< من المختبرات إلى الصواريخ: الرحلة الغامضة لليورانيوم الإيراني نحو مستوى التسليح العسكري
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

من المختبرات إلى الصواريخ: الرحلة الغامضة لليورانيوم الإيراني نحو مستوى التسليح العسكري

اليورانيوم الإيراني
اليورانيوم الإيراني

​تتجه أنظار العالم اليوم بصورة مكثفة نحو ما يجري في دهاليز المنشآت النووية الواقعة تحت الأرض في طهران حيث تتسارع وتيرة العمل الفني بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث. يمثل ملف اليورانيوم الإيراني جوهر الصراع القائم بين القوى الكبرى والجمهورية الإسلامية في ظل تحذيرات متزايدة من وصول مستويات التخصيب إلى درجات حرجة قد تفتح الباب على مصراعيه أمام امتلاك السلاح النووي الذي سيغير خارطة التوازنات الإقليمية للأبد.

​خفايا التحصينات في منشآت التخصيب

​حسب تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية فإن مفتشيها لاحظوا تطوراً مذهلاً في قدرة أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي تم تركيبها مؤخراً في منشأة فوردو المحصنة بعمق في قلب الجبال. هذه الأجهزة من طراز "آي آر ستة" تعمل بكفاءة مضاعفة لإنتاج مخزونات كبيرة من الوقود المخصب بنسبة تصل إلى ستين بالمئة وهي النسبة التي تصفها الأوساط العلمية والسياسية بأنها خطوة قصيرة جداً نحو الوصول للمستوى العسكري.

​تؤكد التقارير الميدانية أن عمليات التخصيب لم تعد مجرد تجارب مخبرية محدودة بل تحولت إلى إنتاج صناعي مكثف يثير قلق العواصم الغربية التي ترى في هذا التقدم تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين. إن إصرار طهران على مواصلة هذا المسار رغم الضغوط الاقتصادية الهائلة يشير إلى قرار استراتيجي بتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها القوى الكبرى في الاتفاقات السابقة التي باتت اليوم حبراً على ورق لا قيمة له.

​إن الرقابة الدولية التي كانت تشكل صمام أمان للبرنامج النووي تعاني اليوم من قيود شديدة فرضتها السلطات المحلية مما يجعل التأكد من سلمية النشاط النووي مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة. تسعى القوى الدولية بكل ثقلها لضمان بقاء اليورانيوم الإيراني تحت الإشراف المباشر والمستمر لمنع أي محاولة للتحريف العسكري السري الذي قد يحدث في غفلة من المراقبين الدوليين الذين يطالبون بصلاحيات تفتيش أوسع وأكثر شمولاً.

​تعتبر منشأة نطنز القلب النابض لعمليات الإنتاج الواسعة حيث تضم آلاف أجهزة الطرد المركزي التي تعمل ليل نهار لزيادة المخزون من المواد الانشطارية التي يمكن استخدامها في أغراض متعددة. الخبراء التقنيون يشيرون إلى أن التكنولوجيا المستخدمة حالياً تجاوزت بكثير ما كان متاحاً قبل سنوات مما يعكس تطوراً محلياً كبيراً في العلوم النووية والهندسة الدقيقة التي مكنت طهران من تجاوز الكثير من العقبات التقنية التي واجهتها سابقاً.

​تآكل الاتفاقات وصراع الإرادات الدولية

​شهدت السنوات الماضية انهياراً تدريجياً للاتفاق النووي الموقع في عام ألفين وخمسة عشر بعد انسحاب الولايات المتحدة منه مما دفع طهران إلى التخلي عن التزاماتها الأساسية والعودة للتخصيب العالي. هذا الانهيار الدبلوماسي أدى إلى دخول المنطقة في نفق مظلم من التوترات التي قد تنفجر في أي لحظة نتيجة سوء التقدير أو التصعيد المتبادل بين الأطراف التي تبحث عن مكاسب سياسية وأمنية في ملف شائك.

​تحاول القوى الأوروبية جاهدة الحفاظ على خيط رفيع من التواصل مع القيادة الإيرانية لإقناعها بالعودة إلى طاولة المفاوضات الجادة لكن المطالب المتضاربة والشروط المسبقة تعيق أي تقدم حقيقي في هذا المسار. يعتقد الكثير من المحللين أن الوقت لم يعد في صالح الحلول السلمية التقليدية لأن الحقائق التقنية على الأرض تتغير بسرعة تفوق قدرة الدبلوماسيين على صياغة مسودات اتفاقيات جديدة تواكب التطورات الراهنة والواقع النووي المتغير.

​تتزايد التساؤلات في الأروقة السياسية المغلقة حول مصير اليورانيوم الإيراني في حال فشل جميع الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية شاملة تضمن عدم تحول البرنامج إلى المسار العسكري الذي تخشاه واشنطن وتل أبيب. الخيارات المطروحة حالياً تتراوح بين تشديد العقوبات الاقتصادية إلى أقصى مدى ممكن أو اللجوء إلى خيارات أخرى أكثر صرامة قد تشمل عمليات تخريبية سيبرانية أو حتى ضربات عسكرية مباشرة للمنشآت الحيوية التي تضم المواد النووية المخصبة.

​تعتمد طهران استراتيجية حافة الهاوية من خلال رفع سقف مطالبها في كل جولة مفاوضات مستغلة تقدمها التقني كأداة ضغط قوية لتحقيق مكاسب اقتصادية ورفع العقوبات المفروضة على قطاعاتها الحيوية مثل النفط والمصارف. هذه اللعبة السياسية المعقدة تضع العالم أمام اختبار صعب لكيفية التعامل مع قوة إقليمية تمتلك القدرة والخبرة اللازمة للوصول إلى العتبة النووية في وقت قصير جداً إذا ما قررت القيادة السياسية ذلك فعلياً.

​المسافة التقنية نحو العتبة النووية

​من الناحية العلمية فإن الوصول إلى تخصيب بنسبة تسعين بالمئة يتطلب جهداً تقنياً أقل بكثير من الجهد المبذول للوصول من النسب المنخفضة إلى نسبة ستين بالمئة التي تم تحقيقها بالفعل بنجاح. هذا الواقع التقني يعني أن تحويل اليورانيوم الإيراني إلى وقود حربي يمكن أن يتم في غضون أسابيع قليلة وهو ما يسمى في الأوساط الاستخباراتية بمدة الاختراق النووي التي تقلصت بشكل مرعب خلال الأشهر الأخيرة الماضية بفضل التطور التكنولوجي.

​يشير المتخصصون في الفيزياء النووية إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تخصيب المادة الخام بل في كيفية تصميم رأس حربي يمكن تحميله على صواريخ باليستية بعيدة المدى لتنفيذ ضربات دقيقة. التقارير تشير إلى أن طهران تعمل بالتوازي على تطوير برامج صاروخية متقدمة قادرة على حمل رؤوس ثقيلة مما يزيد من حدة المخاوف الدولية بشأن النوايا النهائية لهذا البرنامج المتكامل الذي يجمع بين القدرة النووية والقدرة على الإيصال.

​تراقب الأجهزة الاستخباراتية العالمية أي تحركات مشبوهة قد تشير إلى تجارب فيزيائية تتعلق بالتفجير النووي أو نمذجة الكمبيوتر للأسلحة الذرية وهي خطوات ضرورية تسبق إنتاج القنبلة الفعلية وتتطلب سرية تامة ومهارات علمية فائقة. إن الفجوة المعرفية التي ردمتها الكوادر العلمية المحلية جعلت من الصعب الرهان على تعثر البرنامج نتيجة نقص الخبرات الخارجية بل أصبح البرنامج النووي اليوم مشروعاً وطنياً يحظى بدعم هائل وموارد مالية وبشرية غير محدودة.

​يثير هذا الوضع سباق تسلح محموم في منطقة الشرق الأوسط حيث قد تجد دول أخرى نفسها مضطرة للسعي وراء قدرات نووية مماثلة لتحقيق توازن الرعب وضمان أمنها القومي في مواجهة الطموحات الإيرانية المتزايدة. إن انتشار التكنولوجيا النووية بهذا الشكل يهدد نظام منع الانتشار العالمي الذي تأسس لعقود طويلة مما قد يؤدي إلى فوضى نووية لا يمكن السيطرة عليها وتجعل العالم مكاناً أكثر خطورة وأقل استقراراً في المستقبل القريب.

​مستقبل الرقابة في ظل التوترات المتزايدة

​يبقى الحل الوحيد لتجنب المواجهة العسكرية هو العودة إلى نظام مراقبة دولي صارم وشفاف يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول الكامل إلى جميع المواقع والأنشطة المرتبطة بالبرنامج النووي دون أي قيود أو شروط. يتطلب ذلك إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف وتنازلات متبادلة تضمن حق الدول في الطاقة النووية السلمية مقابل ضمانات أمنية صارمة تمنع الانحراف نحو التسلح الذي يهدد الوجود البشري برمته في مناطق النزاع الملتهبة.

​أكد رافائيل غروسي مدير الوكالة الدولية في تصريحاته الأخيرة أن الحوار ما زال ممكناً رغم الصعوبات الجمة لكنه شدد على ضرورة مراقبة مستويات اليورانيوم الإيراني بشكل دقيق لمنع حدوث أي مفاجآت تقنية غير محسوبة. إن الجهود المبذولة حالياً تركز على إعادة تثبيت الكاميرات وأجهزة الاستشعار التي تم نزعها في وقت سابق لإعادة بناء الثقة المهزوزة وتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول حجم المخزونات الفعلية من المواد النووية الحساسة التي تمتلكها طهران.

​في نهاية المطاف تظل القصة النووية في طهران فصلاً مفتوحاً على كل الاحتمالات حيث تتصارع لغة الدبلوماسية مع قرع طبول الحرب وسط سباق تكنولوجي لا يتوقف أبداً عن التطور والتعقيد المستمر في كل يوم. العالم يترقب بحذر ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج سواء في غرف المفاوضات المغلقة أو في أعماق المفاعلات النووية التي تحمل في طياتها مفاتيح السلم أو دمار المنطقة بأكملها في صراع لا خاسر فيه ولا رابح.

​تتواصل الجهود الدولية لضمان عدم وصول البرنامج إلى نقطة العودة التي تجعل من المواجهة العسكرية أمراً حتمياً لا مفر منه لحماية الأمن العالمي من خطر انتشار الأسلحة النووية في منطقة تعاني أصلاً من نزاعات مستمرة. إن المسؤولية التاريخية تقع الآن على عاتق القادة السياسيين لاتخاذ قرارات حكيمة تغلب لغة العقل على لغة القوة وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون السلمي الذي يعود بالنفع على الجميع ويجنب البشرية كوارث الحروب النووية المدمرة التي لا تبقي ولا تذر.