معادلة النفط مقابل النووي.. واشنطن ترهن كسر حصار إيران بفتح مضيق هرمز
تتشابك خيوط المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط مع إعلان الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب عن اشتراط فتح مضيق هرمز كركيزة أساسية لانطلاق أي محادثات جادة مع طهران، في وقت تفرض فيه واشنطن تريثاً حذراً لحسم الاتفاق المرتقب لإنهاء الحرب الإيرانية تزامناً مع ضغوط داخلية متزايدة وتلويح مستمر بالخيار العسكري إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.
وحسب تقرير موسع لشبكة "سي إن إن" ووكالة "رويترز" الإخبارية والصحف الأميركية الصادرة اليوم، فإن الرئيس الأميركي وجه مفاوضيه بضرورة عدم التسرع في إبرام الاتفاق، في حين قللت الدوائر السياسية من آمال تحقيق انفراجة وشيكة في الحرب الدائرة منذ ثلاثة أشهر على الرغم من الأجواء الإيجابية التي سادت المفاوضات الإطارية بين البلدين قبل فترة وجيزة.
وترهن واشنطن أي تقدم حقيقي بإنهاء الإجراءات الإيرانية المعرقلة للملاحة في الممر المائي، حيث يشكل فتح مضيق هرمز الضمانة الأولى والأساسية لإثبات حسن النوايا الإيرانية قبل الدخول في تفاصيل الملف النووي المعقد، لا سيما أن الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ والسفن الإيرانية سيبقى مستمراً ولن يتم رفعه إلا بشكل متناسب مع الخطوات العملية المتخذة على الأرض.
ومن جانبه أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من نيودلهي أن بلاده تمنح الدبلوماسية فرصة كاملة للنجاح، لكنه شدد على أن واشنطن تمتلك مقترحاً قوياً يتعلق بآلية إعادة فتح مضيق هرمز وضبط حركته التجارية، ملوحاً بأن الفشل في التوصل لاتفاق نهائي خلال مهلة الستين يوماً المحددة سيعني اللجوء التلقائي إلى الخيارات العسكرية الجاهزة للتعامل مع الموقف بطرق أخرى.
كواليس التفاهم الإطاري وعقبات التمويل والسيادة الملاحية
وفي المقابل جاء الرد الإيراني سريعاً عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، والذي أكد أن إدارة الممر المائي هي شأن سيادي يخص إيران وسلطنة عمان فقط، مشيراً إلى أن مسألة فتح مضيق هرمز وإدارته لم تتضمن أي تفاصيل محددة في مسودة التفاهم، معتبراً أن الخدمات المقدمة للعبور تتطلب دفع مقابل مالي لا يعد رسوماً مفروضة.
وتحدثت وكالة تسنيم شبه الرسمية عن وجود عراقيل حقيقية تصنعها الولايات المتحدة الأميركية تؤخر التوقيع النهائي، وتتمثل هذه العقبات في رفض واشنطن للإفراج الفوري عن الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأجنبية، مما دفع الأوساط الإيرانية للتلميح بإمكانية إلغاء الاتفاق الإطاري برمته إذا استمر الجانب الأميركي في فرض شروطه التعجيزية ولم يلتزم بتعهداته المالية والاقتصادية.
وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي وافق من حيث المبدأ على الإطار العام للاتفاق، والذي يتضمن التزاماً واضحاً بزيادة عدد السفن عبر مضيق هرمز لتعود إلى مستويات ما قبل الحرب، وذلك مقابل إنهاء الحصار البحري الأميركي بالكامل والسماح لطهران بتصدير نفطها مجدداً عبر الممرات الدولية الشريانية خلال المرحلة الأولى من المذكرة.
ويرى المسؤولون الأميركيون أن الاتفاق المقترح يمثل نسخة معززة للغاية من المبدأ الشهير الذي ينص على الثقة المشروطة بالتحقق، موضحين أن الآلية المتبعة تربط تخفيف العقوبات طردياً بمدى التزام طهران بفتح مضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية، ومحذرين من أن أي تراجع إيراني سيحرم حكومة طهران من الحصول على أموالها أو رفع الحصار المفروض عليها.
المراحل الثلاث للاتفاق ومصير اليورانيوم عالي التخصيب
وتتضمن الخطوط العريضة للاتفاق المرتقب خريطة طريق شاملة تمتد عبر ثلاث مراحل تفاوضية متكاملة، وتبدأ المرحلة الأولى بوقف الأعمال العدائية على كافة الجبهات بما يشمل الساحة اللبنانية، وتعهد الطرفين بعدم تبادل الهجمات العسكرية أو استهداف الحلفاء، مع تخصيص الثلاثين يوماً الأولى لإنهاء الملفات الملاحية العالقة وتأمين المسارات البحرية الحيوية للتجارة العالمية.
وتنتقل المفاوضات في مرحلتها الثانية إلى الملف النووي الإيراني والذي خصصت له الإدارة الأميركية مدة ستين يوماً، حيث تصر واشنطن على تخلي طهران الكامل عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب والذي يصفه الرئيس دونالد ترمب بالغبار النووي، مؤكدة أن الموقف الأميركي الصارم بشأن منع إيران من امتلاك السلاح النووي ثابت ولم يتغير أبداً.
وتقترح المصادر الإيرانية صيغاً عملية للتعامل مع هذا المخزون النووي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن بين هذه المقترحات تخفيف درجة نقاء اليورانيوم المخصب لتحويله إلى استخدامه المدني، في وقت تنفي فيه طهران باستمرار سعيها لامتلاك القنبلة النووية، متمسكة بحقها المشروع في إنتاج الطاقة الكهربائية للأغراض السلمية والتنموية.
وتسعى الإدارة الأميركية الحالية للحصول على دعم إقليمي واسع لهذه المقاربة التدريجية في المفاوضات، حيث أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى وجود تأييد من سبع أو ثماني دول في المنطقة، معتبراً أن الحلول القائمة على الاتفاقيات هي المفضلة دائماً لدى الرئيس ترمب طالما أنها تضمن الأمن الاستراتيجي وتمنع التصعيد العسكري الخطير.
آفاق السلام الإقليمي وضمانات الملاحة الدولية في الخليج
ويتوقف نجاح هذا المسار الدبلوماسي المعقد على مدى قدرة الطرفين على تجاوز تفاصيل الإجراءات التقنية، لا سيما أن واشنطن تتصور مشهداً يتزامن فيه فتح الممرات المائية مع تراجع حدة التوترات العسكرية والأمنية، مما يمهد الطريق لإنعاش الاقتصاد الإيراني المنهك عبر الإفراج التدريجي عن ملايين الدولارات من إيرادات النفط المحتجزة في الحسابات الدولية.
وتترقب الأسواق العالمية وقطاعات الطاقة نتائج هذه المفاوضات الحثيثة لما لها من تأثير مباشر على إمدادات النفط والغاز، حيث كان الممر المائي المستهدف يستوعب خمس الاحتياجات الدولية قبل اندلاع الصراع المسلح، مما يجعل استقرار الملاحة فيه مصلحة حيوية مشتركة لجميع القوى الاقتصادية الكبرى التي تراقب عن كثب تطورات اللقاءات غير المباشرة.
وتقف المنطقة حالياً بين خياري الانفراجة الشاملة القائمة على تبادل التنازلات السياسية والأمنية، أو العودة الشرسة لمربعات التصعيد الحربي ومواجهة التهديدات العسكرية المباشرة، مما يضع الصياغة النهائية لمذكرة التفاهم تحت مجهر الاختبار الحقيقي ومقياساً لمدى التزام الأطراف المعنية بتحقيق سلام دائم ينهي الأزمات المتراكمة في الشرق الأوسط.