تمييز رقمي بين المواطنين.. تزايد الغضب داخل إيران ضد نظام الإنترنت بلس
تشهد الساحة الإيرانية تصاعداً حاداً في الجدل السياسي والشعبي بعدما دخلت خدمة الإنترنت بلس دائرة الضوء كأحدث الإجراءات الحكومية المثيرة للجدل، حيث تسببت هذه الخدمة في انقسام حاد داخل مؤسسات صنع القرار وبين فئات المجتمع المختلفة التي تعاني أصلاً من وطأة القيود الرقمية المشددة المفروضة منذ اندلاع المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي دفع برئيس السلطة القضائية إلى التدخل والمطالبة بتوضيحات رسمية صارمة تنهي حالة الغموض المحيطة بهذا الملف الساخن.
وحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» فإن رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إجئي وجه انتقادات علنية حادة للوضع الراهن عبر منصة إكس، معتبراً أن التساؤلات الواسعة المثارة حول خدمة الإنترنت بلس تتطلب ردوداً شفافة وحاسمة من الجهات المعنية بالملف الرقمي، ومؤكداً في الوقت ذاته أن القضاء لن يتوانى عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة إذا ثبت وجود أي مخالفات أو تجاوزات شابت هذا الملف الذي بات يمس تفاصيل الحياة اليومية للإيرانيين.
ويرى إجئي أن التصرفات المتهورة في إدارة الفضاء الإلكتروني تحولت إلى عبء مالي ومعيشي إضافي يثقل كاهل المواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية البالغة التعقيد التي تمر بها البلاد والتي جعلت من الصعب تحمل أي أزمات جديدة، لاسيما أن الجدل الدائر حول خدمة الإنترنت بلس يأتي في وقت حساس يتطلب تكاتف جميع مؤسسات الدولة لتخفيف المعاناة عن السكان وتجنب اتخاذ قرارات تزيد من حالة الاحتقان الداخلي.
رئيس السلطة القضائية يطالب بالشفافية حول الإنترنت بلس
وتزامن هذا التحرك القضائي مع قرار أصدره الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتعيين نائبه الأول محمد رضا عارف رئيساً للمقر الخاص لتنظيم وقيادة الفضاء الإلكتروني، وهو كيان مستحدث تسعى الرئاسة من خلاله إلى توحيد مرجعيات إدارة الشبكة العنكبوتية وإنهاء حالة تعدد الأصوات وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات الأمنية والمدنية، وتوجيه السياسات الرقمية بما يتوافق مع مقتضيات المرحلة الأمنية الحساسة التي تعيشها إيران بسبب استمرار التوترات الإقليمية.
ويتولى هذا المقر الجديد مهمة التنسيق والإشراف الكامل على البنية التحتية للاتصالات، وهي خطوة تختلف بنيوياً عن صلاحيات المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني الذي يمثل أعلى سلطة تشريعية رقمية ويضم في عضويته قادة الحرس الثوري ورؤساء السلطات الثلاث، وجاءت هذه الهيكلة الجديدة في محاولة للسيطرة على الأزمة المتفاقمة عقب فرض قيود واسعة النطاق أدت إلى عزل ملايين الإيرانيين عن الشبكة العالمية بصفة شبه كاملة منذ أواخر فبراير الماضي.
وكانت منظمة نيتبلوكس المعنية بمراقبة أمن شبكات الإنترنت حول العالم قد وثقت هذا الانقطاع الطويل، مشيرة في تقاريرها التقنية إلى أن الحجب المستمر في إيران يعد أحد أطول وأشمل حالات قطع الإنترنت المسجلة على مستوى دولي كامل في الأعوام الأخيرة، حيث لم يتبق للمواطنين سوى الوصول إلى المواقع الحكومية المحلية والخدمات المصرفية الأساسية وبعض التطبيقات المعتمدة رسمياً من الدولة والتي لا تلبي الاحتياجات المهنية والأكاديمية العادية.
أبعاد نظام الإنترنت الطبقي الجديد وتأثيراته المجتمعية
وفي المقابل خرج مسؤولو الحكومة للدفاع عن توجهاتهم الرسمية حيث أكد مهدي طباطبائي مسؤول العلاقات العامة في مكتب الرئيس أن الإنترنت الدولي سيعود بالتأكيد إلى العمل، موضحاً أن السلطات التنفيذية لا تنوي جعل هذه الإجراءات الاستثنائية دائمة بأي حال من الأحوال، ومشيراً إلى أن الوضع الحربي الراهن يفرض اعتبارات فنية وعسكرية وأمنية معقدة تجعل الحديث عن إعادة فتح الشبكة العالمية بشكل كامل أمراً غير قابل للتصور حالياً.
ودافع طباطبائي عن إطلاق خدمة الإنترنت بلس التي وصفها بالإنترنت الاحترافي، معتبراً أن الهدف الأساسي منها هو إنقاذ قطاع الأعمال والشركات الاقتصادية الكبرى التي تعتمد أنشطتها الحيوية وتجارتها الخارجية على الاتصال بالشبكة الدولية، ومبيناً أن الإجراء يسعى لمنع حدوث شلل كامل في القطاعات الحيوية والخدمات الضرورية خلال فترة القيود الأمنية المشددة، لضمان استمرار الدورة الاقتصادية في البلاد رغم ظروف الحرب الحالية.
لكن هذه المبررات الحكومية لم تنجح في تهدئة الغضب الشعبي المتصاعد بين الناشطين والمستخدمين، الذين رأوا في هذه الخطوات الرسمية محاولة لشرعنة ما يسمى بالإنترنت الطبقي القائم على منح الامتيازات والوصول الانتقائي، واعتبر منتقدو التوجه الجديد أن الحكومة تسعى لتكريس نظام يمنح حقوقاً رقمية متفاوتة بناء على معايير غير واضحة، مما يساهم في تعميق الفجوة الرقمية والاجتماعية بين أفراد المجتمع الإيراني في هذا التوقيت الحرج.
قصص وتجارب المواطنين مع الاشتراكات الرقمية المدفوعة
ونقل التقرير قصة أمير حسن وهو مهندس اتصالات يبلغ من العمر تسعة وثلاثين عاماً واضطر للاشتراك في هذه الخدمة، حيث أوضح أنه دفع حوالي أحد عشر دولاراً للحصول على باقة أساسية بحجم خمسين غيغابايت لضمان استمرار عمله، ومؤكداً أن خطوته كانت بدافع الضرورة القصوى للحفاظ على مصدر دخله الوحيد، ومنتقداً تحول الشبكة إلى أداة لتقسيم المواطنين وتحقيق عوائد مالية للخزينة الحكومية على حساب حاجيات الناس.
وأشار مستخدمون آخرون اشتركوا في خدمة الإنترنت بلس إلى أن الخدمة تفتح تطبيقات مثل واتساب وتلغرام، لكنها لا توفر وصولاً مباشراً إلى المنصات الكبرى المحجوبة منذ سنوات طويلة مثل إنستغرام ويوتيوب وإكس إلا عبر استخدام شبكات فوتشوال خاصة، مما يثبت عدم فاعليتها الكاملة، فضلاً عن رصد تفاوت غريب في مستويات وسرعات الوصول للشبكة بين المشتركين أنفسهم، مما أثار شكوكاً عميقة حول الآليات الفنية المتبعة لمنح تلك الصلاحيات.
ومن جانبه عبر بهروز محمودي بختياري أستاذ اللغويات في جامعة طهران عن إحباطه لعدم تلقيه دعوة للاشتراك، مؤكداً أنه يحتاج للشبكة الدولية بشكل عاجل لمتابعة أبحاثه الأكاديمية والاتصال بالمؤسسات العلمية العالمية، ومشيراً بمرارة إلى أن الأكاديمي بمجرد خروجه من أسوار الجامعة يعود لمرتبة مواطن من الدرجة الثالثة محروم من الاتصال الخارجي، مما يوضح حجم العشوائية والانتقائية المتبعة في توزيع وتوفير هذه الخدمات الرقمية الجديدة.
أزمة التضخم والضغوط الاقتصادية تزيد الأعباء المعيشية
وانتقدت وسائل إعلام محلية واسعة الانتشار تحول الفضاء السيبراني من حق مدني عام إلى امتياز يمنح لفئات محددة، واصفة خدمة الإنترنت بلس بأنها تكريس حقيقي لمفهوم الإنترنت الطبقي الذي يتنافى مع مبادئ العدالة الاجتماعية، ومحذرة من التداعيات العميقة لهذا التمييز الرقمي على تماسك المجتمع الإيراني، خاصة وأن هذا الملف يفرض نفسه في وقت يواجه فيه الاقتصاد المحلي ضغوطاً غير مسبوقة جراء الحرب المستمرة والعقوبات الدولية المتواصلة.
وتعاني الأسواق الإيرانية من قفزة هائلة في معدلات التضخم التي تجاوزت حاجز الخمسين في المائة خلال الأسابيع الأخيرة، ترافقاً مع تراجع حاد وقياسي في قيمة الريال الإيراني أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازية، مما ضاعف الأعباء المعيشية اليومية على كاهل الأسر الإيرانية التي باتت عاجزة عن تحمل التكاليف المرتفعة للوصول إلى الخدمات الرقمية الأساسية وشراء باقات الاتصال الدولية المفروضة بأسعار باهظة.
ويتواصل الجدل السياسي في طهران حول جدوى هذه السياسات الرقمية المتبعة في ظل الحرب، حيث يرى مراقبون أن الضغط الاقتصادي والاجتماعي المترتب على حجب الاتصالات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بينما تصر الأجهزة الأمنية والمقر المستحدث لتنظيم الفضاء الإلكتروني على أن حماية الأمن القومي والسيبراني للبلاد في مرحلة الضربات العسكرية المتبادلة تتطلب فرض السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات مهما كانت الكلفة الاقتصادية.