< التنين يرقص على حد السيف.. الصين تدير الحرب الإيرانية من وراء الستار الباكستاني
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

التنين يرقص على حد السيف.. الصين تدير الحرب الإيرانية من وراء الستار الباكستاني

الرئيسان الصيني والأمريكي
الرئيسان الصيني والأمريكي

​تتصدر الصين المشهد الدولي في لحظة بالغة الحساسية، حيث تتشابك خيوط العلاقات المعقدة بين بكين وواشنطن مع تصاعد حدة الصراع الأميركي الإيراني. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استعدادات مكثفة للقمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ، والتي من المتوقع أن تعيد رسم ملامح التنافس التجاري والتكنولوجي والعسكري بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، مما يمنح أي تحرك صيني أبعاداً استراتيجية تتجاوز الحدود الإقليمية للأزمة الحالية.

​حسب تقرير لـ إندبندنت عربية، تتباين الرؤى داخل الدوائر السياسية الأميركية حول حدود التأثير الذي يمكن أن تمارسه بكين على صانع القرار في طهران. فبينما يرى فريق أن دورها حيوي ومحوري، يعتقد آخرون أنه لا يخرج عن النمط التقليدي الحذر الذي تتبعه بكين تاريخياً، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة النفوذ الصيني، والأسس التي تستند إليها بكين في إدارة علاقاتها مع أطراف النزاع المتصادمين.

دبلوماسية حذرة فوق رمال متحركة

​في وقت برزت فيه الدبلوماسية الباكستانية كمحرك رئيس للوساطة بين واشنطن وطهران، اختارت بكين مساراً يتسم بالحذر الشديد والتدخل غير المباشر عبر تكثيف الاتصالات الدبلوماسية. وقد ظهر ذلك جلياً عقب تعثر الجولة الأولى من المحادثات، حيث سعت بكين للحفاظ على زخم وقف إطلاق النار الهش، معلنة دعمها لإيران في مواجهة الضغوط، لكنها في الوقت ذاته طالبت بضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.

​وينبع القلق الصيني من استمرار غلق هذا الممر الملاحي من حسابات اقتصادية دقيقة، حيث تعتمد بكين على الخليج العربي في تأمين ثلث احتياجاتها من النفط الخام. كما أن أي ارتفاع في تكاليف الطاقة سيؤدي حتماً إلى تراجع الطلب العالمي على الصادرات الصينية، وهو ما يضع الاقتصاد الصيني أمام تحديات وجودية تدفع مسؤوليها للتحرك الدبلوماسي لتجنب سيناريو الانهيار الاقتصادي الناتج عن اتساع رقعة المواجهات العسكرية.

​وقد دان الرئيس الصيني شي جينبينغ بوضوح أي انتهاك للقانون الدولي، واصفاً إياه بالعودة إلى قانون الغاب، في إشارة ضمنية لسياسات الإدارة الأميركية الحالية. وقدمت بكين بالتعاون مع إسلام آباد خطة من خمس نقاط تهدف لإنهاء الأزمة، تشمل وقفاً فورياً للعمليات العسكرية وحماية الأهداف المدنية وضمان أمن السفن في مضيق هرمز، مع التأكيد على ضرورة العودة لطاولة المفاوضات واحترام ميثاق الأمم المتحدة كأساس للحل الدائم.

​وعلى الرغم من وضوح بنود الخطة الصينية، إلا أنها تظل في إطار الدعوات المبدئية التي تتجنب الانخراط الفعلي في تعقيدات الأزمة أو تقديم ضمانات أمنية ملموسة. ويعكس هذا السلوك رغبة بكين في عدم التورط المفرط في صراع قد يستنزف مواردها، حيث تجاهلت المطالب الإيرانية بتوفير غطاء أمني مباشر، كما لم تمارس ضغوطاً حقيقية على طهران لتقديم تنازلات جوهرية ترضي المطالب الأميركية، مفضلة البقاء في منطقة رمادية آمنة.

مخاوف واشنطن من الدعم المستتر

​تراقب الدوائر الاستخباراتية في واشنطن التحركات الصينية بقدر كبير من الشك والريبة، خاصة في ظل تقارير تشير إلى إمكانية وجود تعاون عسكري سري بين بكين وطهران. وأفادت تقارير إعلامية لصحيفة "نيويورك تايمز" وشبكة "سي أن أن" بأن هناك مؤشرات على إرسال شحنات من الصواريخ الصينية المحمولة على الكتف إلى إيران، مما يعزز من قدرة القوات الإيرانية على مواجهة التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي في المنطقة.

​ويرى المتشككون في الدور الذي تلعبه الصين أن مجرد مناقشة إرسال أسلحة متطورة يعكس الموقف الحقيقي لبكين كخصم استراتيجي يسعى لرفع كلفة الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. وتتجه الاتهامات نحو سماح السلطات الصينية لشركات محلية بتصدير مواد كيماوية ومكونات تقنية تحت ستار الاستخدام المزدوج، وهي مواد يمكن تحويلها بسهولة للاستخدام العسكري، مما يوفر شريان حياة للصناعات العسكرية الإيرانية في ظل العقوبات الدولية المفروضة.

​وقد اكتسبت هذه المخاوف زخماً إضافياً بعد نجاح الإيرانيين في إسقاط طائرتين مقاتلتين أميركيتين باستخدام صواريخ يعتقد أنها من طراز "مانباد" الصيني الصنع. ورغم النفي الرسمي الصادر عن السفارة الصينية في واشنطن، إلا أن القلق الأميركي يتزايد من تشكل محور صيني روسي يهدف لتوريط الجيش الأميركي في حرب استنزاف طويلة الأمد، مما يضعف الهيمنة العالمية للولايات المتحدة ويمنح خصومها فرصة لإعادة ترتيب النظام الدولي.

​وتشير التقارير الاستخباراتية أيضاً إلى دور روسي مكمل، حيث يُعتقد أن موسكو زودت الحرس الثوري الإيراني بمعلومات استخباراتية فضائية دقيقة لاستهداف المنشآت والسفن الأميركية. هذا التعاون الثلاثي غير الرسمي يمثل تحدياً أمنياً جسيماً لواشنطن، حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية لموسكو وبكين في رغبتهما المشتركة لإضعاف النفوذ الأميركي، واستغلال الأزمة الإيرانية كأداة للضغط في ملفات دولية أخرى أكثر أهمية بالنسبة لهما مثل ملف أوكرانيا أو تايوان.

شراكة استراتيجية وتحديات الملاحة

​تعد العلاقة الاقتصادية بين بكين وطهران ركيزة أساسية في صمود النظام الإيراني، حيث تستحوذ المشتريات الصينية على نحو تسعين في المئة من صادرات النفط الإيرانية. وتوفر هذه التجارة عشرات المليارات من الدولارات سنوياً لموازنة طهران، مما يمكنها من مواصلة أنشطتها العسكرية وتخفيف آثار الحصار الاقتصادي، وهو ما دفع بعض الهيئات التابعة للكونغرس الأميركي لتصنيف هذه العلاقة ضمن ما وصفته بمحور الاستبداد غير الرسمي.

​وتلعب المؤسسات المالية والشركات الصينية دوراً محورياً في مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الدولية عبر شبكات معقدة من شركات الوساطة والواجهات التجارية. ويتجاوز التعاون مجرد بيع النفط بأسعار تفضيلية ليشمل نقل التكنولوجيا الحساسة وتوفير المكونات اللازمة لبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلاً عن تسهيل عمليات غسل الأموال التي تضمن استمرار تدفق السلع والتقنيات الضرورية لاستمرار المجهود العسكري الإيراني في ظل الضغوط الدولية.

​وقد توجت هذه العلاقة بتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة في عام ألفين وواحد وعشرين، تمتد لخمسة وعشرين عاماً وتغطي مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا. وتسمح هذه الاتفاقية للصين بتوسيع نفوذها في منطقة حيوية، بينما تمنح إيران منصة دولية عبر منظمات بديلة مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، مما يعزز من قدرة الطرفين على تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.

​وتشير بعض التقارير إلى أن الصين سمحت لسفن إيرانية بتحميل مواد كيميائية تدخل في صناعة وقود الصواريخ الصلب من موانئها، وهو ما يعد تصعيداً في نوعية الدعم المقدم. ومع ذلك، تبقى بكين حريصة على عدم تحويل هذا الدعم إلى التزام عسكري صريح، مفضلة استخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق أهدافها، مع الحفاظ على شعرة معاوية مع واشنطن لتجنب الصدام المباشر الذي قد يدمر مصالحها التجارية الواسعة.

حدود القوة وحسابات القمة المرتقبة

​على الرغم من تنامي القدرات العسكرية الصينية، إلا أن بكين تدرك جيداً محدودية قوتها في فرض إرادتها بعيداً عن حدودها الجغرافية المباشرة. ويفتقر الجيش الصيني لشبكة القواعد الخارجية التي تمتلكها الولايات المتحدة، حيث يقتصر وجوده البحري في المنطقة على مهام مكافحة القرصنة في خليج عدن، مما يجعل من الصعب على الصين تقديم ضمانات أمنية فعلية لحلفائها في الشرق الأوسط في حال اندلاع حرب شاملة.

​وتمثل القمة المرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ قيداً إضافياً على التحركات الصينية، حيث تسعى بكين لإعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن وتجنب أي تصعيد عسكري قد يفسد أجواء اللقاء. وتجد القيادة الصينية نفسها أمام أولويات متضاربة، فهي بحاجة لتأمين احتياجاتها من الطاقة وحماية علاقاتها مع طهران، ولكن دون خسارة علاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج العربي التي تعتبرها بكين شركاء اقتصاديين أكثر أهمية واستقراراً.

​وتتمسك بكين بنهج عدم التدخل كغطاء سياسي يجنبها الانجرار إلى نزاعات مكلفة قد تقوض قوتها الصاعدة، حيث لا تمتلك الصين سوى حليف واحد بموجب معاهدة دفاعية وهي كوريا الشمالية. ويخشى حكام بكين أن يؤدي الالتزام بالدفاع عن دولة مثل إيران إلى استنزاف موارد الدولة في حروب عبثية، مفضلين مراقبة التراجع الأميركي المفترض في المنطقة دون تحمل تبعات ملء الفراغ الأمني الذي قد يتركه الانسحاب الأميركي.

​وترى الباحثة في معهد بروكينغز باتريشيا كيم أن القادة الصينيين ينظرون للتدخلات الأميركية في الشرق الأوسط كنموذج للفشل الاستراتيجي الذي يجب تجنبه. بينما يؤكد الأكاديمي ديجانغ لونغ أن الصين لم تكن يوماً تهدف لمساعدة واشنطن أو إسرائيل، بل ترى في انشغال الولايات المتحدة في المنطقة فرصة لتقليل الضغط عنها في المحيط الهادئ، وإن كانت الأضرار الاقتصادية الناجمة عن أزمة الطاقة تفوق في حساباتها أي مكاسب جيوسياسية مؤقتة.

رؤية بكين لنهاية القطبية الواحدة

​تفضل بكين البقاء في مقعد المراقب الحذر، حيث ترفض تحمل أي مسؤولية عن فشل محادثات السلام وتتجنب اتخاذ مواقف قد تتطلب منها استهلاك رأسمالها السياسي. وعندما أثنت طهران على الدور الصيني في التوصل لهدنة، التزمت بكين الصمت، مما يعكس تخوفها من انهيار الاتفاق ورغبتها في عدم الارتباط بنتائج غير مضمونة، مكتفية بتشجيع الأطراف على الحوار من بعيد ودون ممارسة ضغوط حقيقية.

​ويفسر هذا السلوك طبيعة الخطاب العلني الصيني الذي اتسم بالحياد طوال فترة النزاع، حرصاً على المصالح الحيوية مع الدول العربية في الخليج. وبحسب الباحثة هنرييتا ليفين، فإن العلاقات التكنولوجية والاقتصادية مع دول الخليج تفوق في أهميتها الاستراتيجية أي علاقة مع إيران، مما يدفع الصين للموازنة الدقيقة بين دعم شريكتها السياسية في طهران وبين الحفاظ على تدفقات الاستثمار والطاقة من جيرانها العرب.

​وتتبع بكين في إدارتها للأزمة نمطاً مألوفاً يقوم على الدبلوماسية المكوكية التي يقودها المبعوث الخاص تشاي جون، والاتصالات الهاتفية لوزير الخارجية وانغ يي. ومع ذلك، يظل هذا النشاط ضمن إطار "الحضور بلا تأثير حاسم"، حيث تفتقر بكين للرغبة في فرض حلول قسرية على الأطراف المتحاربة، مفضلة إصدار بيانات متزنة في مجلس الأمن تدعو لاحترام السيادة ومعارضة استخدام القوة دون تقديم بدائل عملية للأزمة.

​وفي نهاية المطاف، تترقب الصين مفاوضات إسلام آباد بلهفة، ليس حباً في السلام فحسب، بل رغبة في استعادة الاستقرار الضروري لنموها الاقتصادي. وتستخدم بكين الصراع كأداة دعائية لإثبات فشل النظام العالمي أحادي القطب، مروجة لرؤيتها حول التعددية القطبية كبديل أكثر استقراراً، حيث ترى في التخبط الأميركي دليلاً على تراجع الهيمنة الغربية وبداية عصر دولي جديد تكون فيه بكين لاعباً رئيساً يحدد قواعد اللعبة وفق شروطه الخاصة.