خبراء قانون أمريكيون: الهجمات على إيران «جرائم حرب» مكتملة الأركان.
تتصاعد حدة التوتر الدولي في أعقاب الهجمات العسكرية الواسعة التي شنتها واشنطن وتل أبيب ضد الأهداف الإيرانية، حيث تعالت صرخات التحذير من ارتكاب جرائم حرب ممنهجة تهدد بتفكيك الأسس القانونية التي قام عليها ميثاق الأمم المتحدة منذ عقود طويلة.
وقد أعرب أكثر من مائة خبير في القانون الدولي بالولايات المتحدة عن قلقهم العميق إزاء هذه التطورات، مؤكدين أن العمليات التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي تجاوزت كافة مفاهيم الدفاع الشرعي عن النفس لتتحول إلى اعتداءات صارخة تنتهك السيادة الوطنية وتضرب بعرض الحائط القواعد الآمرة التي تحمي المدنيين في النزاعات المسلحة.
حسب تقرير لموقع "جوفمان" و"Just Security"، فإن هذه العريضة القانونية ضمت نخبة من الأكاديميين والقضاة العسكريين السابقين الذين تتبعوا مسار العمليات العسكرية بدقة متناهية. وأشار الخبراء إلى أن استهداف المنشآت الحيوية يمثل تحولاً خطيراً في استراتيجية المواجهة، حيث ركزت الضربات على محطات توليد الطاقة ومنشآت تحلية المياه الحيوية، بالإضافة إلى حقول النفط الاستراتيجية مثل حقل جنوب فارس، مما يعكس رغبة في تدمير مقومات الحياة الأساسية للشعب الإيراني وتجاهلاً تاماً للمبادئ الإنسانية المتعارف عليها دولياً.
انتهاكات القانون الدولي واستهداف المؤسسات التعليمية والمدنية
لم تتوقف العمليات عند تدمير البنية التحتية الاقتصادية، بل امتدت لتشمل الأعيان المدنية المحمية بشكل خاص بموجب اتفاقيات جنيف الأربع وملحقاتها الإضافية. وقد أدان الخبراء العسكريون والقانونيون بشدة القصف الذي تعرضت له مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية، مؤكدين أن قتل الأطفال وتدمير الصروح التعليمية يمثل شواهد حية على ارتكاب جرائم حرب لا يمكن التغاضي عنها. إن الاستهتار بحياة الصغار وتحويل المدارس إلى أهداف عسكرية يعكس غياباً تاماً لقواعد الاشتباك الأخلاقية والقانونية التي تفرق بين المقاتلين وبين الأفراد المدنيين العزل.
وتشير التقارير الميدانية الواردة من الهلال الأحمر الإيراني إلى أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها هذه الموجة من الهجمات المنسقة. فقد تم توثيق استهداف ما يزيد عن سبعة وستين ألف موقع مدني، شملت مئات المدارس والمرافق الصحية التي تقدم الخدمات الضرورية للسكان. هذه البيانات تعزز المخاوف من أن تكون الاستراتيجية العسكرية المتبعة تهدف إلى إحداث صدمة ورعب في صفوف المدنيين، وهو نهج قانوني مدان يقع مباشرة تحت طائلة التوصيف القانوني الذي يشمل ارتكاب جرائم حرب موثقة بالدليل القاطع.
خطاب التصعيد وتفكيك الرقابة القانونية داخل المؤسسة العسكرية
أثار الخطاب السياسي والعسكري الصادر عن كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية موجة من الذهول لدى الأوساط الحقوقية العالمية. فقد حذر البيان من تصريحات وزير الحرب بيت هيجسيث التي تضمنت عبارات صريحة حول "عدم منح الاستسلام"، وهو ما يُصنف بوضوح على أنه دعوة لارتكاب جرائم حرب عبر إنكار حقوق الأسرى والمقاتلين الذين يلقون سلاحهم.
إن مثل هذه التوجهات لا تنهي النزاعات بل تؤسس لعهد جديد من الوحشية التي تفتقر إلى أي غطاء قانوني أو أخلاقي يحمي النظام العالمي.
وفي خطوة وصفت بالانتحار القانوني، حذر الخبراء من التغييرات الهيكلية العميقة التي طالت وزارة الحرب الأمريكية، وتحديداً البنتاجون، خلال الفترة الأخيرة. فقد تم العمل على تفكيك المؤسسات الرقابية الداخلية وإقالة المستشارين والمحامين العسكريين الذين كانت مهمتهم ضمان امتثال القوات المسلحة للقانون الدولي. هذا التوجه نحو تهميش صوت القانون داخل الغرف العسكرية المغلقة يمهد الطريق لعمليات عسكرية غير مقيدة، مما يزيد من احتمالية تورط القوات في ارتكاب جرائم حرب دون وجود رادع مؤسسي يمنع ذلك.
استراتيجية الفتك العسكري ومستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط
انتقد التقرير بشدة استراتيجية الدفاع لعام 2026، واصفاً إياها بأنها وثيقة تخلو تماماً من أي اعتبارات لحماية المدنيين أو احترام السيادة الدولية. إن إعطاء الأولوية القصوى لمبدأ الفتك العسكري على حساب الشرعية يفتح الباب أمام فظائع بشرية لا يمكن التنبؤ بمدى اتساعها. هذا النهج العسكري غير المقيد يتجاهل القواعد الإنسانية التي استغرق المجتمع الدولي عقوداً لبنائها، ويحول ساحات القتال إلى مناطق يسودها قانون الغاب، حيث تضيع حقوق الأبرياء تحت وطأة نيران الصواريخ والقنابل الذكية.
تؤكد إحصائيات منظمات المجتمع المدني مقتل أكثر من ألف وأربعمائة مدني إيراني، بينهم مئات الأطفال، في أقل من شهر واحد من العمليات العسكرية المكثفة. هذه الأعداد الكبيرة من الضحايا تعزز المطالبات الدولية بضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة حول ما جرى في تلك الفترة الدامية.
إن استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة والتهديدات المستمرة بضرب المنشآت النووية يمثل خطراً كارثياً قد يؤدي إلى تلوث بيئي ونزوح جماعي، مما يضع العالم أمام احتمال حقيقي لوقوع جرائم حرب بيئية وإنسانية كبرى.
ضرورة التحرك الدولي لإنقاذ ما تبقى من سيادة القانون
اختتم الخبراء بيانهم بدعوة ملحة للمجتمع الدولي للوقوف في وجه هذه الانتهاكات الجسيمة للقواعد الآمرة في القانون الدولي.
وشددوا على أن الصمت تجاه استهداف المنشآت الحيوية يمثل ضوءاً أخضر للاستمرار في هذا المسار التدميري الذي يقوض أمن الملايين. إن حماية النظام القانوني العالمي ليست مسؤولية دولة واحدة، بل هي التزام جماعي يهدف إلى حماية البشرية من التفكك والفوضى الشاملة التي قد تنتج عن شرعنة العنف غير المبرر ضد الدول والشعوب.
تأتي هذه التحذيرات في وقت حساس للغاية، حيث تدرس واشنطن وطهران إمكانية العودة إلى مائدة المفاوضات المباشرة بعد تعثر المحادثات السابقة في باكستان. ويسعى الوسطاء للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب قبل انتهاء الهدنة القصيرة، وسط آمال ضعيفة بأن يغلب صوت العقل والسياسة على هدير الطائرات. إن النجاح في المسار الدبلوماسي هو السبيل الوحيد لوقف نزيف الدماء وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي وصفها الخبراء بأنها تهدد بتحويل النزاع إلى سلسلة من الفظائع المستمرة.