مضيق هرمز.. الفخ الذي قد يبتلع "هدنة الأسبوعين" بين واشنطن وطهران
بينما تُجمع الأطراف الثلاثة (واشنطن وتل أبيب وطهران) على سريان وقف إطلاق النار، سلط موقع أكسيوس الأمريكي الضوء على تضارب حاد في الروايات حول البنود والمسارات المستقبلية للاتفاق.
وتكتسب هذه التباينات أهمية قصوى لكونها تسبق محادثات إسلام آباد المرتقبة الجمعة، وسط إجماع –نقله الموقع– على غياب أي ضمانات حقيقية لانتهاء الحرب فعلياً.
تفاصيل المشهد
يظل الشرط الجوهري الذي وضعه الرئيس ترامب لوقف التصعيد متمثلاً في إعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن الغموض لا يزال يلف طبيعة هذا "الانفتاح" الموعود، وسط مخاوف دولية من اعتزام طهران فرض رسوم عبور على السفن المارة.
وفي غضون ذلك، أثارت الوساطة الباكستانية لغطاً دبلوماسياً بإعلانها شمول الهدنة للجبهة اللبنانية، وهو ما نفته إسرائيل جملة وتفصيلاً عبر تكثيف هجماتها الميدانية. ولم تقتصر الخروقات على لبنان، بل طالت منشآت نفطية في إيران والسعودية والإمارات والكويت خلال الساعات الـ 12 الأولى من عمر الاتفاق، مما دفع رئيس الوزراء الباكستاني للتحذير من أن هذه الهجمات "تقوض روح عملية السلام" قبيل انطلاق محادثات الجمعة التي تفتقر حتى الآن إلى قاعدة تفاوضية موحدة.
خروقات الميدان
رغم التراجع الملحوظ في حدة القتال، إلا أن العمليات العسكرية لم تتوقف بشكل كامل؛ حيث ادعت طهران أن ضرباتها بالصواريخ والمسيّرات التي استهدفت إسرائيل ومنشآت نفطية في الإمارات والكويت والسعودية –عقب إعلان الهدنة– جاءت رداً على هجمات أمريكية وإسرائيلية طالت مصفاة نفط إيرانية.
في المقابل، نفى مسؤول دفاع أمريكي مسؤولية واشنطن أو تل أبيب عن تلك الضربة التي استهدفت المصفاة.
من جانبه، أرجع وزير الدفاع "بيت هيغسيث" استمرار المناوشات إلى "سوء القيادة والسيطرة" داخل إيران، مشيراً إلى تعذر تواصل طهران مع بعض قادتها الميدانيين بسبب مشكلات تقنية في الاتصالات.
ومع ذلك، أبدى هيغسيث تفاؤلاً حذراً بقوله: "يستغرق وقف إطلاق النار وقتاً ليستقر، ونعتقد أن ذلك سيحدث".
معضلة هرمز
بعد وقت قصير من تأكيد الرئيس ترامب يوم الثلاثاء أن مضيق هرمز بات "مفتوحاً"، أصدرت الخارجية الإيرانية بياناً أكثر تحفظاً، اشترطت فيه ضرورة تنسيق السفن الراغبة في العبور مع الجيش الإيراني، معلنةً عن فرض قيود على أعداد القطع البحرية المارة.
وفي تطور يثير قلقاً دولياً، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤولين قولهم إن العبور سيتطلب دفع "رسوم مرور"، وهو السيناريو الذي تخشاه العواصم العالمية منذ أسابيع.
وفي محاولة لضبط إيقاع التصريحات، قال هيغسيث: "ما اتفقنا عليه هو أن المضيق مفتوح". إلا أن الرئيس ترامب زاد من حالة الارتباك بتصريحه لشبكة "إيه بي سي"، والذي أشار فيه إلى احتمالية إدارة نظام رسوم "مشترك" بين الولايات المتحدة وإيران في المضيق، مما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وسيادية معقدة قبيل مفاوضات الجمعة.
أجندة التفاوض
في خطوة أثارت دهشة حلفائه من التيار المتشدد، أعلن الرئيس ترامب ضمن بيان قبول وقف إطلاق النار أن قائمة الشروط الـ 10 التي طرحتها طهران لإنهاء الحرب تمثل "أساساً صالحاً للتفاوض".
وتتضمن هذه الشروط بنوداً بالغة الحساسية، أبرزها بسط السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، والاحتفاظ بالحق في تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى رفع كامل العقوبات وتلقي تعويضات عن خسائر الحرب، وفقاً للنسخة الصادرة عن مجلس الأمن الإيراني.
ومع اتساع فجوة الروايات، ادعى نائب الرئيس فانس يوم الأربعاء أن بعض المسؤولين في النظام الإيراني "يكذبون" بشأن حقيقة ما جرى الاتفاق عليه خلف الكواليس، مما يعكس حالة من عدم الثقة تسبق انطلاق جولة المحادثات المرتقبة.
تصلب أمريكي وضغوط "الصقور"
في تدوينة جديدة عبر منصة "تروث سوشيال" يوم الأربعاء، تجاهل الرئيس ترامب النقاط العشر التي طرحتها طهران، مسلطاً الضوء بدلاً من ذلك على مقترح أمريكي يضم 15 نقطة كان قد رُفض سابقاً، مع ادعائه بحدوث توافق حول بنود عديدة منه.
وقطع ترامب الطريق أمام أي طموحات نووية، مؤكداً أن واشنطن لن تعترف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم ولن تسمح ببقاء مخزون عالي التخصيب لديها.
وكتب ترامب بلهجة حازمة: "لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم، وستعمل الولايات المتحدة مع إيران على استخراج وإزالة كل... 'الغبار' النووي المدفون في الأعماق"، في إشارة واضحة لتصفية المخزون الإيراني الحساس، مقابل استعداد واشنطن لمناقشة "تخفيف التعريفات الجمركية والعقوبات" خلال جولات التفاوض المقبلة.
تحذيرات من تل أبيب والكونغرس
على الجانب الآخر، سادت حالة من التشكيك لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأقطاب الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري؛ حيث أبدى السيناتور ليندسي غراهام قلقه العميق من طبيعة التنازلات المحتملة.
ووجّه غراهام رسالة تحذيرية عبر منصة "إكس" للمفاوضين الأمريكيين قبيل قمة الجمعة، واصفاً وثيقة المفاوضات بأنها تتضمن "جوانب مثيرة للقلق".
وشدد غراهام على ضرورة خضوع الاتفاق للرقابة التشريعية، قائلاً: "أتطلع إلى قيام مهندسي هذا المقترح، بما في ذلك نائب الرئيس، بالمثول أمام الكونغرس لشرح مدى مواءمة هذا الاتفاق مع أهداف أمننا القومي في إيران"، مما يضع ضغوطاً إضافية على الفريق المفاوض قبل انطلاق محادثات إسلام آباد.
جبهة لبنان.. ثغرة الهدنة وتصعيد الدماء
وفي غضون ذلك، نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صحة المزاعم الباكستانية والإيرانية التي تفيد بشمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية هناك. وقد انعكس هذا الموقف ميدانياً في حصيلة دموية؛ حيث أفاد الصليب الأحمر اللبناني بسقوط أكثر من 80 قتيلاً وإصابة 200 آخرين جراء الضربات المستمرة.
من جانبها، اعتبرت طهران استمرار القصف في لبنان "انتهاكاً صارخاً" لبنود التهدئة، وحذر مسؤولون إيرانيون من أن هذا التصعيد قد يقوض الاتفاق برمته ويدفع نحو إغلاق مضيق هرمز من جديد. وبينما يتصاعد هذا السجال، لم تصدر الإدارة الأمريكية حتى الآن موقفاً رسمياً يوضح رؤيتها لمدى ارتباط الجبهة اللبنانية بمسار الهدنة الإيرانية.
تأهب عسكري وترقب دبلوماسي
في مؤتمر صحفي عُقد الأربعاء، وصف رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، التطورات الحالية بأنها "هدنة مؤقتة"، مؤكداً جاهزية الجيش الأمريكي الكاملة لاستئناف العمليات القتالية. وفي السياق ذاته، شدد هيغسيث على بقاء القوات الأمريكية في حالة تأهب لمراقبة مدى امتثال طهران، قائلاً: "نحن مستعدون للبدء من جديد في أي لحظة".
في المقابل، تبنت طهران نبرة تحذيرية مماثلة؛ حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني في بيان رسمي أن "الأصابع لا تزال على الزناد"، مؤكداً استعداده للرد بقوة مضاعفة على أي هجوم. ومع هذا الاحتقان الميداني، تتجه الأنظار صوب العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم الجمعة، حيث من المتوقع أن يقود نائب الرئيس فانس الوفد الأمريكي في جولة مفاوضات حاسمة.
عقدة التفاصيل وجوهر الخلاف
تجسد حالة الارتباك المحيطة بملفات استراتيجية، مثل آلية فتح مضيق هرمز، حجم التحديات التي تواجه هذا المسار التفاوضي. فما زالت الهوة واسعة بين الأطراف المعنية حول قضايا جوهرية؛ أبرزها تمويل إعادة إعمار إيران، وتفكيك برنامج أسلحتها النووية، بالإضافة إلى صياغة اتفاق لإنهاء المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، مما يجعل من جولة إسلام آباد اختباراً حقيقياً لفرص السلام الدائم.