< بين «مشروع الحرية» الأمريكي و«نموذج إيران»: من يفرض سيادته على الممرات المائية؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

بين «مشروع الحرية» الأمريكي و«نموذج إيران»: من يفرض سيادته على الممرات المائية؟

الحرب الأمريكية الإيرانية
الحرب الأمريكية الإيرانية

​أكدت الحكومة في إيران أن حزمة المطالب التي تقدمت بها لإنهاء النزاع المسلح وإعادة فتح الممر الملاحي الحيوي في مضيق هرمز تعد حقوقا قانونية أصيلة وليست مجرد تنازلات سياسية تهدف لاسترضاء الخصوم في المنطقة أو المجتمع الدولي بشكل عام

​وحسب تقرير مفصل لوكالة الأنباء الفرنسية فإن الأزمة الدبلوماسية الراهنة تعمقت بشكل ملحوظ عقب الرفض الصريح والمفاجئ الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه الرد الإيراني الرسمي الذي جرى تسليمه عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة مؤخرا

​وقد أوضحت المصادر أن الموقف الأمريكي المتشدد جاء بعد أيام قليلة من طرح واشنطن لعرض يهدف لاستئناف المسار السياسي المتعثر إلا أن الفجوة بين الطرفين اتسعت لتشمل ملفات شائكة تتجاوز البرنامج النووي وتصل إلى الحصار البحري والتعويضات المالية الضخمة

​وترى القيادة في طهران أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يستند بالضرورة إلى وقف شامل للعمليات العسكرية ورفع الحصار المفروض على الموانئ مع الإفراج الفوري عن كافة الأصول المالية المجمدة في البنوك العالمية والتي تمثل عصب الاقتصاد الوطني للبلاد

​وفي المقابل تصر الإدارة الأمريكية وحليفتها تل أبيب على ضرورة الحصول على تعهدات تقنية مسبقة تتعلق بمصير اليورانيوم عالي التخصيب ومستقبل المنشآت النووية الحساسة قبل الحديث عن أي رفع للعقوبات الاقتصادية أو وقف دائم لإطلاق النار في الجبهات المختلفة

تصلب المواقف الإيرانية تجاه المطالب الأمريكية

​صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية في الجمهورية الإسلامية إسماعيل بقائي خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي بأن بلاده لم تطلب أي تنازلات استثنائية من الأطراف الدولية بل تمسكت فقط بما تسميه الحقوق المشروعة التي كفلتها المواثيق والقوانين الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول

​وشدد المسؤول الإيراني أمام حشد من الصحفيين على أن المقترح الذي قدمته بلاده يتسم بالمسؤولية العالية والسخاء السياسي الواضح متهما في الوقت ذاته الولايات المتحدة الأمريكية بالإصرار على تبني رؤى أحادية الجانب ومطالب تفتقر إلى المنطق والواقعية السياسية

​وتتضمن قائمة المطالب التي تتمسك بها القيادة في طهران ضرورة إنهاء الحرب الدائرة في المنطقة ووقف ما وصفته بالقرصنة البحرية التي تمارس ضد السفن التجارية الإيرانية في إشارة واضحة للحصار البحري الذي تفرضه القوات الأمريكية في المياه الإقليمية والدولية

​وأشار بقائي إلى أن استعادة الأصول المالية العائدة للشعب والتي لا تزال محتجزة في المصارف الأجنبية منذ سنوات طويلة تعد أولوية قصوى لا يمكن التنازل عنها تحت أي ظرف من الظروف كونها أموالا وطنية تم تجميدها دون مسوغ قانوني سليم

​وتساءل المتحدث الرسمي بنبرة استنكارية حول ما إذا كان السعي لإرساء السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط بما يشمل الساحة اللبنانية المشتعلة يعد مطلبا مبالغا فيه أو يتجاوز حدود المعقول في ظل الأزمات الإنسانية المتفاقمة التي تشهدها المنطقة

ردود الفعل العنيفة من البيت الأبيض تجاه طهران

​أعربت الإدارة الأمريكية عن رفضها القاطع للورقة الإيرانية فور تسلمها حيث لجأ الرئيس دونالد ترمب إلى منصته الاجتماعية الخاصة للتعبير عن غضبه واصفا الرد بأنه غير مقبول على الإطلاق ولا يلبي الحد الأدنى من التطلعات الأمريكية لتحقيق الأمن المستدام

​واتهم ترمب القيادة في طهران بممارسة أساليب المماطلة والتلاعب بالمجتمع الدولي طوال عقود مضت مؤكدا أن بلاده لن تسمح باستمرار هذا النهج الذي تسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة للقوات الأمريكية وللمدنيين الأبرياء في مختلف بقاع الأرض

​وحذر الرئيس الأمريكي من أن واشنطن قد تضطر لسلوك مسار عسكري أو سياسي مختلف تماما إذا لم يتم التوصل لاتفاق شامل ونهائي يضمن تفكيك القدرات المهددة للاستقرار في إشارة إلى احتمالية تفعيل مشاريع أمنية بحرية واسعة النطاق

​وألمح ترمب في مقابلات إعلامية لاحقة إلى إمكانية استئناف مشروع الحرية لكسر ما وصفه بالقبضة البحرية الإيرانية ومرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بقوة السلاح لضمان تدفق إمدادات الطاقة العالمية دون أي عوائق أو تهديدات أمنية مباشرة

​ويرى مراقبون أن نبرة الرئيس الأمريكي تعكس رغبة في تحقيق نصر دبلوماسي أو عسكري سريع ينهي حالة الاستنزاف التي تعاني منها المنطقة مع التأكيد على أن زمن المحادثات العقيمة قد انتهى وأن النتائج الملموسة هي المقياس الوحيد للنجاح

تفاصيل المقترح الإيراني المكون من ثلاث مراحل

​كشفت تقارير صحفية مقربة من دوائر صنع القرار في البرلمان الإيراني عن وجود خطة عمل مفصلة تتألف من ثلاث مراحل أساسية تهدف إلى بناء الثقة المتبادلة بين الأطراف المتنازعة وتوفير مخرج آمن من الأزمة الراهنة التي تهدد الاستقرار العالمي

​وتتضمن المرحلة الأولى من هذا المقترح اتخاذ إجراءات فورية تشمل إعلان الوقف الكامل للعمليات العدائية وإلغاء الحصار البحري بشكل متزامن مع الإفراج عن جزء كبير من الأصول المالية المجمدة ومنح إعفاءات لتصدير النفط الخام إلى الأسواق العالمية

​أما المرحلة الثانية فتركز على وضع جدول زمني دقيق للإجراءات المتبادلة حيث يتم تقديم تنازلات تقنية في الملف النووي مقابل خطوات ملموسة في رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاعات الصناعة والتجارة والمصارف الإيرانية بشكل تدريجي ومدروس

​وتختتم الخطة بالمرحلة الثالثة التي تهدف إلى توفير ضمانات دولية قانونية للاتفاق عبر استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي وتشكيل لجنة مراقبة رفيعة المستوى لضمان عدم انسحاب أي طرف من التزاماته كما حدث في تجارب سابقة مريرة

​وتصر الورقة الإيرانية على أن مدة النقاش حول هذه التفاصيل يجب ألا تتجاوز ثلاثين يوما لضمان الجدية وعدم إطالة أمد النزاع بينما تفضل واشنطن تمديد الهدنة لفترات أطول لضمان التحقق من تنفيذ الشروط التقنية المعقدة في المنشآت

أزمة الملاحة الدولية في مضيق هرمز وحرب الناقلات

​شهدت المنطقة البحرية المحيطة بمضيق هرمز تصعيدا عسكريا لافتا تزامن مع الجمود السياسي حيث رصدت الأقمار الاصطناعية بقعا نفطية مريبة قرب جزيرة خرج الاستراتيجية مما أثار مخاوف دولية واسعة بشأن وقوع أضرار بيئية جسيمة نتيجة العمليات العسكرية المتقطعة

​ونفت السلطات الرسمية في طهران وجود أي تسرب نفطي ناتج عن خلل فني أو هجوم مباشر معتبرة أن هذه الادعاءات هي محض افتراءات إعلامية تهدف لتشويه صورتها وتحميل الوجود العسكري الأمريكي مسؤولية التدهور البيئي الحاصل في مياه الخليج

​وفي سياق متصل أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن اعتراض وتوجيه عشرات السفن التجارية المرتبطة بـ إيران لضمان الامتثال الصارم لإجراءات الحصار المفروضة حاليا ونشرت صورا لتدريبات قتالية مكثفة نفذتها قوات مشاة البحرية على أسطح السفن الحربية

​وتزامن هذا التصعيد مع وقوع هجمات بطائرات مسيرة استهدفت سفن شحن ومواقع حيوية في دول خليجية مثل قطر والكويت والإمارات مما أدى إلى رفع حالة التأهب الأمني في الممرات المائية الدولية وتوقف بعض أجهزة تتبع السفن لتجنب الاستهداف

​وتقود قوى أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا جهودا دبلوماسية وعسكرية لتشكيل مهمة بحرية دفاعية تهدف لمرافقة الناقلات وتأمين حركة التجارة العالمية عبر المضيق إلا أن طهران حذرت من أن أي تدخل أجنبي سيزيد الوضع تعقيدا وسيواجه برد حاسم

الموقف الإسرائيلي والتهديدات بالخيار العسكري النووي

​أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن العمل العسكري لم ينته بعد وأن بلاده مصممة على إزالة التهديد النووي الإيراني بشكل كامل وتفكيك مواقع التخصيب الحساسة التي تمثل خطرا وجوديا على أمن واستقرار المنطقة برمتها

​وأوضح نتنياهو في مقابلات صحفية أن الدبلوماسية تظل الخيار المفضل لإخراج اليورانيوم المخصب من المنشآت ولكن القوة العسكرية تظل مطروحة على الطاولة إذا فشلت الجهود السياسية في تحقيق الأهداف المطلوبة التي تضمن عدم امتلاك طهران لسلاح نووي

​وعلى الجانب الآخر قلل مسؤولون في الحرس الثوري من أهمية التهديدات الإسرائيلية والأمريكية مؤكدين أن القدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية التي تمتلكها البلاد تجعل من القنابل الذرية مجرد أدوات غير فعالة أمام الإرادة الوطنية والتحالفات الإقليمية

​وأشار النائب أبو الفضل ظهره وند إلى أن السيطرة على الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب تمنح بلاده قوة استراتيجية تفوق بكثير تأثير مائة قنبلة نووية مما يجعل من خيارات الضغط العسكري الغربي عديمة الجدوى

​وتشدد القيادة الإيرانية على أنها لن تنحني أمام الضغوط الخارجية وأن الحوار لا يعني أبدا الاستسلام للمطالب غير القانونية بل هو وسيلة لإثبات الحقوق التاريخية والسياسية للشعب في ظل نظام عالمي يفتقر للعدالة والمساواة

الدور الروسي والصيني في خضم التصعيد الدبلوماسي

​دخلت القوى الكبرى على خط الأزمة حيث عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استلام مخزون اليورانيوم المخصب من طهران في خطوة تهدف لتخفيف حدة التوتر النووي وإيجاد صيغة توافقية ترضي الأطراف الدولية وتمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة

​وتعتمد طهران بشكل كبير على النفوذ الاقتصادي والسياسي للصين باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني الخاضع للعقوبات وتراهن واشنطن في الوقت ذاته على قدرة بكين في ممارسة ضغوط فعالة لدفع القيادة الإيرانية نحو تقديم تنازلات جوهرية في الملفات العالقة

​وأوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن الشركاء في الصين يدركون جيدا تداعيات التصرفات الأمريكية الأحادية على أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي مشيرا إلى وجود تنسيق مستمر لحماية المصالح المشتركة في مواجهة سياسات الترهيب والابتزاز

​ومن المتوقع أن يتصدر ملف النزاع الإيراني جدول الأعمال في اللقاءات القمة القادمة بين القادة الأمريكيين والصينيين حيث تسعى كافة الأطراف لتجنب انهيار وقف إطلاق النار الهش ومنع تحول الصراع الإقليمي إلى مواجهة دولية واسعة النطاق

​وفي ظل هذه التجاذبات يظل المشهد في منطقة الشرق الأوسط مفتوحا على كافة الاحتمالات سواء بالتوصل إلى اتفاق مرحلي ينهي الحصار ويضمن الملاحة أو بالانزلاق نحو جولة جديدة من المواجهات العسكرية التي قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة