نتنياهو الخاسر الأكبر.. "الجارديان" ترصد فشله الاستراتيجي وتهميشه بتفاهمات واشنطن وطهران
في حرب لم تشهد أي رابحين، يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في طريقه ليكون الخاسر الأكبر مع دخوله في وقف إطلاق نار هش وغامض مع إيران، بحسب تحليل معمق نشرته صحيفة 'الجارديان' البريطانية.
ويرى التقرير أنه بعد سنوات من تهديدات نتنياهو ضد طهران، واستعراضاته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والملفات المشبوهة التي لوّح بها باستمرار أمام وسائل الإعلام العالمية، والضغوط الدبلوماسية على رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين للموافقة على حرب ضد إيران، انتهى الصراع الإسرائيلي إلى الفشل.
وأثبتت الوقائع صحة تقديرات مجتمع الاستخبارات الأمريكي، الذي وصف التوقعات الإسرائيلية بسقوط النظام واندلاع ثورة في إيران بأنها 'هزلية'. كما أخفق التقييم الإسرائيلي تماماً في تحديد أمد الصراع، إذ تبيّن أن المراهنة على حسم الحرب في غضون أيام أو أسابيع قليلة كانت مجرد تقديرات واهية ومجافية للواقع.
وحتى قبل يومين، وفقاً للقناة 12 الإسرائيلية، كان نتنياهو يضغط على دونالد ترامب لعدم الموافقة على وقف إطلاق النار. ولمدة يوم واحد، أصدر الرئيس الأمريكي تحذيراته من 'إبادة جماعية' لطهران ثم تراجع، وبحسب بعض الروايات، قام بتهميش إسرائيل في مداولاته."
فشل استراتيجي
وكتب زعيم المعارضة الإسرائيلية الرئيسي، يائير لابيد، عبر منصة "إكس": "لم تشهد تاريخنا بالكامل كارثة سياسية كهذه؛ فلم تكن إسرائيل قريبة حتى من الطاولة عندما اتُّخذت القرارات المتعلقة بجوهر أمننا القومي".
وأضاف: "لقد نفذ الجيش كل ما طُلب منه، وأظهر الجمهور صموداً رائعاً، لكن نتنياهو فشل سياسياً واستراتيجياً، ولم يحقق أيًا من الأهداف التي وضعها بنفسه. سيستغرق الأمر سنوات لإصلاح الضرر السياسي والاستراتيجي الذي سببه نتنياهو بسبب الغطرسة والإهمال وانعدام التخطيط الاستراتيجي".
كما وصف رئيس حزب الديمقراطيين اليساري، يائير غولان، وقف إطلاق النار بأنه "فشل استراتيجي" لنتنياهو.
وكتب غولان عبر منصة "إكس": "لقد وعد بنصر تاريخي وأمن للأجيال، ولكن في الممارسة العملية، حصلنا على واحد من أخطر الإخفاقات الاستراتيجية التي عرفتها إسرائيل على الإطلاق. إنه فشل ذريع يعرض أمن إسرائيل للخطر لسنوات قادمة".
رهانات نتنياهو الضائعة
والحقيقة هي أن نتنياهو خاطر بكل شيء في حربه؛ وفي فشله في تأمين سقوط النظام الثيوقراطي، أو الاستيلاء على مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب، أو تحقيق تدهور ملموس في قدرات الدولة، تضررت مكانة إسرائيل العالمية – المتدهورة أصلاً بشكل هائل بسبب أفعالها في غزة، حيث اتُّهمت بارتكاب إبادة جماعية.
أما على الصعيد الأمني، ورغم ادعاءات ترامب، فقد تعززت قوة الحرس الثوري الإيراني، حيث حققت طهران – على الأقل في الوقت الحالي – هدفها الأساسي المتمثل في مجرد النجاة من هجوم استمر شهراً كاملاً شنته اثنتان من أكبر القوى العسكرية في العالم. لقد خلفت الهجمات نظاماً جريحاً لكنه لا يزال متماسكاً، ويمتلك أصولاً عسكرية كبيرة، ومن المرجح أن يسعى لإعادة تسليح سريعة بحثاً عن فرص للرد.
فخ جنوب لبنان
كما يبدو إصرار نتنياهو على مواصلة الهجمات في جنوب لبنان أمراً يتسم بالغطرسة، بالنظر إلى أن نية إسرائيل المعلنة لإنشاء منطقة أمنية جديدة تضع قواتها في مواجهة مباشرة على الأرض مع مقاتلي حزب الله الذين أثبتوا تاريخياً براعتهم في القتال على أرضهم.
وفي هذا السياق، تبدو الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة والمرعبة على لبنان، والتي نُفذت دون سابق إنذار، بمثابة عمل عقابي لتهجير السكان، بعد أن أُحبطت مساعيها في إيران.
ومن المرجح أن تكون التداعيات على مستوى الرأي العام والدبلوماسية أكثر خطورة على نتنياهو وإسرائيل؛ ففي أمريكا على وجه الخصوص، ينهار بوضوح إجماع سياسي يعود تاريخه إلى ستينيات القرن الماضي.
وقد تعرض دور إسرائيل في دفع ترامب نحو الحرب في إيران لهجوم من قبل التقدميين واليمين المتطرف في حركة "ماغا" على حد سواء، بينما وصل دعم إسرائيل بشكل عام إلى مستويات منخفضة تاريخية حتى بين الناخبين اليهود.
وعود انتخابية فارغة
ثم هناك التداعيات المحلية على نتنياهو في عام الانتخابات داخل إسرائيل؛ فبدلاً من تغيير الوضع الأمني لإسرائيل، سيخرج من الحرب دون أن يحقق أيًا من أهدافه الرئيسية التي وعد بها.
بغض النظر عن نزعة نتنياهو الموثقة في الترويج لإنجازاته التي تكون مؤقتة عادة، سيتضح للإسرائيليين أنه بعيداً عن كونه قد أزال ما طالما وصفه بـ "التهديد الوجودي" لإسرائيل، فإن الظروف تظل دون تغيير إلى حد كبير.
بقاء الطموح النووي
قد يكون المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قد فارق الحياة، لكن ابنه المتشدد قد خلفه. وبدلاً من إغلاق صفحة البرنامج النووي الإيراني، يبدو أن خطة طهران المكونة من 10 نقاط –والتي قال ترامب إنها تمثل أساساً صالحاً للمفاوضات– تتضمن قبول حق إيران في تخصيب اليورانيوم، رغم نفي ترامب أن يكون ذلك جزءاً من الاتفاق.
وفي الوقت الحالي على الأقل، تشير شروط المحادثات الأمريكية الإيرانية إلى شيء أقرب إلى إطار الاتفاق النووي الدولي الذي أبرمه باراك أوباما –والذي بذل نتنياهو جهداً كبيراً لتخريبه وانسحب منه ترامب– أكثر من كونه واقعاً جديداً.
مقامرة وخطط ضحلة
وبالنسبة للبعض، مثل المراسل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، فإن الفشل كان كامناً في خطط نتنياهو الحربية.
وقال هرئيل: "ظهرت العديد من نقاط الضعف التي تتقاسمها الإدارة الأمريكية الحالية والنظام الإسرائيلي في عهد نتنياهو: الميل إلى المقامرة بناءً على أمانٍ لا أساس لها، وخطط ضحلة وغير ناضجة، وتجاهل الخبراء، أو الاستخدام العدواني للضغوط لجعلهم يماشون آراءهم مع رغبات القيادة السياسية".
ضياع الفرصة التاريخية
سيكون من الواضح للإسرائيليين أيضاً أن الصراع الذي تكشف خلال الشهر الماضي كان فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر لشن حملة بهذا الحجم بدعم أمريكي كامل. وقد تحدث مناوشات أخرى، لكن احتمالية تكرار مثل هذه الأعمال العدائية المستمرة تبدو بعيدة.
لقد تراجع ترامب عند نقطة التصعيد الأكثر خطورة، بما في ذلك مسألة نشر قوات برية، وهو أمر لا يحظى بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة بين الناخبين ويرجع ذلك جزئياً إلى التكلفة الباهظة، والضرر البالغ للاقتصاد العالمي.
انكشاف الوعود الواهية
ولن يغيب عن بال البعض أنه بعد تأمين حربه التي سعى إليها طويلاً –ورؤيتها تفشل– فمن غير المرجح أن يحصل نتنياهو على فرصة أخرى بدعم أمريكي.
وبالنظر إلى أن ذلك كان نقطة بيع سياسية مهووسة لرئيس الوزراء الإسرائيلي لسنوات، فقد يتساءل المرء: ما هي الجدوى منه الآن؟ وكتب هرئيل: "هذه هي المرة الرابعة على التوالي –في غزة، ومرة في لبنان، ومرتين في إيران– التي تنكشف فيها مفاخرته بالنصر الكامل وإزالة التهديدات الوجودية باعتبارها وعوداً فارغة".