية المتعاقبة من قبل التحالف.
أكدت تقارير إعلامية إيرانية ووسائل إعلام أمريكية وقوع الهجوم الأخير مشيرة إلى عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي. يأتي هذا التطور بعد ضربات سابقة استهدفت منشآت نووية خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025. تسعى واشنطن وتل أبيب من خلال هذه الهجمات إلى شل قدرات طهران وتدمير بنيتها التقنية والعلمية بشكل متكرر.
تتزامن هذه الهجمات الميدانية مع تعثر المفاوضات. ورغم المحاولات لاحتواء الأزمة، فإن وتيرة حرب أمريكا وإسرائيل على إيران تتسارع وتأخذ أبعادا أخطر. يرى مراقبون أن مسار الدبلوماسية بات مسدودا أمام إصرار التحالف الغربي على إخضاع طهران. يستمر تدفق حاملات الطائرات إلى المنطقة لتعزيز حالة الحصار الشامل ومنع أي محاولة للنهوض التقني المستقل.
لا يقتصر الاستهداف الميداني على المنشآت الرئيسية فقط، بل يمتد ليشمل مصانع حيوية مثل كبرى مصانع الفولاذ الإيرانية المرتبطة بالمشروع النووي. يعكس هذا النهج رغبة عميقة في تفكيك القدرات الصناعية الداعمة للبرنامج بشكل كامل. إن ما يجري في واقع الأمر هو محاولة لفرض حظر شامل على تقدم المعرفة التقنية في المنطقة بأسرها.
يمثل استهداف البنية التحتية والمرافق المكملة إستراتيجية طويلة الأمد لعرقلة أي نهضة صناعية إيرانية. تدرك القيادات العسكرية الغربية أن تدمير المفاعلات وحده لا يكفي دون شل القدرات الصناعية الداعمة. تهدف هذه الخطة الممنهجة إلى إعادة البرنامج النووي سنوات عديدة إلى الوراء وحرمان طهران من أي فرصة لتطوير خبراتها الهندسية المتقدمة والتصنيعية.
نظام الفصل العنصري النووي وتكريس الهيمنة
لفهم جذور هذه التوترات يجب العودة إلى عام 1968 حين فتحت اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية للتوقيع. بدا حينها أن المعاهدة تمثل إطارا قانونيا لحماية العالم من دمار شامل مروع. لكن بالتدقيق في تفاصيلها، يتبين أنها صممت لتثبيت ميزان القوى العالمي كما كان في تلك اللحظة التاريخية الحرجة من الحرب الباردة.
قسمت الاتفاقية العالم بشكل حاسم إلى دول نووية شرعية وأخرى يحظر عليها امتلاك هذه التكنولوجيا تماما. ضمت قائمة الدول الشرعية الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين فقط لا غير. كانت هذه الدول الخمس هي المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وهي ذاتها التي احتكرت المقاعد الدائمة في مجلس الأمن الدولي لصياغة قرارات العالم.
في المقابل كانت غالبية دول العالم العربي والإسلامي لا تزال ترزح تحت نير الاستعمار أو حديثة الاستقلال. لم تكن هذه الدول تمتلك حتى حق التصويت في شؤونها الخاصة، فكيف ببناء برامج نووية مستقلة. يعكس هذا الواقع كيف أن القانون الدولي لم يهدف لتوزيع المعرفة، بل لنقل هيمنة الماضي القاسية نحو آفاق المستقبل.
وصف الدبلوماسي الهندي جسوانت سينغ هذا النظام بدقة حين أطلق عليه مصطلح الفصل العنصري النووي بلا مواربة. يقسم هذا النظام الدول بناء على توقيت امتلاكها للسلاح، وهو توقيت حكمته ظروف استعمارية قاهرة. تقبع واشنطن على قمة هذا الهرم تليها دول حلف شمال الأطلسي ثم إسرائيل، بينما تقصى دول الجنوب تماما من المعادلة.
يمكن توسيع نظرية ماكس فيبر حول احتكار الدولة للعنف المشروع لتشمل النظام الدولي. نحن أمام منظومة تحتكر العنف وتضفي شرعية على أسلحة تبيد الملايين. وفي المقابل يتحول سعي أي دولة نامية لتطوير قدراتها إلى ذريعة لشن الحروب، وهو ما يفسر شراسة حرب أمريكا وإسرائيل على إيران اليوم لمنعها من التطور السيادي.
الاستثناء الممنوح لإسرائيل في الشرق الأوسط
في قلب الشرق الأوسط المضطرب تقبع ترسانة نووية ضخمة ومكتملة الأركان خارج أي إطار رقابي دولي. تمتلك إسرائيل ما لا يقل عن تسعين رأسا نوويا بحسب تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الموثوقة. ورغم هذه الترسانة المرعبة، لم توقع تل أبيب يوما على اتفاقية منع الانتشار النووي ولم تخضع لأي عمليات تفتيش.
بدأت قصة البرنامج النووي الإسرائيلي في أواخر خمسينيات القرن الماضي بدعم فرنسي مكثف وسري للغاية. شرع رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون آنذاك في بناء مفاعل ديمونا في قلب صحراء النقب القاحلة. للتغطية على هذا المشروع الضخم، تم تضليل مسؤولي الجمارك الفرنسيين بالادعاء أن المكونات تابعة لمحطة تحلية مياه مخصصة لدول أمريكا اللاتينية.
عندما اكتشفت الاستخبارات الأمريكية حقيقة المنشأة أوائل الستينيات طلبت واشنطن إجراء تفتيش دولي فوري وشامل. وافقت إسرائيل بشروط مجحفة منها أن يكون المفتشون أمريكيين حصرا، وأن يتم إبلاغها مسبقا بمواعيد الزيارات. أدت هذه الشروط إلى إفراغ التفتيش من مضمونه حيث تمكن الإسرائيليون من إخفاء الطوابق السرية الستة الممتدة تحت سطح الأرض ببراعة.
أفاد المفتشون الأمريكيون لاحقا بأن زياراتهم كانت عديمة الجدوى تماما بسبب الجدران المؤقتة والمصاعد المخفية التي صممها الإسرائيليون بدقة. بحلول عام 1969 توقفت الإدارة الأمريكية عن إرسال فرق التفتيش بشكل نهائي وابتلعت الطعم. تزامن ذلك مع تفاهم سري بين الرئيس ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء غولدا مائير لحماية البرنامج الإسرائيلي من أي شكل للمساءلة.
كشف المؤرخ أفنير كوهين في كتابه إسرائيل والقنبلة تفاصيل هذا التفاهم الذي استمر لعقود طويلة. التزمت تل أبيب بالسرية التامة وعدم إجراء تجارب نووية علنية مقابل تسامح واشنطن الكامل مع امتلاكها للسلاح الرادع. منذ ذلك الحين تمنع القوانين الأمريكية موظفي الحكومة من الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالقدرات النووية الحقيقية الفتاكة لإسرائيل.
تجاهل التفتيش الدولي وبناء الترسانة السرية
في عام 1986 أقدم التقني مردخاي فانونو الذي عمل في مفاعل ديمونا لتسع سنوات على كسر جدار الصمت المرعب. التقط فانونو ستين صورة عالية الدقة لأكثر المواقع سرية وحساسية داخل المنشأة الإسرائيلية المحصنة. كشف هذا التسريب لصحيفة صنداي تايمز البريطانية عن قدرات هائلة تفوق ما كان يتصوره المجتمع الدولي بأكمله في ذلك الوقت.
أكدت الوثائق المسربة أن إسرائيل قادرة على إنتاج بلوتونيوم يكفي لصناعة اثني عشر رأسا نوويا سنويا على الأقل. الأخطر من ذلك هو الكشف عن تطوير تل أبيب لأسلحة نووية حرارية هيدروجينية ذات قوة تدميرية مضاعفة ومرعبة. شكلت هذه المعلومات صدمة عالمية واسعة، لكن رد الفعل الدولي الرسمي جاء باهتا ومخيبا للآمال بشكل صادم.
قبل نشر القصة المدوية بخمسة أيام فقط تدخل جهاز الموساد الإسرائيلي بعملية استخباراتية معقدة وخطيرة في روما. تم استدراج فانونو عبر عميلة سرية واختطافه ونقله مكبلا إلى الأراضي الإسرائيلية بطريقة غير قانونية تماما. حوكم التقني الشجاع بتهمة الخيانة العظمى وسجن ثمانية عشر عاما، قضى أكثر من نصفها في حبس انفرادي قاس ومظلم.
على عكس ما يحدث مع دول الجنوب لم تواجه إسرائيل أي عقوبات اقتصادية أو سياسية إثر هذه الفضيحة الموثقة. لم تقصف منشآتها ولم تطالبها أي جهة دولية بتفكيك معداتها الحساسة أو حتى الخضوع للرقابة. بل على العكس استمرت واشنطن في حمايتها دبلوماسيا وعسكريا، مما رسخ قناعة إسرائيلية بأنها فوق أي قانون أو رقابة أو محاسبة.
استغلت إسرائيل هذه الحصانة للسعي بضراوة كي تظل القوة النووية الوحيدة المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط. ففي عام 1981 نفذت طائراتها هجوما مدمرا على مفاعل أوزيراك العراقي لمنع بغداد من أي تطور تقني. وفي عام 2007 دمرت منشأة في دير الزور السورية بناء على مجرد اشتباه ضعيف ومبهم بأنها قد تكون مفاعلا نوويا قيد الإنشاء.
شبكات التهريب كاستجابة طبيعية للاحتكار
تؤكد نظريات العلاقات الدولية والدراسات الأمنية الحديثة حق الدول الأصيل في حماية أمنها القومي وضمان وجودها وسيادتها. يعتبر التسلح وامتلاك أدوات الردع المتقدمة جزءا من السلوك العقلاني المعتاد في ظل نظام دولي فوضوي تحكمه المصالح الذاتية. إلا أن هذه القاعدة البديهية تفقد كل مشروعيتها فجأة عندما تحاول دولة من دول الجنوب ممارستها وتطبيقها على أرض الواقع.
عندما تسعى دول العالم النامي لبناء قوة عسكرية وعلمية مستقلة يتم تصويرها فورا كتهديد عالمي يجب استئصاله فورا. يؤدي إغلاق القنوات الشرعية والرسمية لنقل التكنولوجيا السلمية إلى لجوء هذه الدول إلى مسارات خفية وبديلة للحصول عليها. يفسر هذا التضييق الممنهج بروز وتمدد شبكات نقل المعرفة السرية، وعلى رأسها شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان الشهيرة.
بدأت رحلة عبد القدير خان المذهلة من قلب القارة الأوروبية وتحديدا في مايو من عام 1972 المضطرب. بدأ مهندس المعادن الحاصل على درجة الدكتوراه من بلجيكا العمل في مختبر متخصص بمدينة أمستردام الهولندية. كان هذا المختبر مقاولا فرعيا لمؤسسة يورنكو الأوروبية، وهي جهة مشتركة مكلفة بتأمين إمدادات اليورانيوم المخصب لقطاع الطاقة المدنية والمفاعلات السلمية.
استغل خان موقعه للوصول إلى أدق المخططات والتصاميم الهندسية الخاصة بأجهزة الطرد المركزي فائقة التطور والتعقيد. نجح في نسخ بيانات التواصل الخاصة بعشرات الشركات والموردين الاستراتيجيين داخل القارة العجوز والاحتفاظ بها لنفسه. في أواخر عام 1975 غادر خان وظيفته بشكل مفاجئ عائدا إلى وطنه حاملا ثروة معلوماتية ضخمة غيرت موازين القوى في آسيا برمتها.
أثمرت جهود خان سريعا فبحلول أبريل 1978 تمكنت باكستان من إنتاج أول كمياتها من اليورانيوم المخصب محليا بنجاح. وفي عام 1982 وصل المشروع الطموح إلى درجات التخصيب العسكري العالية والخطيرة دون رقابة دولية قادرة على وقفه. توجت هذه الجهود في مايو 1998 بتفجير خمسة أجهزة نووية ردا على التجارب الهندية، لتصبح باكستان قوة نووية إسلامية وحيدة.
لم تتوقف طموحات شبكة خان عند حدود الأراضي الباكستانية بل امتدت لتشمل نقل التقنيات لدول أخرى سرا وخفية. شملت هذه القائمة إيران وكوريا الشمالية وليبيا مما أثار حفيظة ورعب العواصم الغربية قاطبة واعتبرته تجاوزا للخطوط الحمراء. ورغم تصوير الخطاب الغربي لهذه الشبكة كانحراف خطير، إلا أنها كانت مجرد نتاج طبيعي ومباشر لسياسات الاحتكار والفصل النووي.
معضلة السيادة المنقوصة وحرمان دول الجنوب
حتى في الحالات الاستثنائية التي يسمح فيها لدولة عربية بالاقتراب من مصادر الطاقة النووية السلمية تفرض شروط قاسية ومجحفة. تضمن هذه القيود الصارمة بقاء التكنولوجيا الجوهرية والمعرفة العميقة بعيدة تماما عن متناول الخبراء المحليين والمهندسين الوطنيين. يتجلى هذا النمط بوضوح جلي في اتفاقيات التعاون النووي المشروطة التي تعقدها واشنطن مع حلفائها الاستراتيجيين في منطقة الخليج العربي.
تشترط الاتفاقيات الأمريكية مثل اتفاقية 123 الموقعة مع أبوظبي التزاما خطيا وقانونيا صارما بعدم حيازة تقنيات التخصيب إطلاقا. يعني هذا عمليا السماح ببناء هياكل المفاعلات وتشغيلها مع الاعتماد الكلي على الغرب في توفير الوقود والصيانة. إنها سياسة تمنح الدول النامية المباني الضخمة والمكلفة، لكنها تحتفظ بمفاتيح التشغيل وأسرار الصناعة الاستراتيجية في عواصم الدول الغربية حصرا.
يكشف هذا النموذج بوضوح كيف أن النظام العالمي المهيمن لا يحظر الاستخدام العسكري فحسب، بل يمنع الفهم العلمي العميق. يجعل هذا النهج المتعمد من المعرفة الهندسية في حد ذاتها خطا أحمر ومحرمة منعا باتا على شعوب دول الجنوب. فبينما تمتلك اليابان خيار التسلح لوجود المعرفة العميقة لديها، تقصى الدول الإسلامية من دائرة الفهم العلمي التأسيسي من الأساس.
يطلب من دول المنطقة في ذات الوقت التعايش السلمي والمستمر مع الترسانة الإسرائيلية المدمرة والسرية دون أي اعتراض. تستخدم تل أبيب قوتها العسكرية الغاشمة والمتطورة لمنع أي جار عربي من الاقتراب من العتبة التكنولوجية الحساسة. هذا الاختلال الاستراتيجي الفادح ليس وليد الصدفة العابرة، بل هو واقع مهيكل ومفروض بعناية ترعاه المنظومات الغربية وأساطيلها الحربية لضمان التفوق.
يؤدي هذا الإقصاء المعرفي المنهجي إلى تشويه كبير في مسار التطور العلمي والأكاديمي لدول العالم النامي بأسرها. كما أنه يؤثر بعمق على صياغة العقائد الأمنية وفهم مصادر التهديد الحقيقية في محيط منطقة الشرق الأوسط المضطرب. يتم تضخيم مخاطر هامشية أو مفاهيم فضفاضة كالإرهاب العابر للحدود، بينما يتم تجاهل التهديد الوجودي الأكبر المتمثل في الاحتكار النووي المتغطرس.
إيران ومحاولة كسر احتكار القوة والمعرفة
في ظل هذا السياق المعقد الذي يرسخ الاستثناء الإسرائيلي والسيادة المنقوصة تتضح الأهداف الحقيقية للاستراتيجية الغربية. لم يكن الهدف الغربي يوما مجرد تغيير النظام الحاكم في طهران. بل إن جوهر حرب أمريكا وإسرائيل على إيران هو ضمان بقاء المنطقة خاضعة تماما للهيمنة المعرفية والتكنولوجية الغربية ومنع أي نهضة علمية ذاتية ومستقلة.
أكد وزير الحرب الأمريكي هيغسيث هذا التوجه المستمر حين فصل بوضوح بين هدف إسقاط النظام وتدمير البنية النووية بالكامل. تسعى الحملة العسكرية الشرسة لحرمان أي حكومة إيرانية مستقبلية من مقومات القوة الاستراتيجية والمعرفة العلمية المتقدمة المستقلة. تعكس اللغة الاستشراقية المستخدمة في تبرير هذه الضربات الجوية نظرة دونية تربط العقلانية والحكمة الرشيدة بالحضارة الغربية حصريا دون غيرها.
يتم تصوير الأنظمة غير الغربية الساعية للتطور العلمي كأنظمة واهمة ومجنونة وغير جديرة بالثقة للحصول على تقنيات حساسة. وفق هذا المنطق المتعجرف تصبح ترسانة إسرائيل السرية وحروب أمريكا المدمرة سلوكا عقلانيا ومشروعا ومقبولا دوليا يخدم السلم. أما محاولات دول الجنوب لبناء ردع ذاتي مستقل، فتصنف فورا كخطر وجودي يهدد السلم والأمن العالميين ويستوجب تدخلا عسكريا وقائيا.
تتجاوز القدرات النووية كونها مجرد إمكانيات تدميرية عسكرية محدودة لتمثل سلطة سياسية ورمزية تمنح مالكها مكانة دولية رفيعة المستوى. تستخدم هذه القدرات الفائقة كأداة فعالة للردع العسكري الحاسم ووسيلة لا غنى عنها للإرغام الدبلوماسي في المحافل الدولية المتعنتة. إن التحكم في مسارات المعرفة والتكنولوجيا يعني ببساطة هيمنة أقلية غربية على قرارات ومصائر ومستقبل الأغلبية الساحقة من شعوب البشرية.
لا تدفع طهران اليوم ثمن تخصيب اليورانيوم فحسب، بل تدفع ضريبة محاولتها إنتاج المعرفة محليا وبشكل سيادي مستقل. لقد سعت هذه الدولة لامتلاك المفتاح والمبنى معا خارج شبكات التبعية والرقابة التي يفرضها الغرب بقوة السلاح القاهرة. يمثل هذا التمرد المعرفي والسياسي العميق التهديد الأكبر والأخطر للنظام الاستعماري الحديث الذي يرفض رفضا قاطعا أي اختلال في موازين التبعية.
إن التساؤلات العميقة التي تثيرها هذه الأزمة الطاحنة لا تتوقف أبدا عند حدود الشرق الأوسط أو تفاصيل البرنامج الإيراني. بل تمتد لتطرح إشكالية حقوق الأمم النامية في تقرير مصيرها التكنولوجي والعلمي دون وصاية خارجية مفروضة بقوة الطيران والصواريخ. سيبقى احتكار القوة عنوانا عريضا للنظام العالمي المهيمن ما لم تتغير موازين المعرفة الحقيقية التي تحكم مسارات هذا الكوكب.
لن تتوقف التداعيات الخطيرة عند حدود طهران، بل سترسم ملامح النظام العالمي للعقود القادمة بشكل لا رجعة فيه. إن نتائج حرب أمريكا وإسرائيل على إيران ستحدد ما إذا كانت دول العالم الثالث قادرة على كسر القيود التكنولوجية. سيبقى التحدي الأكبر قائما أمام كل أمة تسعى لامتلاك قرارها العلمي بعيدا عن التهديدات العسكرية وهيمنة القوى العظمى الاستعمارية المتجددة.