توحيد الجيش الليبي من بوابة «سرت».. حلم السيادة يواجه اختبار الهيكلة والقيادة
تتسارع وتيرة الاستعدادات العسكرية في قلب مدينة سرت الليبية لاستضافة مناورات فلينتلوك 2026، وهو الحدث الذي يتجاوز بمدلوله التدريبات الميدانية الروتينية ليصل إلى عمق الأزمة السياسية. يترقب الليبيون والمجتمع الدولي ما ستسفر عنه هذه المناورات من نتائج ملموسة، خاصة وأنها تجمع تحت مظلتها قوات من شرق البلاد وغربها لأول مرة بهذا الزخم، مما يفتح باب الأمل واسعاً أمام ملف توحيد الجيش الليبي المتعثر.
حسب تقرير لصحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية ومتابعات إعلامية واسعة، فإن المناورة التي ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) قد تكتسب أبعاداً استراتيجية تتخطى الجانب الفني. ويرى مراقبون أن هذا الحدث العسكري يمثل منصة فريدة لتقريب وجهات النظر بين الخصوم السابقين، حيث تبدو ملامح الرغبة في التوافق واضحة في الخطاب الإعلامي المتبادل بين القيادات العسكرية التي كانت بالأمس القريب تتواجه في ميادين القتال العنيفة.
تجسد سرت اليوم مشهداً مغايراً لما كانت عليه إبان حرب العاصمة طرابلس، حيث تحول لغة الرصاص إلى لغة تدريب وتعاون مشترك برعاية دولية مكثفة. ففي المنطقة الشرقية، برزت تصريحات الفريق أول خالد حفتر ونائب قائد الجيش صدام حفتر كإشارات إيجابية قوية، حيث ركزت الكلمات على قدرة الشباب الليبي على تجاوز المحن والوحدة خلف راية الوطن، معتبرين أن هذه المناورات هي الخطوة الأولى نحو بناء مؤسسة قوية.
أكدت القيادات العسكرية في الشرق أن مشاركة عسكريين من طرابلس وكافة المدن الليبية تعكس مهنية المؤسسة العسكرية ورغبتها في كسر حاجز الانقسام الذي طال أمده. واعتبروا أن تدريب ورفع كفاءة أبناء المؤسسة في الشرق والغرب والجنوب يمثل دعماً حقيقياً لمسيرة توحيد الجيش الليبي، وهو الهدف الأسمى الذي يتطلع إليه الجميع لضمان استقرار البلاد وحماية حدودها من التهديدات الخارجية والداخلية المتزايدة في المنطقة.
رسائل التصالح ورمزية اللقاء في سرت
في المقابل، جاءت تصريحات وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا، عبد السلام زوبي، لتكمل لوحة التقارب المرسومة ببراعة في سماء مدينة سرت الساحلية. فقد وصف زوبي هذا التمرين العسكري بأنه لقاء البنادق التي طال بها الفراق، في عبارة عاطفية تعكس حجم الرغبة في طي صفحة الماضي الأليم. واعتبر أن وجود القوات معاً هو تجسيد حي لإرادة حقيقية نحو إنهاء التشظي العسكري.
تلقى الشارع الليبي والمراقبون السياسيون هذه الرسائل المتبادلة بكثير من التفاؤل الحذر، خاصة مع اختيار مدينة سرت كمركز لهذه المناورات الكبرى. تمثل سرت نقطة توازن جغرافي فريدة بين الشرق والغرب، مما يمنحها طابعاً محايداً يسمح لجميع الأطراف بالمشاركة دون الشعور بالتبعية أو الهيمنة، وهي التي شهدت سابقاً اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) التي مهدت لهذا النوع من التقارب الميداني.
تحولت سرت في الخطاب الرسمي من بؤرة كانت يوماً معقلاً لتنظيم داعش الإرهابي إلى منصة للتعاون الدولي المرموق والتدريب المتقدم. وبينما يبرز الشرق انتصار المدينة على الإرهاب، يعيد الغرب تقديمها كرمز للالتقاء والوحدة بعد سنوات عجاف من الانقسام السياسي والمؤسسي. هذا التحول الرمزي يمنح مناورات فلينتلوك 2026 زخماً إضافياً يجعلها محط أنظار القوى الإقليمية المهتمة بالملف الليبي المعقد.
تعد مناورات فلينتلوك، التي انطلقت لأول مرة عام 2005، أكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في القارة الأفريقية، وتهدف أساساً لتعزيز مهارات مكافحة الإرهاب. لكن استضافتها في ليبيا هذا العام تحمل دلالات سياسية أعمق، حيث يسعى الجانب الأميركي من خلالها إلى تعزيز الشراكات الأمنية وبناء جسور الثقة بين الفصائل المسلحة المختلفة، تمهيداً للوصول إلى صيغة توافقية شاملة تضمن استدامة السلام.
عقبات الهيكلة وتحديات القيادة الموحدة
رغم أجواء التفاؤل المحيطة بالمناورات، حذر خبراء عسكريون من الإفراط في التوقعات بشأن النتائج الفورية لهذا الحدث على أرض الواقع. وأوضح وزير الدفاع الأسبق، اللواء محمد البرغثي، أن إجراء تمارين عسكرية مشتركة لا يعني بالضرورة الوصول إلى مرحلة توحيد الجيش الليبي. فالمسألة تتطلب معالجة ملفات شائكة تتعلق بالتراتبية العسكرية والقوانين المنظمة للخدمة، فضلاً عن تحديد تبعية القوات بشكل قانوني ودستوري واضح.
أشار البرغثي إلى أن الوحدة الحقيقية تعني خضوع كافة التشكيلات لقيادة واحدة وسلسلة أوامر موحدة، وهو ما لا يزال غائباً في ظل وجود رئاسة أركان في الغرب وقيادة عامة في الشرق. ويرى أن ما يحدث في سرت حالياً هو نوع من التعاون العسكري التكتيكي الذي قد يمهد الطريق، لكنه لا يمثل نهاية المطاف في رحلة البحث عن جيش وطني موحد يضم الجميع تحت مظلة واحدة.
تظل العقبات البنيوية الموروثة منذ عقود من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية في ليبيا، بما في ذلك تباين العقيدة العسكرية بين المجموعات المختلفة. فبينما يركز البعض على النظام العسكري الكلاسيكي، تعتمد مجموعات أخرى على هياكل شبه عسكرية أو ثورية، مما يجعل عملية الدمج وإعادة الهيكلة تتطلب وقتاً وجهداً وتوافقاً سياسياً كبيراً يسبق أو يواكب التحركات الميدانية الحالية في سرت.
يشدد الباحثون على أن غياب القرار السياسي الموحد ينعكس سلباً على أي محاولة للتقارب العسكري، حيث تظل التشكيلات العسكرية مرتبطة بشكل أو بآخر بالتجاذبات السياسية. ومع ذلك، فإن نجاح مناورة فلينتلوك في جمع هؤلاء القادة تحت قيادة تدريبية واحدة يعد خطوة جبارة لكسر الجليد النفسي، وهو أمر ضروري جداً قبل الحديث عن التفاصيل الفنية المعقدة لعملية الدمج الكامل وتوزيع المهام العسكرية.
المقاربة الأميركية والترابط المالي العسكري
تأتي هذه التحركات العسكرية في سياق استراتيجي أوسع ترسمه الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة، حيث يربط البعض بين المناورات والنجاح الأخير في توحيد الموازنة العامة. يرى الباحث في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، أن هناك مقاربة متكاملة تتبناها واشنطن لإعادة التموضع داخل ليبيا، تهدف إلى دمج المسارين الأمني والمالي لضمان استقرار الدولة وحماية المصالح الاستراتيجية المشتركة في حوض المتوسط.
يعزز تزامن المناورات مع التفاهمات المالية الأخيرة فرضية وجود رغبة دولية في الدفع نحو تشكيل مركز قرار وطني موحد يتولى إدارة شؤون البلاد. إن هذا التوازي بين المسارين قد يقلص من نفوذ الأطراف الخارجية الأخرى التي تستفيد من حالة الانقسام، ويضع ليبيا على طريق الاندماج مجدداً في المنظومة الأمنية الدولية، وهو ما يخدم في النهاية هدف توحيد الجيش الليبي وتأمينه.
تشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية، مثل المجلس الأطلسي، إلى أن واشنطن تسعى من خلال دعم هذه المناورات إلى موازنة النفوذ الروسي المتصاعد في المنطقة. إن إشراك القوات الليبية من مختلف المناطق في تدريبات "فلينتلوك" يبعث برسالة مفادها أن الشراكة مع الغرب توفر آفاقاً للتطوير والاعتراف الدولي، مما قد يحفز القادة العسكريين على تقديم تنازلات متبادلة من أجل المصلحة الوطنية العليا.
تدرك القوى الدولية أن استقرار ليبيا يمر حتماً عبر بوابة المؤسسة العسكرية، ولذلك فإن التركيز على "فلينتلوك" كأداة للدبلوماسية العسكرية يبدو خياراً ذكياً في الوقت الراهن. ومع ذلك، يبقى التحدي قائماً في مدى قدرة الأطراف الليبية على استثمار هذا الدعم الدولي لتحويل "كلمة السر" في سرت إلى واقع معاش ينهي عقوداً من الصراع المسلح والفرقة التي أنهكت كاهل الدولة والمواطن.
مستقبل الاستقرار وتحويل الرمزية إلى واقع
في ظل الانقسام الحالي بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والحكومة المكلفة في بنغازي، تبدو مناورات سرت كبقعة ضوء في نفق مظلم. إن نجاح العسكريين في العمل معاً بمهنية عالية بعيداً عن صراعات السياسيين قد يشكل ضغطاً شعبياً ودولياً يدفع نحو حلحلة الجمود السياسي الشامل، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون قاطرة التغيير نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية المستقرة.
تتطلع العيون الآن إلى منتصف الشهر الجاري لمتابعة تفاصيل المناورة والنتائج الفنية والميدانية التي ستتمخض عنها، والرسائل التي سيوجهها القادة في ختام التمرين. إن استدامة هذا التقارب تتطلب ترجمة الأقوال إلى أفعال، من خلال تفعيل غرف عمليات مشتركة دائمة لمكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وهي خطوات عملية ستؤدي بالضرورة إلى تسريع وتيرة توحيد الجيش الليبي بشكل مؤسسي وقانوني رصين.
يبقى الرهان الحقيقي على إرادة الليبيين أنفسهم في استعادة سيادتهم وبناء جيشهم بعيداً عن التدخلات الأجنبية السلبية التي أججت الصراع لسنوات طويلة. إن فلينتلوك 2026 ليست مجرد تدريبات بالذخيرة الحية، بل هي اختبار حقيقي لمدى نضج القيادات العسكرية الليبية وقدرتها على تجاوز مرارات الماضي من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة التي تنشد الأمن والأمان في ربوع الوطن الواحد من أقصاه إلى أقصاه.
في ختام هذا المشهد الدرامي الذي تعيشه مدينة سرت، يظهر أن الطريق نحو الوحدة لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، لكنه لم يعد مستحيلاً كما كان في السابق. إن تلاقي البنادق اليوم تحت إشراف دولي قد يكون الشرارة التي تشعل فتيل المصالحة الوطنية الشاملة، وتعيد لليبيا هيبتها ومكانتها كدولة موحدة قوية قادرة على حماية مقدراتها وصون كرامة مواطنيها في ظل مؤسسة عسكرية وطنية وجامعة.