بأمر محكمة الجنايات السورية.. تجريد بشار الأسد من حقوقه المدنية ومصادرة أملاكه
عقدت محكمة الجنايات السورية اليوم الأحد الجلسة الثانية للمحاكمة العلنية التي تستهدف رموز نظام بشار الأسد وسط ترقب شعبي ودولي واسع لهذه الخطوة التاريخية في مسار القضاء الوطني السوري الذي يسعى لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة خلال العقد الماضي حيث بدأت الجلسة في أجواء مشحونة بالتطلعات لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا الذين انتظروا طويلا هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ البلاد.
وحسب تقرير للوكالة العربية السورية للأنباء سانا فقد قررت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تجريد أبرز الرموز التي كانت تدير مفاصل الدولة من كامل حقوقهم المدنية والسياسية مع إصدار قرار قانوني بوضع كافة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة السورية بشكل مباشر وفوري لضمان عدم التصرف بها أو تهريبها خارج البلاد قبل صدور الأحكام النهائية في القضايا المرفوعة ضدهم.
وشملت قائمة الأشخاص الذين طالهم هذا القرار القضائي الصارم كل من بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد بالإضافة إلى فهد الفريج ومحمد عيوش ولؤي العلي وقصي ميهوب ووفيق ناصر وطلال العسيمي حيث تم اتخاذ هذه الإجراءات القانونية استكمالا لما بدأت به المحكمة في جلسة أبريل الماضي التي وضعت الإطار القانوني لملاحقة هؤلاء المسؤولين الفارين من وجه العدالة والذين رفضوا المثول أمام القضاء السوري.
وأوضحت المحكمة أن الحكم الصادر بحق هؤلاء المسؤولين جاء غيابيا بعد أن جرى تبليغهم رسميا بضرورة الحضور إلى جلسة المحكمة والمثول أمام الهيئة القضائية للرد على التهم الخطيرة الموجهة إليهم والمتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان واستغلال السلطة لقمع المدنيين حيث تضمن البلاغ تفاصيل دقيقة عن زمان ومكان الانعقاد إلا أن المتهمين فضلوا التغيب عن الجلسات مما استوجب اتخاذ الإجراءات القانونية البديلة.
قرارات قضائية حاسمة بتجريد المتهمين من حقوقهم
وفي سياق متصل انطلقت اليوم الأحد الجلسة الثانية من محاكمة المتهم عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق حيث يمثل هذا المتهم وجها لوجه أمام القضاء كأول مسؤول أمني رفيع يتم تقديمه للمحاكمة حضوريا بعد إلقاء القبض عليه في وقت سابق من العام الماضي لتبدأ مرحلة جديدة من كشف الحقائق والملفات السرية التي ارتبطت بفترة خدمته في محافظة درعا.
وانصبت جلسة المحاكمة اليوم بشكل أساسي على استجواب المتهم عاطف نجيب ومواجهته بالأدلة والوثائق التي جمعتها النيابة العامة خلال الأشهر الماضية حيث تضمنت الجلسة تلاوة مطولة لمطالعة النيابة التي فندت التهم المنسوبة إليه بدقة متناهية مع عرض شهادات ووثائق تثبيت تورطه في إصدار أوامر مباشرة تسببت في أذى جسيم للمواطنين السوريين الذين شاركوا في الاحتجاجات السلمية في بداية الأزمة السورية.
ورغم أن الجلسة بدأت ببث مباشر من داخل قاعة المحكمة لإطلاع الرأي العام على مجريات توجيه لائحة الاتهامات إلا أن القاضي فخر الدين العريان قرر لاحقا وقف البث المباشر وطلب خروج كافة وسائل الإعلام باستثناء الفريق الإعلامي التابع لوزارة العدل المكلف بتسجيل وقائع الجلسة للتوثيق القانوني مع الإشارة إلى أن التسجيلات ستتاح للجمهور لاحقا بعد مراجعتها وحذف البيانات السرية.
وبرر القاضي هذا القرار بالحاجة الماسة لحماية هوية الشهود والمواد السرية التي قد تؤثر على سير العدالة أو تعرض حياة بعض الأشخاص للخطر خاصة مع وجود شهادات حساسة تتعلق بجرائم تعذيب وقتل ممنهج حيث تسعى المحكمة لضمان توازن دقيق بين علنية المحاكمة وحماية الخصوصية والأمن للمشاركين في هذه العملية القضائية المعقدة التي تهدف لتثبيت الحقائق التاريخية والقانونية.
تفاصيل استجواب عاطف نجيب وجرائم فرع الأمن السياسي
واستمرت الجلسة المغلقة التي عقدتها المحكمة لنحو ساعة كاملة جرى خلالها الاستماع بتمعن إلى شهادات المدعين والشهود الذين قدموا تفاصيل مروعة عما جرى داخل مراكز الاحتجاز التابعة للأمن السياسي في درعا كما تم استجواب المتهم عاطف نجيب حول مسؤوليته المباشرة عن تلك الأفعال حيث حاول المتهم الدفاع عن نفسه أمام سيل من الاتهامات التي وثقتها الهيئات الحقوقية والشهود العيان.
ووجه القاضي لائحة اتهام ثقيلة تضمنت أكثر من عشر تهم رئيسية ضد عاطف نجيب مشددا في الوقت نفسه على أن هذه التهم لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن لأنها تتعلق بانتهاكات جسيمة للحقوق الأساسية ومن أبرز هذه التهم قمع الاحتجاجات السلمية في محافظة درعا والتسبب في تعرض مئات المعتقلين لعمليات تعذيب وحشية وممنهجة أدت إلى عاهات مستديمة وحالات وفاة.
وتضمنت لائحة الاتهامات تفاصيل صادمة حول تعرض قاصرين لعمليات تعذيب جسدي قاسية شملت قلع الأظافر والصعق الكهربائي في مناطق حساسة من أجسادهم بالإضافة إلى تهديد ذويهم بالاعتقال والقتل في حال المطالبة بهم حيث أكدت المحكمة أن المتهم عاطف نجيب كان يشرف بشكل شخصي ومباشر على هذه العمليات بصفته المسؤول الأول عن فرع الأمن السياسي في درعا خلال تلك الفترة.
كما تمت مواجهة المتهم بمسؤوليته الكاملة عن مجزرة الجامع العمري واقتحام الاعتصام السلمي داخل أروقته واستخدام القوة المفرطة ضد المصلين والمعتصمين العزل مما أدى لسقوط عشرات القتلى والجرحى حيث اعتبر القاضي أن هذه الأفعال تندرج ضمن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تلتزم بها الدولة السورية في تعاملها مع الأزمات والنزاعات الداخلية.
مسار العدالة الانتقالية وحضور المنظمات الدولية
وشدد القاضي خلال الجلسة على أن الأفعال المنسوبة إلى عاطف نجيب وبقية المتهمين الفارين وعلى رأسهم بشار الأسد جاءت ضمن إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي استهدف المدنيين بشكل مباشر مما يعطي هذه المحاكمة صبغة دولية من حيث طبيعة الجرائم المرتكبة حيث تسعى الدولة السورية من خلال هذه المحاكمات إلى تطهير مؤسساتها من إرث القمع وبناء نظام قضائي مستقل يحمي حقوق الإنسان.
وحضر الجلسة عدد كبير من ذوي الضحايا الذين رفعوا صور أبنائهم المفقودين والقتلى بالإضافة إلى حضور مميز لأعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية جاؤوا لمراقبة سير المحاكمات والتأكد من مطابقتها للمعايير العالمية حيث يمثل وقوف عاطف نجيب خلف القضبان رسالة قوية لكل من تورط في سفك دماء السوريين بأن يد العدالة ستطالهم في النهاية.
وأشارت التقارير إلى أن نحو ثمانين شخصا من أبناء محافظة درعا قدموا ادعاءاتهم الشخصية للمحكمة وحضروا خصيصا للإدلاء بشهاداتهم وكشف المستور عما تعرضوا له من تنكيل وظلم حيث أكد القاضي وجود شهود سريين سيتم الاستماع إليهم في جلسات مغلقة لضمان سلامتهم مؤكدا أن الجلسة تظل علنية بحضور ممثلي الادعاء والنيابة العامة لكشف جرائم نظام بشار الأسد أمام العالم.
الجدير بالذكر أن إلقاء القبض على العميد الركن عاطف نجيب تم في يناير من عام ألفين وخمسة وعشرين خلال حملة أمنية دقيقة استهدفت ملاحقة فلول النظام السابق في محافظة اللاذقية لتكون هذه المحاكمة التي انطلقت في أبريل الماضي حجر الزاوية في بناء سوريا الجديدة التي تقوم على مبادئ العدالة والمحاسبة والسيادة للقانون فوق الجميع مهما كانت رتبهم أو مناصبهم السابقة.