تهدد بموجة غضب جديدة.. أزمة وقود في إيران تضع الحكومة أمام خيارات أمنية معقدة
تشهد الأسواق والمحطات تدهوراً حاداً جراء نقص الوقود وتصاعد التوترات المعيشية في إيران، حيث دخلت أزمة المحروقات مرحلة حرجة تجاوزت حدود التلويح برفع الأسعار إلى مستويات ميدانية خانقة، وتزامنت هذه الاختناقات مع طوابير ممتدة في مختلف المدن، في وقت تواصل فيه السلطات نفي وجود توجه رسمي لإقرار زيادات سعرية مباشرة، بينما تكشف التقارير المسربة عن خطط حكومية سرية لتطبيق نظام تسعير متعدد الفئات يهدف إلى خفض الاستهلاك وسد العجز الضخم.
وحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية ووسائل إعلام محلية في إيران، فإن طهران تواجه أزمة حادة في تأمين الاحتياجات اليومية للوقود بسبب تشديد العقوبات الأميركية وتعطل مسارات استيراد وتصدير الطاقة، وأقرت تصريحات رسمية جرى حذف أجزاء منها لاحقاً بوجود عجز يومي يقدر بعشرات ملايين الليترات من البنزين، مع غياب الموارد الدولارية الكافية لتغطية كلفة الاستيراد من الخارج، مما دفع الحكومة إلى تبني سياسات تقشفية صارمة تؤثر مباشرة في حياة المواطنين اليومية.
اشتعال أزمة الوقود في المدن الإيرانية
وتسببت الإجراءات الحكومية الأخيرة في إحداث اضطرابات واسعة النطاق داخل محطات التزود بالوقود في إيران، حيث بات لزاماً على السائقين الانتظار لساعات طويلة من أجل الحصول على كميات محدودة لا تتعدى عشرة ليترات في بعض المناطق، وامتدت هذه الاختناقات لتشمل مدناً كبرى وأخرى حدودية مثل مشهد وجيرفت وجزيرة جسم وياسوج، مما يبرهن على أن الأزمة الراهنة لم تعد مجرد مشكلة محلية بل تحولت إلى قضية وطنية شاملة.
وأدت القيود الجديدة المفروضة على حصص الوقود المدعوم في إيران إلى خلق حلقة مفرغة من المعاناة المعيشية لشرائح واسعة من المجتمع، وتأثر قطاع النقل الخاص وسائقو سيارات الأجرة العاملة عبر التطبيقات الإلكترونية بشكل مضاعف بهذه الإجراءات، إذ يضيع جزء كبير من ساعات عملهم اليومي في طوابير الانتظار، مما تسبب في اختلال توازن كلف المعيشة وتراجع دخلهم المالي بشكل حاد جراء الاضطرار لشراء البنزين الحر.
تسريبات نظام التسعير الرباعي المقترح
وتشير البيانات التحليلية الصادرة عن الخبراء إلى أن الخطة الحكومية الجاري إعدادها في إيران تعتمد على تقليص الحصص التموينية تدريجياً وتغيير آليات تخزين الوقود في البطاقات الذكية، وتهدف هذه السياسة غير المباشرة إلى معالجة العجز اليومي البالغ نحو عشرين مليون ليتر دون إحداث صدمة سعرية مفاجئة في الأسواق، إلا أن النتيجة الفعلية تتطابق تماماً مع الآثار التضخمية لأي زيادة رسمية يعلن عنها في أسعار المحروقات.
وتتداول الأوساط الاقتصادية والصحفية تفاصيل مشروع جديد لإعادة هيكلة أسعار المحروقات في إيران عبر تقسيمها إلى أربع فئات سعرية بدلاً من النظام الحالي، ورغم الإبقاء على الحصة الأساسية البالغة ستين ليتراً بسعرها المدعوم، فإن التسريبات تؤكد التوجه نحو رفع أسعار البنزين الحر والبنزين عالي الأوكتان والسوبر بمعدلات قياسية تصل إلى أضعاف قيمتها الحالية، وهو ما يفرض أعباء مالية إضافية ثقيلة على المستهلكين.
الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي
وتعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة النفط حجم الفجوة العميقة بين معدلات الإنتاج والاستهلاك في إيران، حيث يتجاوز الطلب اليومي حاجز مئة وثلاثين مليون ليتر بينما لا تتخطى القدرة الإنتاجية للمصافي المحلية عتبة مئة وخمسة عشر مليون ليتر، ويعزو المتخصصون هذا الخلل إلى تآكل أسطول النقل العام والاعتماد على سيارات محلية الصنع تستهلك كميات كبرى من الوقود، فضلاً عن تنامي ظاهرة التهريب عبر الحدود.
وتتضاعف المخاوف السياسية والأمنية لدى الأجهزة التنفيذية جراء تصاعد حدة التذمر الشعبي من نقص البنزين في إيران، حيث ترتبط مسألة رفع أسعار الوقود بذكريات تاريخية من الاحتجاجات الواسعة والاضطرابات التي شهدتها البلاد في أعوام سابقة، مما يجعل التعاطي الحكومي مع هذا الملف شديد الحساسية، ويدفع السلطات إلى استخدام أساليب الإلغاء التدريجي للدعم وتقييد البطاقات الطارئة كبديل للصدمات المباشرة.
الأبعاد السياسية والتداعيات الأمنية للأزمة
وفي سياق متصل تدرس الأجهزة العليا تداعيات الضغوط الخارجية المستمرة وتترقب ردود الأفعال الأميركية في ظل استعداد إدارة ترامب لمراقبة التطورات بدقة، وتتزامن هذه الضغوط الاقتصادية مع اتخاذ تدابير استثنائية شملت رصد حركات نزوح كثيفة من العاصمة طهران، بالإضافة إلى انتشار تقارير تتحدث عن عسكرة الشوارع وإقامة أكشاك متخصصة لتدريب المواطنين على استخدام السلاح لحفظ الأمن الداخلي ومواجهة أي طوارئ محتملة.
وتبقى التساؤلات مفتوحة حول مدى قدرة الحكومة على احتواء تداعيات خطتها المقررة مطلع يونيو المقبل في إيران، وتتزايد الشكوك حول إمكانية نجاح التدابير التقشفية في ضبط الاستهلاك دون تفجير أزمات اجتماعية جديدة، خصوصاً في ظل وصول أسعار البنزين غير المدعوم في المحافظات الحدودية مثل سيستان وبلوشستان إلى مستويات فلكية تعجز الفئات محدودة الدخل عن تحملها وسط موجات الغلاء المتصاعدة.