ليلة التفاوض الشاقة.. كيف أدارت باكستان خط الاتصال الساخن بين أمريكا وإيران؟
تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً محموماً تقوده باكستان لإنهاء العمليات القتالية المتصاعدة، حيث تسلمت كل من إيران والولايات المتحدة إطاراً شاملاً يهدف إلى وقف نزيف الدماء وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة العالمية. وتأتي هذه المبادرة في توقيت حساس تزداد فيه المخاوف من اشتعال مواجهة إقليمية شاملة تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع دخول البيت الأبيض على خط الأزمة بضغوط مباشرة لإنهاء الحرب سريعاً وتجنب التبعات الاقتصادية الوخيمة التي قد تطال الأسواق الدولية نتيجة استمرار إغلاق الممرات المائية الحيوية التي تسيطر عليها إيران بشكل مؤثر.
حسب تقرير لـ «رويترز» ومصادر مطلعة، فإن الخطة المقترحة تقوم على نهج يتألف من مرحلتين تبدأ بوقف فوري لإطلاق النار، يليه صياغة اتفاقية شاملة تضمن استقرار المنطقة على المدى الطويل.
وقد بذلت القيادة العسكرية والسياسية في باكستان جهوداً مضنية خلال الساعات الماضية لإقناع الأطراف بضرورة التوقيع على مذكرة تفاهم أولية اليوم الاثنين، حيث يسعى الوسطاء لانتزاع موافقة سريعة من إيران لضمان تدفق النفط عبر المضيق، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه هذه الاتصالات التي شملت مسؤولين رفيعي المستوى في واشنطن وطهران على مدار ليلة كاملة من التفاوض الشاق.
موقف طهران من شروط وقف إطلاق النار الدائم
على الرغم من زخم المبادرة، أكد مسؤول إيراني كبير أن بلاده لن تقبل بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل مجرد وقف مؤقت للأعمال القتالية، مشيراً إلى أن طهران ترى في العرض الحالي ثغرات تتعلق بمدى جدية واشنطن في الالتزام بهدنة دائمة. وتشدد إيران على أن أي تراجع عن إجراءاتها العسكرية يجب أن يقابله التزام دولي واضح يمنع تكرار الهجمات عليها، معربة عن رفضها القاطع لسياسة الضغوط والمواعيد النهائية التي تحاول بعض الأطراف فرضها لانتزاع قرارات سيادية متسرعة تحت وطأة التصعيد العسكري القائم في المنطقة حالياً.
وتوضح المصادر أن القيادة في إيران تدرس المقترح الباكستاني بعناية فائقة، لكنها تضع شرط الضمانات الأمنية في مقدمة أولوياتها، معتبرة أن الاتفاقات المؤقتة قد تمنح خصومها فرصة لإعادة التموضع. ويسعى المفاوضون الإيرانيون إلى الحصول على تعهدات موثقة تضمن عدم تعرض أراضيهم لضربات من الولايات المتحدة أو إسرائيل مستقبلاً، حيث تعتبر إيران أن استقرار الملاحة في هرمز هو ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن التنازل عنها دون تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة تنهي حالة العزلة المفروضة عليها منذ سنوات طويلة.
تحركات واشنطن والضغط الدبلوماسي لترمب
في المقابل، يمارس الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطاً علنية لإنهاء الصراع في أسرع وقت ممكن، محذراً من عواقب وخيمة في حال فشل الأطراف في التوصل لاتفاق خلال الجدول الزمني المحدد. وقد كشفت التقارير عن اتصالات مباشرة جرت بين قائد الجيش الباكستاني ونائب الرئيس الأميركي جيه.دي فانس، بالإضافة إلى المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، لضمان مواءمة المقترح مع التوجهات الأميركية الجديدة التي تهدف لتهدئة الجبهات المشتعلة مع إيران وتقليل المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي نتيجة اضطراب أسواق الطاقة التي تتأثر مباشرة بأي تهديد للممرات المائية.
وتشير التسريبات إلى أن واشنطن تبدي مرونة في مناقشة اتفاق يمتد لـ 45 يوماً كمرحلة تجريبية، وهو ما نُشر أولاً عبر موقع «أكسيوس» الذي أشار لوساطات إقليمية تشارك فيها دول مثل مصر وتركيا. ويهدف هذا التحرك الأميركي إلى وضع إيران أمام خيارين؛ إما الانخراط في تسوية سياسية شاملة تؤدي لرفع العقوبات، أو مواجهة تداعيات اقتصادية وعسكرية أكثر صرامة، في ظل رغبة الإدارة الأميركية الحالية في إغلاق ملفات النزاع في الشرق الأوسط والتركيز على قضايا داخلية وتحديات دولية أخرى بعيداً عن استنزاف الموارد في حروب الممرات.
تفاصيل اتفاق إسلام آباد والمكاسب الاقتصادية
يتضمن الاتفاق الذي يحمل اسم «اتفاق إسلام آباد» إطاراً إقليمياً يضمن أمن مضيق هرمز وتعهدات متبادلة تبدأ بوقف إطلاق النار فوراً، على أن تُستكمل التفاصيل النهائية خلال فترة لا تتجاوز عشرين يوماً. ومن المتوقع أن يشمل الاتفاق النهائي التزامات واضحة من جانب إيران بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، مقابل حزمة من الحوافز تشمل رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة والإفراج عن الأصول المالية المجمدة في الخارج، وهو ما يمثل مخرجاً للأزمة التي عصفت بالمنطقة وهددت استقرار سلاسل الإمداد العالمية للنفط والغاز بشكل غير مسبوق.
وتلعب الصين دوراً محورياً في دعم هذا المقترح بجانب باكستان، حيث تسعى بكين لضمان استقرار تدفقات الطاقة التي تعتمد عليها بشكل كبير، مما يجعل الضغط على إيران يأتي من حلفاء وشركاء اقتصاديين أيضاً. ورغم هذا الدعم المتعدد الأطراف، لا يزال الغموض يكتنف الموقف النهائي لطهران، حيث ذكرت مصادر باكستانية أن الجانب الإيراني لم يقدم التزاماً رسمياً حتى الآن، بانتظار نتائج المشاورات الداخلية العميقة بين الجناحين العسكري والسياسي في طهران لضمان أن الاتفاق سيلبي كافة الطموحات القومية الإيرانية دون تقديم تنازلات مجانية.
مستقبل الملاحة في هرمز وتحديات التنفيذ
تترقب أسواق الطاقة العالمية نتائج هذه التحركات الدبلوماسية بحذر شديد، حيث أدت حالة عدم اليقين بشأن موقف إيران إلى تقلبات حادة في أسعار النفط العالمية خلال الأيام الماضية.
ويرى الخبراء أن إعادة فتح مضيق هرمز سيمثل انفراجة كبرى للاقتصاد العالمي، لكن نجاح ذلك يعتمد كلياً على قدرة الوسطاء في إسلام آباد على جسر الهوة العميقة في الثقة بين واشنطن وطهران، خاصة فيما يتعلق بآليات التحقق من الالتزام بوقف إطلاق النار وتوقيتات رفع العقوبات المالية المرتبطة بالنشاط النووي الإيراني المثير للجدل.
إن استمرار القنوات الدبلوماسية عبر باكستان يمثل الفرصة الأخيرة لتجنب سيناريو الحرب الشاملة التي حذر منها العديد من القادة الإقليميين، وفي حال نجاح «اتفاق إسلام آباد»، فإنه سيؤسس لمرحلة جديدة من التوازنات في المنطقة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية إقناع إيران بأن هذا المسار سيؤدي فعلياً إلى سلام دائم وليس مجرد هدنة مؤقتة تستغلها الأطراف الأخرى، وهو ما يجعل الساعات القادمة حاسمة في تحديد مصير المبادرة التي قد تغير وجه الخارطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.