< تقرير استخباراتي أمريكي.. تسارع عمليات إعادة البناء العسكري في إيران
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

تقرير استخباراتي أمريكي.. تسارع عمليات إعادة البناء العسكري في إيران

مسيرات إيرانية
مسيرات إيرانية

كشفت تقارير استخباراتية أميركية حديثة عن تحركات عسكرية واسعة النطاق تقوم بها إيران لإعادة بناء قدراتها التسليحية والصناعية التي تضررت جراء الهجمات الأخيرة.

تشير التقديرات إلى أن طهران استأنفت إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ بوتيرة متسارعة مستغلة فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في أوائل أبريل الماضي، مما يثير قلقا بالغا لدى الأوساط الأمنية الدولية والإقليمية من احتمال تجدد النزاع المسلح في المنطقة.

وحسب تقرير لشبكة سي إن إن الإخبارية الأميركية نقلا عن مصادر مطلعة فإن أجهزة الاستخبارات رصدت تعافيا عسكريا سريعا يفوق التوقعات السابقة، إذ تعمل إيران على استبدال منصات إطلاق الصواريخ المدمرة وتوسيع خطوط الإنتاج الحربية، وهو ما يثبت امتلاكها لمرونة لوجستية وصناعية عالية تمكنها من تعويض الخسائر الميدانية التي لحقت ببنيتها التحتية العسكرية خلال جولات القصف الصاروخي والجوي السابقة.

وأكدت المصادر الاستخباراتية ذاتها أن هذا الإجراء الدفاعي والهجومي المكثف يجعل من إيران تهديدا مستمرا وقائما لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، لاسيما في ظل التهديدات المتكررة التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية استئناف العمليات العسكرية الشاملة، حيث أشار مؤخرا إلى أنه كان على وشك إصدار أوامر بشن ضربات جوية جديدة لولا بعض الترتيبات السياسية والأمنية الأخيرة.

وأوضحت التقييمات الأمنية أن الفترة الزمنية اللازمة لاستعادة القدرات التصنيعية تختلف بحسب تعقيد المنظومات العسكرية المستهدفة، إلا أن الخبراء يتوقعون نجاح إيران في استعادة كامل قوتها في مجال الطائرات المسيرة خلال ستة أشهر فقط، مما يمنحها تفوقا نوعيا في إدارة حروب الاستنزاف الجوية والبرية والبحرية، ويسمح لها بمواصلة الضغط العسكري على الخصوم الإقليميين دون معوقات كبيرة.

وتمثل الطائرات الانتحارية بدون طيار هوسا كبيرا للمخططين العسكريين في المنطقة نظرا لصعوبة تتبعها واستهدافها بواسطة المنظومات الدفاعية التقليدية، وفي حال تجدد الأعمال القتالية فإن إيران قد تعتمد بشكل أساسي على هذه المسيرات لتعويض النقص المؤقت في مخزونها من الصواريخ الباليستية، مما يضمن لها القدرة على قصف أهداف حيوية في إسرائيل ودول الخليج العربي التي تقع في مرمى نيرانها.

ويعزو الخبراء هذا التعافي السريع والمفاجئ إلى الدعم اللوجستي والفني المستمر الذي تتلقاه إيران من قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، فضلا عن حقيقة أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية لم تحقق كامل أهدافها الاستراتيجية، حيث تمكنت طهران من نقل العديد من المنشآت الحيوية وخطوط التصنيع الحساسة إلى خنادق محصنة ومواقع سرية تحت الأرض يصعب تدميرها بالأسلحة التقليدية.

وفي سياق متصل أفادت المصادر أن الشركات الصينية واصلت تزويد طهران بالمكونات التكنولوجية الدقيقة والمواد الأولية اللازمة لصناعة المحركات الصاروخية وأنظمة التوجيه، وعلى الرغم من الحصار البحري والجوي الصارم الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على الموانئ الإيرانية فإن إيران نجحت في ابتكار طرق إمداد بديلة تضمن تدفق البضائع والمعدات العسكرية والمدنية عبر شبكات نقل برية معقدة.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أكد في تصريحات إعلامية أن بكين تمد إيران بمكونات تصنيع الصواريخ المتطورة، ورغم رفض المتحدث باسم الخارجية الصينية لهذه الاتهامات ووصفها بأنها لا تستند إلى حقائق واقعية فإن التقارير الغربية تؤكد وجود شراكة استراتيجية واقتصادية عميقة تربط بين البلدين وتساهم في تخفيف الضغط الدولي المفروض على طهران.

 

تحديات الحصار الأميركي ومسارات الإمداد البرية البديلة

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن إيران كثفت بشكل ملحوظ عمليات التبادل التجاري مع الصين عبر شبكات السكك الحديدية الدولية، وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لتفادي الآثار السلبية الخانقة للحصار الأميركي المفروض على الموانئ الرئيسية الواقعة في خليج عمان، حيث تهدف طهران من خلال هذا الممر البري إلى إنعاش اقتصادها المنهك وتوفير الموارد المالية اللازمة لدعم مجهودها الحربي والتصنيعي.

ورغم الخسائر المادية الجسيمة التي رصدتها التقارير الميدانية فإن إيران لا تزال تحتفظ بقوة صاروخية باليستية معتبرة ومنظومات دفاع جوي متطورة، وفي المقابل رفض المتحدث باسم القيعة المركزية الأميركية التعليق على هذه التقارير بدعوى عدم مناقشة القضايا الاستخباراتية الحساسة، بينما أكد المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل أن الجيش الأميركي يمتلك القدرة الكاملة للرد في الوقت والمكان المناسبين لحماية مصالحه.

وكانت التقديرات الاستخباراتية الصادرة في شهر أبريل الماضي قد أشارت إلى نجاة نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية من الضربات المشتركة، لكن التقارير الحديثة رفعت هذه النسبة إلى الثلثين نظرا لاستغلال إيران لفترة الهدنة الحالية في استخراج وإصلاح المنصات المتضررة أو تلك التي دفنت تحت الأنقاض، مما يثبت أن البنية التحتية الصاروخية لطهران تمتلك مرونة تنظيمية وهندسية تفوق التوقعات الأمنية السابقة.

ويشمل التقييم الأميركي الجديد رصد آلاف الطائرات المسيرة السليمة التي تمثل نحو خمسين بالمئة من إجمالي الترسانة العسكرية التي تمتلكها إيران، بالإضافة إلى احتفاظها بنسبة كبيرة من صواريخ كروز البحرية المخصصة للدفاع الساحلي وحماية الشواطئ، وهي المنظومات التي لم تكن هدفا رئيسيا للحملة الجوية الأميركية التي ركزت بشكل أساسي على القواعد البرية والمنشآت الصناعية الواقعة في عمق البلاد.

مضيق هرمز وصواريخ كروز والدفاع الساحلي الإيراني

وتشكل صواريخ كروز الساحلية ورقة ضغط استراتيجية بيد إيران لتهديد حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز وممرات التجارة البحرية العالمية، وتظهر هذه المعطيات المجتمعة أن العمليات العسكرية الغربية نجحت في إضعاف القدرات الدفاعية لطهران لكنها لم تنجح في تدميرها بشكل كامل، حيث أثبت النظام الإيراني قدرة فائقة على التكيف والحد من الآثار التدميرية طويلة المدى عبر عمليات إعادة البناء السريعة.

وتتعارض هذه التقارير الاستخباراتية مع التصريحات العلنية التي أدلى بها الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية أمام الكونغرس، حيث أكد في شهادته أن عملية الغضب الملحمي دمرت تسعين بالمئة من القاعدة الصناعية الدفاعية لجمهورية إيران، مشيرا إلى أن الضربات الجوية المركزة ضمنت عدم قدرة طهران على استعادة عافيتها العسكرية أو بناء قواتها المسلحة لسنوات طويلة قادمة بسبب حجم الدمار الذي لحق بالمنشآت.

مستقبل التصنيع العسكري الإيراني وتحالفات الشرق الأوسط

وتكشف الفجوة بين التقديرات الاستخباراتية والتصريحات العسكرية الرسمية عن تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط وصعوبة تقييم النتائج النهائية للحروب الجوية الحديثة، وتؤكد المصادر أن إيران تركز حاليا على تسريع وتيرة العمل في الورش الصناعية الصغيرة والمتوسطة لإنتاج قطع الغيار الدقيقة، مستفيدة من التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام التي يتم استيرادها عبر قنوات تجارية وشركات وهمية منتشرة في مختلف دول العالم.

وتسعى القيادة العسكرية في إيران إلى بناء منظومة دفاعية ذاتية الاعتماد لمواجهة أي موجات قصف مستقبلية قد يشنها التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ويتضمن المخطط الإيراني الجديد توزيع مخاصن الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة على رقعة جغرافية واسعة لتقليل نسب الخسائر المحتملة، مما يصعب من مهمة طائرات الاستطلاع الغربية في تحديد الأهداف العسكرية بدقة خلال أي مواجهة مسلحة مرتقبة في المنطقة.

السيناريوهات المتوقعة في حال استئناف العمليات العسكرية

ويبقى خيار التصعيد العسكري مطروحا بقوة في ظل تمسك جميع الأطراف بمواقفها السياسية والأمنية المتصلبة تجاه ملف التسليح الإقليمي، وتستعد إيران لمواجهة كافة الاحتمالات عبر تعزيز تحالفاتها العسكرية مع الدول المناهضة للسياسات الأميركية في القارة الآسيوية، مما يجعل من ملف إعادة الإعمار العسكري الإيراني محورا رئيسيا في صياغة التوازنات الاستراتيجية الجديدة ورسم خارطة النفوذ الدولي في منطقة الشرق الأوسط برمتها.