بوتين يصل بكين في زيارة تاريخية لتوقيع 40 اتفاقية استراتيجية
وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين في زيارة رسمية تستمر يومين لبحث تعزيز التعاون الاستراتيجي بين موسكو وبكين، حيث تأتي هذه القمة المرتقبة مع نظيره الصيني شي جين بينج لتشهد توقيع نحو 40 اتفاقية مشتركة تدعم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، وتتزامن هذه اللقاءات الهامة مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة الصداقة الصينية الروسية الموقعة في عام 2001 لتعكس عمق الروابط التاريخية المتنامية بين القوتين.
قمة استراتيجية تجمع بوتين وشي في بكين
وحسب تقرير لوكالة الأنباء الروسية إنترفاكس فإن الكرملين يعلق آمالاً كبيرة للغاية على هذه الزيارة التي تأتي ضمن سلسلة اجتماعات سنوية متبادلة بين الزعيمين، ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الروسي بوتين بنظيره الصيني ثلاث مرات أخرى في العام الجاري خلال قمم متعددة الأطراف، بينما يضم الوفد الروسي خمسة نواب لرئيس الوزراء وثمانية وزراء ومحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا ورؤساء كبرى الشركات الاقتصادية الحكومية.
وفي السياق ذاته أكدت وزارة الخارجية الصينية أن هذه الزيارة تمثل المحطة الخامسة والعشرين للرئيس الروسي بوتين إلى الصين مما يعكس متانة العلاقات الشخصية والسياسية التي تجمعه مع شي جين بينج، وجاءت هذه القمة بعد أيام قليلة من مغادرة ترمب للعاصمة الصينية في أول زيارة لرئيس أميركي منذ تسع سنوات، وهو ما وصفه مستشار السياسة الخارجية الروسي يوري أوشاكوف بأنه محض صدفة توقيتية لا تؤثر على الجدول الزمني المعد مسبقاً.
ملفات الطاقة والاقتصاد على طاولة المحادثات
ووفقاً لبيان رسمي صدر عن المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف فإن المحادثات تتيح لروسيا الحصول على تحديثات مباشرة وتبادل وجهات النظر مع الصين بشأن محادثاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية، وتأتي هذه اللقاءات في وقت تعد فيه روسيا أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين إذ تمثل وارداتها نحو عشرين بالمئة من إجمالي الاستهلاك الصيني، بينما تشير التقارير الاقتصادية إلى أن الصين أصبحت أيضاً المشتري الأكبر للنفط الإيراني في الآونة الأخيرة.
وتكتسب هذه المباحثات أهمية قصوى في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية حيث يمر ثلث الواردات النفطية الصينية وربع وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز الذي يعاني إغلاقاً كبيراً منذ اندلاع حرب إيران، وأشار المستشار الروسي يوري أوشاكوف إلى أن روسيا تحتفظ بدورها كمورد موثوق ومستقر للطاقة في ظل أزمة الشرق الأوسط، بينما تثبت الصين مكانتها كمستهلك مسؤول يعتمد عليه في الأسواق العالمية لتأمين احتياجات الطاقة الأساسية.
تنسيق سياسي وتطابق في الرؤى الدولية
وبناءً على تصريحات ديبلوماسية رفيعة المستوى فإن مواقف موسكو وبكين في السياسة الخارجية تبدو متطابقة تماماً في معظم الملفات الراهنة مما يرفع العلاقات الثنائية إلى مستوى تاريخي غير مسبوق، ويسعى الرئيس الروسي بوتين من خلال هذه اللقاءات إلى صياغة رؤية مشتركة تسهم في استقرار الشؤون الدولية، وسيجري الوفد الروسي المؤلف من تسعة وثلاثين شخصاً محادثات موسعة مع نظرائهم الصينيين قبل الختام بلقاء غير رسمي على مائدة شاي.
وكانت آخر زيارة قام بها بوتين إلى الأراضي الصينية تعود إلى سبتمبر من عام 2025 عندما شارك في قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي عقدت في مدينة تيانجين الساحلية، وشهد الرئيس الروسي آنذاك عرضاً عسكرياً ضخماً بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، حيث وصف الرئيس الصيني نظيره الروسي بالصديق القديم بينما خاطبه الزعيم الروسي بعبارة الصديق العزيز تعبيراً عن التقدير المتبادل.
آفاق التعاون التكنولوجي والفلكي المستقبلي
ونشرت صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني افتتاحية أكدت فيها أن الاضطرابات الدولية الحالية تفرض على الجانبين تعزيز التنسيق الاستراتيجي والتعاون الشامل، وحددت الصحيفة مجالات حيوية مرشحة لتشهد قفزات نوعية في التعاون المشترك بين البلدين وتشمل أبحاث الفضاء الخارجي والطاقة والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة، بالإضافة إلى قطاعات الزراعة والذكاء الاصطناعي والمبادرات الخضراء صديقة البيئة التي تحظى باهتمام متزايد من الطرفين.
وتسعى الاتفاقيات الأربعون المقترحة إلى وضع إطار قانوني وتنفيذي يضمن تدفق الاستثمارات وتطوير التكنولوجيا الحيوية بين المؤسسات العلمية والشركات الكبرى في البلدين، مما يعزز قدرة الاقتصادين على مواجهة الضغوط الخارجية، ويرى خبراء أن حضور رئيسة البنك المركزي الروسي ضمن الوفد يهدف إلى تسهيل التسويات المالية بالعملات المحلية وتجاوز العقبات المصرفية الدولية، مما يمنح الشراكة أبعاداً حمائية قوية وجديدة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة.
وفي نهاية المطاف يطمح البلدان من خلال هذه القمة التاريخية إلى توجيه رسالة قوية للمجتمع الدولي حول عمق تحالفهما وقدرتهما على صياغة نظام متعدد الأقطاب، حيث يشكل التنسيق المستمر بين موسكو وبكين ركيزة أساسية في استراتيجيات مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، وسيتوج اللقاء غير الرسمي بوضع الخطوط العريضة للقمم الثلاث المقبلة المقررة هذا العام، مما يضمن استمرارية الدعم المتبادل في كافة المحافل السياسية والاقتصادية الدولية.