ترامب: الإيرانيون أكثر عقلانية في المفاوضات السرية
تتجه الأنظار نحو واشنطن حيث يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يخطط لرسم خارطة طريق جديدة للشرق الأوسط من خلال اتفاق سلام شامل مع إيران.
يعتقد ترامب أن الفرصة باتت مواتية لإنهاء التوتر المستمر وتحقيق اختراق دبلوماسي يغير وجه المنطقة. تأتي هذه التحركات في ظل تعقيدات ميدانية كبيرة، لكن التفاؤل الرئاسي يطغى على المشهد السياسي العام في محاولة لنزع فتيل أزمة دامت لأسابيع طويلة.
وحسب تقرير لشبكة إن بي سي نيوز الأميركية، فإن الإدارة الحالية تعمل على مستويات متعددة لفتح قنوات اتصال كانت مغلقة لسنوات طويلة. كشف التقرير أن التصريحات العلنية للمسؤولين الإيرانيين قد تختلف جذرياً عما يدور في الغرف المغلقة من نقاشات جادة. يبدو أن هناك رغبة متبادلة في تجنب الانزلاق نحو حرب أوسع، مما دفع البيت الأبيض لتكثيف جهوده الدبلوماسية عبر مبعوثين رفيعي المستوى في المنطقة بأسرها.
وفي سياق متصل، أوضح ترامب خلال مقابلة هاتفية أن الحوار مع طهران يتسم بالعقلانية عندما يبتعد عن أضواء الإعلام الصاخبة والمؤثرة. أشار الرئيس إلى أن المفاوضين الإيرانيين يظهرون مرونة غير متوقعة في الاجتماعات الرسمية، حيث يوافقون على النقاط الجوهرية التي تهم الأمن القومي الأميركي. هذه الرؤية تعكس تغيراً في نهج التعامل مع الملف الإيراني الشائك، مما يفتح الباب أمام احتمالات سلام لم تكن واردة.
ومع ذلك، لم يخلُ حديث ترامب من نبرة التحذير الحازمة التي تعود عليها خصومه وحلفاؤه على حد سواء في كل الملفات الدولية. أكد الرئيس أن الفشل في التوصل إلى اتفاق نهائي سيعني الدخول في مرحلة من التداعيات القاسية والمؤلمة للجانب الإيراني بشكل خاص. يرى البيت الأبيض أن الضغط الاقتصادي المستمر هو المحرك الأساسي الذي دفع طهران للجلوس على طاولة المفاوضات الجادة في هذه اللحظة التاريخية.
بعثة جيه دي فانس ومهمة الوساطة في باكستان
بالتزامن مع هذه التصريحات، تستعد بعثة دبلوماسية رفيعة المستوى بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس للتوجه إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد. تهدف هذه الزيارة إلى تعزيز الوساطة الإقليمية واستخدام الثقل الباكستاني لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران بشكل فعال. تأتي هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع لإنهاء النزاع المسلح الذي اندلع قبل نحو ستة أسابيع، وأدى لخسائر فادحة للجميع.
وتعتبر باكستان طرفاً محورياً في هذه المعادلة نظراً لعلاقاتها التاريخية والجغرافية مع إيران، وقدرتها على نقل الرسائل الأميركية بدقة متناهية جداً. يأمل جيه دي فانس في الحصول على ضمانات أمنية وتعهدات واضحة تضمن وقف الأعمال العدائية بشكل دائم وشامل في المنطقة. تتطلع واشنطن إلى أن تكون هذه الزيارة هي حجر الزاوية في بناء هيكل أمني جديد يمنع تكرار مثل هذه الصراعات المستنزفة للموارد.
ويرى خبراء السياسة الخارجية أن اختيار باكستان كمحطة لهذه المحادثات العالية المستوى يعكس رغبة واشنطن في إشراك القوى الإقليمية المؤثرة. إن محاولة إنهاء النزاع المستمر منذ ستة أسابيع تتطلب جهوداً تتجاوز القنوات التقليدية المعتادة في الدبلوماسية الدولية. ومن المتوقع أن تتناول المحادثات ملفات أمنية معقدة تتعلق بالحدود والنفوذ الإقليمي، بما يضمن استدامة أي اتفاق سلام مستقبلي قد يتم التوقيع عليه بين الطرفين.
هشاشة الهدنة والضغوط على الجبهة اللبنانية
رغم الأجواء التفاؤلية المحيطة بالمسار الدبلوماسي، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يشهد توترات تهدد بانهيار التفاهمات الأولية الهشة بين الأطراف. تستمر الضربات الإسرائيلية على مناطق جنوب لبنان، مستهدفة مواقع تابعة لحزب الله الذي يعتبر الذراع العسكرية الأبرز لإيران في المنطقة. يرى المراقبون أن هذه العمليات العسكرية قد تقوض جهود التهدئة وتدفع طهران لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً في المفاوضات الجارية حالياً مع الإدارة.
وفي محاولة للسيطرة على وتيرة التصعيد، كشف مسؤولون أميركيون أن ترامب أجرى اتصالاً هاتفياً هاماً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء. طلب الرئيس من الحليف الإسرائيلي ضرورة تقليص حدة العمليات العسكرية في لبنان لإعطاء فرصة حقيقية لنجاح الجهود الدبلوماسية المرتقبة. يبدو أن واشنطن تدرك تماماً أن استمرار القصف المكثف سيعيق أي تقدم حقيقي في ملف السلام المنشود مع طهران في هذا الوقت.
من جانبه، أكد الرئيس الأميركي أن إسرائيل بدأت بالفعل في الاستجابة لمطالبه وخفض مستوى عملياتها العسكرية بشكل ملحوظ وتدريجي في الجنوب. شدد ترامب على أهمية الهدوء في هذه المرحلة الحساسة، مشيراً إلى أن التصعيد العسكري لا يخدم الأهداف الاستراتيجية الطويلة الأمد للإدارة. تعكس هذه التحركات رغبة البيت الأبيض في إدارة الأزمة بحكمة، وضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة الميدانية قبل الوصول لاتفاق نهائي.
جذور النزاع وتاريخ المفاوضات المتعثرة
تعود جذور التوتر الحالي إلى عقود من العداء المتبادل وانعدام الثقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية في ملفات شائكة.
مرت العلاقات بين الطرفين بمحطات صعبة، من العقوبات الاقتصادية المشددة إلى الصراعات بالوكالة في عدة دول عربية وإقليمية مختلفة. لطالما كان الملف النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني نقطة الخلاف المركزية التي أعاقت الوصول إلى أي تفاهمات مستقرة ومستدامة بين القوتين في الشرق الأوسط.
ومع دخول النزاع الأخير أسبوعه السادس، أصبح من الواضح أن الحلول العسكرية وحدها لن تؤدي إلى استقرار دائم وموثوق في المنطقة. يسعى ترامب إلى استخدام أسلوب الصفقة الكبرى لإنهاء كل القضايا العالقة في حزمة واحدة تضمن أمن إسرائيل والمصالح الأميركية العليا. يرى الخبراء أن هذا النهج يتطلب تنازلات من كلا الطرفين، لكنه يبقى الخيار الوحيد لتجنب حرب إقليمية شاملة قد تدمر الجميع في طريقها.
تبقى الآمال معلقة على ما ستسفر عنه الأيام القادمة من لقاءات في باكستان وما سيتبعها من خطوات عملية ملموسة. يعتقد ترامب أن كسر الجليد مع طهران ممكن جداً إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة لدى القيادة الإيرانية في هذا التوقيت. إن نجاح هذه المهمة الدبلوماسية سيمثل انتصاراً كبيراً للسياسة الخارجية، وسيعيد صياغة التحالفات في المنطقة بما يضمن الاستقرار والازدهار لجميع شعوبها.