< صدام الإرادات في مضيق هرمز.. طهران تفرض الرسوم وعُمان تتمسك بحرية الملاحة
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

صدام الإرادات في مضيق هرمز.. طهران تفرض الرسوم وعُمان تتمسك بحرية الملاحة

مضيق هرمز
مضيق هرمز

​تصدر ملف الرسوم المحتملة على عبور السفن في مضيق هرمز واجهة النقاشات العالمية بشكل متسارع. 

وجاء هذا التطور عقب الاتفاق على وقف إطلاق نار مؤقت للحرب على إيران. وبرز في هذا السياق تباين واضح وعميق بين مواقف سلطنة عمان وإيران بشأن إدارة هذا الممر المائي البالغ الأهمية. وباتت قضية الملاحة البحرية تشغل اهتمام العالم بأسره وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة.

​حسب وكالات الأنباء، فإن وزير النقل العماني سعيد المعولي حسم موقف بلاده بشكل قاطع. وأكد الوزير اليوم الأربعاء أن سلطنة عمان ملتزمة بجميع الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بحركة النقل البحري. وتنص هذه المعاهدات بوضوح تام على عدم جواز فرض أي أعباء أو رسوم مالية على عبور السفن التجارية. وشدد الوزير على أن حرية الملاحة تمثل مبدأ أساسيا وراسخا لا يمكن المساس به تحت أي ظرف.

الفراغ القانوني المزعوم

​أشار الوزير العماني في تصريحاته إلى نقطة محورية تتعلق بمواقف بعض القوى الدولية المؤثرة في هذا الملف الشائك. وذكر أن الكثير من الدول الكبرى، ومن ضمنها إيران والولايات المتحدة الأميركية، لم توقع على جميع الاتفاقيات الخاصة بتنظيم النقل البحري الدولي. واعتبر الوزير أن هذا التخلف عن الانضمام لبعض المعاهدات يخلق ما وصفه بوجود فراغ قانوني في المنطقة. وهذا الفراغ هو ما تحاول بعض الأطراف استغلاله لتمرير أجندات جديدة.

الرؤية الإيرانية للرسوم

​تدافع طهران بشراسة عن مقترحها المثير للجدل والذي تندرج تفاصيله ضمن تسوية سياسية ومالية محتملة لمرحلة ما بعد الحرب. ويتضمن المشروع الإيراني فرض رسوم مالية على جميع السفن وناقلات النفط العابرة عبر مضيق هرمز بشكل إلزامي. وتشير التقديرات الإيرانية إلى أن قيمة هذه الرسوم قد تختلف صعودا وهبوطا بحسب نوع كل سفينة وحجم حمولتها. وتبرر طهران هذه الخطوة بأنها تهدف إلى تنظيم حركة العبور الكثيفة وليس تقييدها.

​وكشف كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني عن تفاصيل إضافية حول التوجهات الإيرانية لتطبيق هذا النظام المستحدث. وقال إن بلاده تعمل بالتنسيق والتشاور مع الجانب العماني لوضع بروتوكول شامل يهدف إلى تنظيم مسألة عبور السفن. ويشمل هذا البروتوكول المقترح ضرورة الحصول على تصاريح وتراخيص مسبقة قبل دخول المياه الإقليمية. وتعتبر الرواية الإيرانية الرسمية أن هذه الخطوة التنظيمية تهدف في المقام الأول إلى تسهيل المرور وضمان سلامته.

​وتشير تقارير إعلامية متطابقة إلى أن البرلمان الإيراني يدرس حاليا تشريعات قانونية لتقنين هذه الإيرادات المالية الضخمة المتوقعة. وتطمح طهران لجمع مليارات الدولارات سنويا من خلال فرض مبالغ طائلة على بعض السفن الكبيرة لتمريرها بسلام. وتخطط السلطات الإيرانية لتخصيص هذه العوائد المالية لتمويل عمليات إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية التي تضررت خلال الحرب. ويعكس هذا التوجه رغبة إيرانية في تحويل الممر المائي إلى مصدر دخل رئيسي يعوض خسائرها.

المفاجأة الأميركية المدوية

​دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة بتصريحات غير متوقعة زادت من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة. فقد أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء بتصريحات لافتة خلال مقابلة مع إحدى الشبكات الإخبارية الأميركية. وأشار ترمب إلى احتمال وجود مشروع مشترك بين بلاده وإيران لفرض رسوم على حركة السفن التجارية. واعتبر أن هذه الخطوة المفاجئة قد تمثل وسيلة فعالة لحماية مضيق هرمز من الأطراف والمنافسين الآخرين.

​أثارت هذه التصريحات الأميركية ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية والاقتصادية العالمية التي تراقب الوضع بحذر شديد. وتساءل الكثيرون عن مدى جدية واشنطن في الدخول بشراكة اقتصادية مع طهران لإدارة هذا الممر المائي الدولي الحساس. ويرى محللون أن الموقف الأميركي قد يهدف إلى الضغط للحصول على حصة من العوائد المالية المحتملة بدلا من منعها. وتبقى هذه التصريحات بمثابة بالون اختبار لقياس ردود الفعل الإقليمية والدولية.

الرفض الخليجي القاطع

​قوبلت هذه الطروحات الإيرانية والأميركية برفض دولي وإقليمي واسع النطاق، حيث عبرت دول عدة عن موقفها الحازم والرافض. وحذرت دولة الإمارات العربية المتحدة من خطورة أي خطوات أحادية الجانب تستهدف فرض أعباء مالية على حركة العبور. وشددت أبوظبي بلهجة حازمة على أنه لا يمكن لأي دولة أن تجعل مضيق هرمز رهينة لتحقيق مكاسب مالية وسياسية. وأكدت على الضرورة القصوى للحفاظ على مبدأ حرية الملاحة البحرية دون أي قيود.

​وفي سياق متصل، تبنت دولة قطر موقفا مشابها يعكس حرص دول الخليج على استقرار حركة التجارة العالمية للطاقة. وأكدت الدوحة أن لكل دول المنطقة والعالم الحق الأصيل في استخدام الممر المائي بحرية تامة ووفق القوانين الدولية. ودعت قطر إلى ضرورة تأجيل أي نقاشات أو حوارات حول آليات مالية مستقبلية في الوقت الراهن. واعتبرت أن الأولوية القصوى حاليا تتمثل في إعادة الاستقرار الأمني والسياسي الكامل للممر البحري.

الموقف الأممي والقانوني

​رحبت الجهات الدولية المعنية بشؤون الملاحة بالتهدئة العسكرية، وسط مساع حثيثة لضمان استمرار تدفق سلاسل الإمداد العالمية للأسواق. وعبر الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز اليوم عن ترحيبه الكبير باتفاق وقف إطلاق النار في المنطقة. وأكد المسؤول الأممي على أهمية العمل المشترك مع كافة الأطراف المعنية لضمان عبور آمن وسلس لجميع السفن التجارية. وركزت المنظمة في بيانها على ضرورة حماية سلامة البحارة وضمان استقرار خطوط الملاحة.

​تواجه المساعي الرامية لفرض الرسوم عقبات قانونية دولية تجعل من تطبيقها أمرا بالغ الصعوبة من الناحية العملية. وتنص قواعد ومقررات القانون البحري الدولي بوضوح تام على عدم جواز فرض أي رسوم عبور عامة في المضائق الدولية. ويعزز هذا الواقع القانوني الراسخ من قوة الاعتراضات الإقليمية والعالمية على الطرح الإيراني الجديد المتعلق بجباية الأموال. وتبقى حرية الملاحة محورا حساسا ومؤثرا في مجمل التوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط.

شريان الطاقة العالمي

​تكتسب هذه الأزمة أبعادها الخطيرة من الأهمية الإستراتيجية القصوى التي يتمتع بها مضيق هرمز في مجمل الاقتصاد العالمي. ويُعد هذا المسار البحري الضيق بمثابة شريان حيوي لا غنى عنه لضمان استقرار تدفقات الطاقة العالمية بشكل يومي. ويمر عبر مياهه نحو عشرين بالمائة من إجمالي إمدادات النفط العالمية المتجهة نحو الأسواق الكبرى في آسيا وأوروبا. وهذا الحجم الهائل من التدفقات النفطية يجعل استقرار الممر قضية أمن قومي لدول كثيرة.

​تترقب الأسواق العالمية بقلق بالغ مآلات هذا الصراع الدبلوماسي والاقتصادي حول كيفية إدارة حركة السفن في مضيق هرمز. وأي مقترحات فعلية تتعلق بفرض رسوم مالية أو تقييد الملاحة البحرية ستظل محل جدل واسع ومستمر بين جميع الأطراف. وتستمر المشاورات المكثفة بين الدول المطلة على الممر والمجتمع الدولي للوصول إلى صيغة تضمن استمرار تدفق التجارة بأمان. ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا الشريان الحيوي بعيدا عن التجاذبات والحسابات.