< حرب إيران تنقل الضغوط من أسواق النفط إلى طاولات البنوك المركزية الكبرى
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

حرب إيران تنقل الضغوط من أسواق النفط إلى طاولات البنوك المركزية الكبرى

الحرب الأمريكية الإيرانية
الحرب الأمريكية الإيرانية

تدخل الأسواق الاقتصادية العالمية أسبوعا حاسما يترقب فيه المستثمرون بحذر شديد حزمة من بيانات التضخم الحيوية ومؤشرات المعنويات الاستهلاكية، حيث انتقلت التداعيات العنيفة الناتجة عن حرب إيران بصورة متسارعة من أسواق الطاقة المتأرجحة إلى أروقة صناعة القرار داخل البنوك المركزية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأوروبا.

 يسعى المتداولون لرصد أي إشارات حاسمة تحدد ما إذا كان هذا الارتفاع المتواصل في الأسعار يمثل مجرد صدمة مؤقتة عابرة مرتبطة بأسعار النفط، أم أنه يتحول بالفعل إلى موجة تضخمية هيكلية أوسع نطاقا تعيد خيارات رفع معدلات الفائدة إلى الواجهة الدولية مجددا.

وحسب تقرير موسع نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية بالتعاون مع وكالة رويترز العالمية، فإن الأنظار تتجه صوب العاصمة واشنطن لمتابعة صدور مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الذي يمثل المقياس المفضل والمحدد الأساسي لسياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حيث تشير التوقعات الاقتصادية إلى إمكانية قفز التضخم الأساسي ليبلغ مستوى ثلاثة فاصلة أربعة بالمئة وهو المستوى الأعلى منذ منتصف عام ألفين وثلاثة وعشرين، مما يضع الإدارة المالية ومحافظي البنوك المركزية الكبرى أمام اختبار حقيقي لتقييم مدى عمق واستمرارية الضغوط السعرية الكامنة في الأسواق الحرة التي تأثرت كثيرا بالتطورات الجيوسياسية الأخيرة.

وتظهر المؤشرات الإحصائية الأخيرة التي تم رصدها بدقة خلال شهر أبريل الماضي أن معدلات التضخم العالمية قفزت بدافع مباشر من الارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود والمشتقات النفطية، وهي الزيادة الملحوظة التي تسببت فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من تهديدات مباشرة أدت إلى إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة ناقلات النفط العالمية، الأمر الذي يفرض تحديات معقدة على رؤية البنوك المركزية الكبرى التي تحاول جاهدة الفصل بين التقلبات المؤقتة لقطاعي الطاقة والأغذية وبين التضخم الهيكلي المستدام.

وفي هذا السياق المتأزم يرى أنتوني ساغليمبين كبير إستراتيجيي السوق في شركة أميربرايز فايننشال الشهيرة أنه في حال أظهرت البيانات الرسمية القادمة ضغوطا تضخمية واسعة النطاق وممتدة، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيجد صعوبة بالغة في تبرير وصف هذه الموجة بأنها مؤقتة أو مدفوعة حصرا بقطاع الطاقة، مما يعني اضطرار البنوك المركزية الكبرى لتبني سياسات تشديدية صارمة لضمان استقرار الأسواق وحماية القوة الشرائية للمواطنين التي بدأت تتآكل بشكل واضح ومقلق للسياسيين.

وتشير القراءات الإجمالية لبيانات التضخم وثقة المستهلك الأخيرة بوضوح إلى أن الاقتصاد العالمي يسير حاليا في الاتجاه الخاطئ بسبب تصاعد التوقعات التضخمية طويلة الأجل لدى المستهلكين، وتتحول هذه المعدلات المتزايدة لأسعار الفائدة الأساسية إلى معضلة حقيقية أمام صناع السياسة النقدية كونها تدفع باتجاه إقرار زيادات إضافية على تكاليف الاقتراض قبل نهاية العام الجاري، وهو ما يتناقض جزئيا مع التوجهات العامة لبعض القادة والمسؤولين الذين يطالبون بالتحفيز المستمر.

تحديات الثقة في طوكيو ومخاوف الركود الصناعي

ويمثل هذا التحول المفاجئ في توقعات الأسواق معضلة استثنائية معقدة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الجديد كيفن وارش، والذي جرى ترشيحه من قبل الرئيس دونالد ترامب تحديدا بناء على رؤيته الاقتصادية المعلنة بضرورة خفض أسعار الفائدة الأمريكية لدعم وتنشيط حركة النمو، لكن الضغوط التضخمية الراهنة الناجمة عن الصراعات الإقليمية وإغلاق الممرات البحرية الحيوية قد تجبره على تغيير خططه وتنسيق التحركات مع بقية البنوك المركزية الكبرى للسيطرة على الأسعار.

وفي طوكيو تراقب السلطات المالية اليابانية عن كثب مستويات ثقة المستهلك المحلية بعد تعرضها لانخفاضات حادة ومتتالية خلال شهري مارس وأبريل الماضيين، حيث هبط المؤشر بواقع ستة فاصلة أربعة نقطة ثم تراجع مجددا بواقع نقطة فاصلة واحدة تحت وطأة الضغوط المتزايدة لأسعار الطاقة، ولا يتوقع الاقتصاديون في الوقت الحالي حدوث أي انتعاش قوي للمؤشر الذي يقف عند مستوى اثنين وثلاثين فاصلة نقطتين في الاستطلاع الرسمي المنتظر صدوره.

وتوقع خبراء مجموعة بنك غولدمان ساكس الاستثماري العالمي حدوث انخفاض إضافي في مؤشر الثقة الياباني ليصل إلى مستوى واحد وثلاثين فاصلة خمسة نقطة، مما يعكس بوضوح مدى العمق الذي وصلت إليه الأزمة الاقتصادية الراهنة جراء الحرب على إيران والتي كشفت سريعا عن مواطن ضعف هيكلية بارزة في القاعدة الصناعية اليابانية العملاقة المعتمدة بشكل شبه كامل على استيراد مصادر الطاقة والعديد من السلع الأساسية من الخارج.

ويبقى التساؤل الجوهري المطروح بقوة في الأوساط المالية الآسيوية حول مدى قدرة الاقتصاد الياباني على تجنب ضربة قوية ومؤلمة لمعدلات النمو الإجمالية، وذلك نتيجة النقص الحاد في السلع الأساسية وارتفاع تكاليف الشحن البحري عبر الممرات الدولية، بالرغم من أن الأسبوع الحالي يحمل حزمة حافلة بالبيانات الاقتصادية التي تشمل معدلات البطالة وبدء بناء المساكن ومؤشر أسعار المستهلكين في العاصمة طوكيو.

وقد تعزز هذه البيانات المتلاحقة توقعات المستثمرين بأن بنك اليابان سيمضي قدما في مسار رفع أسعار الفائدة ليتماشى مع التوجه التقييدي الذي تسلكه البنوك المركزية الكبرى، على الرغم من أن الحكومة اليابانية كانت سخية للغاية في تقديم الدعم المالي لأسعار البنزين والوقود لحماية المستهلكين من الآثار الأشد وطأة للحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط الخام، إلا أن المحللين يجمعون على أن معنويات الأسواق لا تزال هشة وتتأثر بالأنباء.

التضخم الألماني يهدد استقرار منطقة اليورو

ولا يزال المستهلكون في مختلف المدن اليابانية يشعرون بقلق بالغ من أن الآثار الجانبية الناجمة عن الارتفاعات القياسية لأسعار الطاقة والنفط ستنعكس سريعا على أسعار السلع الاستهلاكية، حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي الذي يستثني الطاقة والأغذية الطازجة بنسبة واحد فاصلة تسعة بالمئة خلال أبريل الماضي، وهو مستوى يقل قليلا عن مستهدف بنك اليابان البالغ اثنين بالمئة لكنه يبقى عبئا ثقيلا على الأسر.

وفي القارة الأوروبية تتجه الأنظار صوب برلين لمراقبة مستويات التضخم في أكبر اقتصاد أوروبي بعد أن قفزت المعدلات إلى ما يقارب ثلاثة بالمئة في أبريل الماضي، حيث ستحدد البيانات المنتظرة يوم الجمعة مسار السياسة النقدية التي سيتخذها صانعو السياسات في البنك المركزي الأوروبي، والذين يواجهون ضغوطا مماثلة لتلك التي تواجهها البنوك المركزية الكبرى للسيطرة على أسعار المستهلكين المتصاعدة.

ويتوقع خبراء اقتصاديون استطلعت وكالة رويترز آراءهم أن يستقر التضخم الألماني عند مستوى اثنين فاصلة تسعة بالمئة وهو نفس المستوى المسجل تقريبا في الشهر الماضي، إلا أن أي تجاوز للحاجز النفسي البالغ ثلاثة بالمئة سيعزز بالتأكيد من وجهة النظر الداعية إلى رفع تكاليف الاقتراض وتشديد الفائدة في منطقة اليورو لمواجهة الارتفاعات غير المنضبطة في أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وبات من المتوقع على نطاق واسع بين المستثمرين أن يقوم أعضاء مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي البالغ عددهم سبعة وعشرون عضوا برفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى مستوى اثنين فاصلة خمسة وعشرين بالمئة في اجتماعهم المقبل، لتكون هذه الخطوة بمثابة أول رفع رسمي لتكاليف الاقتراض منذ شهر سبتمبر من عام ألفين وثلاثة وعشرين في إطار مواجهة التضخم.

وقد قدر المتداولون في الأسواق المالية العالمية احتمالية حدوث خطوة رفع الفائدة الأوروبية بنسبة تصل إلى أربعة وثمانين بالمئة، كما يتوقعون في ذات الوقت إقرار زيادة ثانية بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول نهاية العام الحالي، مما يضع السياسة الأوروبية في مسار متناغم مع التوجهات المتشددة التي تتبناها البنوك المركزية الكبرى الساعية إلى كبح جماح التضخم العالمي المتسارع.

مضيق هرمز وأزمة سوق العمل في برلين

وسيؤثر قرار رفع أسعار الفائدة سلبا على مسار الاقتصاد الألماني الذي يعاني بالفعل من فترة ضعف وهشاشة واضحة، حيث يؤثر الركود الفعلي المستمر لأكثر من ثلاث سنوات على هيكل سوق العمل بشكل مباشر، ويتوقع الاقتصاديون أن يستمر عدد العاطلين عن العمل في التذبذب فوق مستوى ثلاثة ملايين عاطل وهو رقم حساس جدا من الناحية السياسية والاجتماعية في البلاد.

وتشير البيانات المعدلة موسميا إلى أن سوق العمل الألماني يسجل حاليا أعلى مستوى للبطالة منذ خمسة عشر عاما، ويتوقع الاقتصاديون الذين شاركوا في استطلاع رويترز الأخير أن يفقد حوالي عشرة آلاف شخص إضافي وظائفهم خلال الفترة القصيرة المقبلة، مما يزيد من الضغوط المسلطة على الحكومة لتقديم حلول سريعة في وقت تتقلص فيه الخيارات النقدية المتاحة بشكل كبير.

وحذر يورغ كرامر كبير الاقتصادين في كومرتسبانك الشهير في رسالة وجهها إلى العملاء والمستثمرين من أن الناتج المحلي الإجمالي الألماني معرض للانكماش الفعلي خلال الربع الثاني من العام الحالي، مؤكدا أن المخاطر والتهديدات الاقتصادية الشاملة تتزايد وتتضاعف مع كل يوم إضافي يبقى فيه مضيق هرمز الاستراتيجي مغلقا بوجه حركة الملاحة والتجارة العالمية المارة عبر المنطقة.

وتعكس هذه التحذيرات المتتالية حجم الترابط الوثيق بين الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وبين القرارات المصيرية التي تتخذها البنوك المركزية الكبرى، حيث لم تعد أسواق الطاقة والنفط هي المتضرر الوحيد من الحروب والنزاعات، بل امتدت الآثار السلبية لتطال سلاسل الإمداد العالمية ومعدلات التوظيف وثقة المستهلكين مما يهدد بحدوث ركود تضخمي عالمي طويل الأمد وصعب العلاج.

وتقف الأسواق المالية في الوقت الراهن على حافة ترقب شديد لما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من قراءات إحصائية رسمية، حيث ستكون هذه البيانات بمثابة البوصلة التي توضح معالم السياسات الاقتصادية المقبلة، وتحدد ما إذا كانت خطط التحفيز ستتوقف تماما أم أن الضرورات ستجبر المسؤولين على اتخاذ خطوات استثنائية وغير تقليدية لإنقاذ النمو الاقتصادي العالمي من الانهيار المفاجئ.