من باماكو إلى الحدود الشمالية.. ليلة سقوط تيساليت وانسحاب القوات الروسية من عمق مالي
شهدت الأقاليم الشمالية في جمهورية مالي تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى العسكرية عقب سقوط معسكر تيساليت الاستراتيجي، حيث تمكن المقاتلون الطوارق المنضوون تحت لواء جبهة تحرير أزواد، بالتعاون مع فصائل مسلحة، من إحكام قبضتهم على هذا الموقع الحيوي بعد سلسلة من الهجمات المكثفة التي استهدفت تمركزات الجيش المالي وحلفائه الروس، مما يفتح فصلاً جديداً من الصراع المحتدم على السيادة والنفوذ في منطقة الساحل الإفريقي المضطربة سياسياً وأمنياً.
وحسب تقرير لوكالة فرانس برس، فقد أكدت مصادر محلية وأمنية متقاطعة أن القوات النظامية المالية ومجموعات "فاغنر" الروسية اضطرت لإخلاء مواقعها الدفاعية في وقت مبكر من صباح الجمعة، تاركةً وراءها معسكراً كان يُعد حصناً منيعاً في عمق الصحراء الكبرى، حيث جاء هذا الانسحاب المفاجئ لتفادي مواجهة مباشرة مع الحشود العسكرية التي بدأت تطوق المدينة من عدة محاور استراتيجية بهدف تضييق الخناق على الحامية العسكرية المتواجدة هناك.
وتفيد المعلومات الواردة من الميدان بأن عملية السيطرة على تيساليت لم تشهد اشتباكات دموية واسعة النطاق، بل غلبت عليها التكتيكات العسكرية الضاغطة التي دفعت القوات المدافعة إلى اتخاذ قرار التراجع والانسحاب السريع، وصرح مسؤول في الجماعات المتمردة بأن الوحدات العسكرية استسلمت في نهاية المطاف أمام الإصرار الميداني للمقاتلين، مما مكنهم من الاستيلاء على العتاد والمعدات العسكرية الضخمة التي كانت مخزنة داخل القاعدة التي تكتسب أهمية لوجستية فائقة.
سقوط الحصون وتغير الخارطة الميدانية في مالي
تعتبر تيساليت نقطة ارتكاز أساسية للتحكم في الطرق التجارية والعسكرية الرابطة بين شمال البلاد والحدود الدولية، وسقوطها يمثل ضربة قاسية لطموحات المجلس العسكري في بسط سيطرته الكاملة، حيث كانت القوات الروسية والمالية تعول على هذا المعسكر ليكون منطلقاً لعملياتها الهجومية ضد معاقل الانفصاليين، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن باماكو التي وجدت نفسها مضطرة للتراجع أمام هجمات منسقة استنزفت قدراتها الدفاعية والقتالية بشكل ملحوظ.
إن مشهد إخلاء المعسكر قبل وصول فصائل الطوارق يعكس حالة من التخبط الأمني داخل صفوف القوات المتحالفة مع السلطة المركزية، حيث يرى مراقبون أن غياب المواجهة المباشرة في تيساليت يشير إلى قناعة ميدانية باستحالة الصمود أمام الموجات البشرية والآليات القتالية للمتمردين، وهو ما منح جبهة تحرير أزواد نصراً استراتيجياً يعزز موقفها التفاوضي والميداني في المطالبة بالاستقلال الذاتي للإقليم الشمالي الذي يطمحون لتحويله إلى دولة مستقلة.
وفي سياق متصل، لم يقتصر الانتصار الميداني على تيساليت فحسب، بل امتدت العمليات لتشمل مدينة كيدال التاريخية التي سقطت هي الأخرى في أيدي المسلحين، مما وضع الدولة في مالي أمام مأزق وجودي يهدد وحدة أراضيها، حيث أصبحت المدن الكبرى في الشمال خارج نطاق السيطرة الفعلية للحكومة، مما يعيد الأوضاع إلى المربع الأول من النزاع الذي بدأ منذ أكثر من عقد ولم يجد طريقه للحل النهائي.
تحالف الضرورة بين الانفصاليين والجماعات الجهادية
يمثل هذا التطور الميداني ثمرة تحالف غير مسبوق بين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة وبين "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية، حيث وضع الطرفان خلافاتهما الأيديولوجية جانباً للتركيز على عدو مشترك يتمثل في المجلس العسكري الحاكم في مالي الذي استولى على السلطة منذ عام 2020، ويسعى هذا التحالف الهجين إلى تقويض سلطة باماكو المركزية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي الذي يدعم النظام في قمع الحركات التحررية والجهادية.
وعلى الرغم من التباين الجذري في الأهداف النهائية لكل فصيل، إلا أن المصالح التقت في ضرورة إضعاف القبضة الأمنية للمجلس العسكري وداعميه الروس، فبينما يسعى الطوارق لإقامة دولتهم القومية، تهدف الجماعات المرتبطة بالقاعدة إلى تحويل المنطقة إلى إمارة إسلامية خاضعة لمنظورها الخاص، ومع ذلك أثبت هذا التنسيق الميداني فعالية كبيرة في تنفيذ هجمات واسعة النطاق استهدفت مراكز حيوية ومواقع استراتيجية على أطراف العاصمة باماكو وفي عمق الشمال.
وأعلنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في بياناتها الأخيرة مسؤوليتها عن سلسلة من العمليات النوعية التي نُفذت بالتعاون الوثيق مع متمردي الطوارق، مشيرة إلى أن هذا التعاون يعكس وحدة المصير ضد ما وصفته بـ "الاحتلال الروسي والجيش المالي"، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات معقدة في كيفية التعامل مع تحالف يجمع بين مطالب سياسية مشروعة وبين توجهات توصف دولياً بالإرهاب، مما يعقد فرص الوصول إلى تسوية سياسية.
التداعيات السياسية والعسكرية لمقتل وزير الدفاع
تلقى النظام العسكري في مالي صدمة كبرى تزامناً مع هذه التطورات، حيث تواترت الأنباء عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا خلال العمليات العسكرية الأخيرة، وهو الرجل الذي كان يُعتبر مهندس التقارب مع القوات الروسية والعقل المدبر للعمليات الأمنية الكبرى ضد المتمردين، ويعد رحيله في هذا التوقيت الحساس زلزالاً سياسياً قد يؤدي إلى تصدع في بنية السلطة العسكرية الحاكمة التي تعاني أصلاً من ضغوط دولية وعقوبات اقتصادية قاسية.
واعتبرت الجماعات المسلحة أن تصفية وزير الدفاع تمثل ذروة نجاحاتها العسكرية وتتويجاً لما وصفته بالعمل الدؤوب والمشاركة الفاعلة بين الفصائل المختلفة، حيث تسارعت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" لإعلان انتصارها ونسب الفضل لمقاتليها ولإخوتهم في جبهة تحرير أزواد، مما يعزز من الروح المعنوية للمقاتلين في الميدان ويجعل القوات النظامية في حالة من الإحباط وفقدان القيادة والسيطرة بعد خسارة أبرز رموزها العسكرية والسياسية في المعارك.
إن غياب كامارا عن المشهد سيعيد بلا شك ترتيب الأوراق داخل المجلس العسكري، وربما يدفع بوجوه جديدة قد تكون أكثر تشدداً أو أكثر رغبة في التفاوض، إلا أن الواقع الميداني الحالي في مالي يشير إلى أن الكلمة العليا أصبحت للميدان، حيث يسعى المتمردون لاستغلال حالة الفراغ القيادي لتوسيع رقعة سيطرتهم والوصول إلى مناطق لم تكن تخطر على بال السلطة المركزية في باماكو قبل عدة أشهر من الآن.
مستقبل الصراع في ظل انسحاب القوات الدولية
تأتي هذه السيطرة الكاملة على تيساليت وكيدال في وقت حساس للغاية، حيث تعاني مالي من فراغ أمني كبير بعد انسحاب القوات الدولية وبعثات حفظ السلام، مما فسح المجال أمام الطوارق والجماعات الجهادية لملء هذا الفراغ بفاعلية وقوة، ويشير الخبراء إلى أن استقلال إقليم أزواد أصبح الآن أقرب من أي وقت مضى من الناحية الواقعية، بالنظر إلى العجز الواضح للجيش المالي عن استعادة زمام المبادرة الهجومية في الشمال.
ومع تأسيس "جبهة تحرير أزواد" في عام 2024، اتخذت الحركة الانفصالية طابعاً أكثر تنظيماً وقدرة على إدارة العمليات العسكرية والسياسية، مستندة إلى إرث طويل من الثورات والانتفاضات التي خاضها الطوارق ضد التهميش، واليوم مع سيطرتهم على مواقع استراتيجية كتيساليت، فإنهم يضعون المجتمع الدولي ودول الجوار أمام واقع جديد يتطلب التعامل مع قوى صاعدة قادرة على فرض إرادتها بقوة السلاح في منطقة الساحل الإفريقي المشتعلة.
ختاماً، يبقى الوضع في مالي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فإما أن يتمكن المجلس العسكري من إعادة لملمة صفوفه وشن هجوم مضاد بدعم مكثف من الحلفاء الروس، أو أن يستمر الانهيار العسكري لصالح تحالف الطوارق والمسلحين، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تقسيم البلاد فعلياً ورسم حدود جديدة في قلب الصحراء، بعيداً عن السلطة المركزية التي فقدت الكثير من هيبتها وقدرتها على فرض القانون في الأقاليم الشمالية.