وزير الحرب الأمريكي يمزج بين سينما هوليوود والنصوص المقدسة في البنتاجون
شهدت أروقة وزارة الدفاع الأمريكية حادثة غير مسبوقة أثارت موجة من الجدل السياسي والديني، حيث قام وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث باستحضار ثقافة السينما داخل محراب الصلاة. فخلال ترؤسه لاجتماع صلاة شهري، لجأ الوزير إلى اقتباس فقرة شهيرة من فيلم بالب فيكشن الذي أُنتج عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين. اعتبر الوزير هذا النص جزءاً من الكتاب المقدس لتبرير السياسات العسكرية الحالية.
حسب تقرير لصحيفة لوس أنجليس تايمز الأمريكية، فإن وزير الحرب الأمريكي سعى من خلال هذا الاقتباس السينمائي إلى إيجاد غطاء أخلاقي للحرب على إيران. واعتبر هيجسيث أن العمليات العسكرية تمثل تنفيذاً للعدالة الإلهية على الأرض. المفارقة تكمن في أن هذا التبرير هو ذاته الذي قدمه الممثل صامويل جاكسون في الفيلم الشهير. كان جاكسون يردد هذه الكلمات ببراعة قبل أن يطلق النار على شخص أعزل.
أخبر هيجسيث الحاضرين في الصلاة التي عُقدت يوم الأربعاء داخل مبنى البنتاجون أنه استقى هذه العبارة من مصدر عسكري رفيع. وأوضح أنه تعلمها من كبير مخططي مهمة فريق ساندي واحد، وهو الفريق الذي نفذ مؤخراً عملية لإنقاذ أفراد من سلاح الجو الأمريكي، كانت طائرات هؤلاء الجنود قد سقطت في الأراضي الإيرانية، مما جعل للمهمة رمزية خاصة لدى القيادة العسكرية في واشنطن.
أكد هيجسيث في حديثه أن هذه الآية المزعومة تحظى بانتشار واسع بين فرق البحث والإنقاذ القتالي في الجيش. وأشار إلى أن المقاتلين يطلقون على هذا الدعاء اسم سي إس إيه آر خمسة عشر. كان يعتقد بوضوح أن هذا الرمز يشير إلى الآية السابعة عشرة من السفر الخامس والعشرين من سفر حزقيال. هذا الخلط بين التقاليد العسكرية والنصوص الدينية أثار دهشة المراقبين.
تلا وزير الحرب الأمريكي العبارة بلهجة حازمة قائلاً إنه سينتقم منهم انتقاماً عظيماً وبغضب شديد. وجه كلامه لمن يحاولون أسر أو تدمير رفاقه في السلاح. وأضاف في صلاته أن المعتدين سيعرفون أن اسمه الرمزي هو ساندي واحد حين ينزل انتقامه عليهم، حيث بدا النص كأنه مزيج غريب بين التهديد العسكري المباشر وبين اللغة الوعظية التقليدية التي تُستخدم عادة في سياقات التعبد.
أشارت التقارير الصحفية إلى أن مخرج الفيلم كوينتين تارانتينو لم يبتكر هذا الحوار بالكامل من مخيلته. بل اقتبس معظم الكلمات من افتتاحية فيلم ياباني للفنون القتالية أُنتج في منتصف السبعينيات تحت اسم الحارس الشخصي. كان الفيلم من بطولة نجم الأكشن الشهير سوني شيبا، ما يكشف عن رحلة النص من السينما الآسيوية إلى هوليوود، وصولاً إلى خطاب وزير الحرب الأمريكي.
خلال الصلاة التي لم تتجاوز مدتها دقيقة واحدة، لوحظ أن هيجسيث التزم بنص الكتاب المقدس في معظم حديثه. لكنه خرج عن النص الأصلي بشكل لافت في السطرين الأخيرين اللذين حملا الطابع السينمائي والعسكري.
هذا التداخل جعل من الصعب على الحاضرين التمييز بين ما هو ديني وما هو مستوحى من ثقافة البوب. تسبب ذلك في ارتباك داخل الأوساط الثقافية والدينية.
سجال إعلامي ودفاع رسمي عن شرعية الدعاء القتالي في واشنطن
دافع المتحدث الرسمي باسم البنتاجون، شون بارنيل، بقوة عن الوزير في وجه الانتقادات الإعلامية المتزايدة. واتهم بارنيل بعض الوسائل الإخبارية بمحاولة تشويه صورة الوزير عبر الادعاء بأنه خلط بين أداء تمثيلي ونص مقدس. وصف المتحدث تلك الروايات بأنها أخبار كاذبة تهدف إلى النيل من هيبة القيادة العسكرية الأمريكية. كان بارنيل حريصاً على تقديم تفسير مختلف تماماً للواقعة.
ذكر بارنيل عبر منصة إكس أن وزير الحرب الأمريكي شارك دعاءً خاصاً ومقدساً لدى المقاتلين الشجعان. وأوضح أن هذا الدعاء استُخدم فعلياً من قبل القوات التي قادت مهمة إنقاذ الجندي من إيران.
وأقر المتحدث بأن الدعاء مستوحى بوضوح من حوار فيلم بالب فيكشن، لكنه جادل بأن جوهر الكلام يعكس روح الآيات الدينية. اعتبر أن الهجوم على الوزير نابع من جهل بالواقع العسكري.
من جهة أخرى، دخل روجر أفاري، كاتب سيناريو الفيلم الحائز على الأوسكار، على خط المواجهة والجدل. علق أفاري عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤكداً أنه لا يمانع اقتباس الوزير لشخصية جولز في الفيلم. وأضاف بنبرة تحمل مزيجاً من السخرية والواقعية أن المهم هو حماية الجنود من الرصاص. بدا أن كاتب السيناريو يتقبل فكرة تحول خياله السينمائي إلى جزء من العقيدة القتالية الميدانية.
أكدت صحيفة لوس أنجليس تايمز أن هيجسيث اعتاد استغلال جلسات الصلاة لتعزيز خطاب القوة والعنف تجاه إيران، في خطبة ألقاها الشهر الماضي، طلب من الله بشكل صريح أن يمنح القوات الأمريكية أهدافاً واضحة وعادلة لممارسة العنف. هذا النوع من الخطاب الديني المتشدد أثار قلق المحللين الدفاعيين الذين يرون فيه انحرافاً عن الدور المهني التقليدي لوزارة الدفاع في التعامل مع الأزمات الدولية.
كشف محلل دفاعي رفيع المستوى أن حضور هذه الصلوات في البنتاجون ليس إلزامياً من الناحية القانونية. ومع ذلك، يشعر الموظفون المقربون من مكتب وزير الحرب الأمريكي بضغط ضمني لحضور هذه الفعاليات. يهدف هذا الضغط إلى ملء المقاعد وإظهار الدعم الكامل لتوجهات الوزير. يرى البعض أن هذه الممارسات تخلق بيئة عمل مشحونة بالاعتبارات السياسية والدينية بدلاً من التركيز على الكفاءة المهنية.
أوضح مصدر مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته، أن هذا التركيز على الطقوس الدينية يؤثر سلباً على العمل العسكري. وقال إن القادة والمديرين يغيبون عن اجتماعات بالب فيكشن بالغة الأهمية للاستماع إلى اقتباسات من أفلام السينما. يرى المصدر أن هذا السلوك يؤدي إلى تأخير قدرة الوزارة على اتخاذ قرارات عملياتية حاسمة تتعلق بالحروب الجارية. تسببت هذه الحالة في حالة من التململ الصامت.
صدام الإرادات بين إدارة ترمب والفاتيكان حول أخلاقيات الحرب
جاءت هذه الواقعة في توقيت حساس يشهد خلافاً مستمراً وعميقاً بين إدارة الرئيس ترمب وبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر. انتقد البابا بشدة في الأسابيع الأخيرة الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران، معتبراً إياها تدميراً للاستقرار الإقليمي. لم تكن تصريحات الفاتيكان مجرد نصائح روحية، بل مثلت ضغطاً سياسياً دولياً أحرج الإدارة الأمريكية في المحافل العالمية. واجهت واشنطن هذا الضغط بخطاب ديني مضاد.
رد الرئيس دونالد ترمب بسلسلة من التصريحات الهجومية والانتقامية ضد موقف البابا والكرسي الرسولي. صرح ترمب بوضوح أنه لا يرغب في وجود بابا ينتقد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها الدفاعية. هذا الصدام العلني يعكس انقساماً كبيراً حول دور الدين في السياسة الخارجية. يرى ترمب أن الكنيسة يجب ألا تتدخل في القرارات السيادية المتعلقة بالأمن القومي وحماية المصالح الحيوية.
أصدر البابا ليو الرابع عشر بياناً شديد اللهجة أدان فيه القادة العسكريين الذين يخلطون بين الحرب والدين. وقال البابا إن هناك من يستغلون اسم الله لتحقيق مكاسب عسكرية واقتصادية وسياسية ضيقة. واعتبر أن هذا السلوك يمثل تدنيساً للمقدسات واعتداءً على الجوهر الروحي للأديان. كان البيان بمثابة رد مباشر على الممارسات التي يقوم بها وزير الحرب الأمريكي ومسؤولو الإدارة في واشنطن.
استمر التوتر في التصاعد مع إصرار وزير الحرب الأمريكي على دمج الرموز السينمائية في الخطاب الديني العسكري. يرى مؤيدو الوزير أن هذه اللغة ترفع الروح المعنوية للجنود وتمنحهم شعوراً بالعدالة في مهامهم الصعبة. بينما يرى المعارضون أن تحويل هوليوود إلى مصدر للتشريع الديني يضعف من مصداقية الدولة. تظل الحادثة نقطة تحول في كيفية إدارة النقاش حول الحرب والدين في العصر الحديث.
في نهاية المطاف، تعكس هذه القصة تداخلاً غريباً بين الواقع والخيال في قلب مؤسسة الحكم الأمريكية. يجد القادة أنفسهم يستلهمون من شخصيات خيالية لمواجهة تحديات جيوسياسية حقيقية ومعقدة. يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا النهج سيستمر في تشكيل ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل. تظل أصداء كلمات جولز في فيلم بالب فيكشن تتردد في قاعات البنتاجون كرمز لهذا التحول الثقافي.