< بكين تتحدى واشنطن..الصين تعتمد على «مصافي إبريق الشاي» لاستقبال النفط الإيراني
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

بكين تتحدى واشنطن..الصين تعتمد على «مصافي إبريق الشاي» لاستقبال النفط الإيراني

النفط الإيراني
النفط الإيراني

انتعشت حركة الملاحة السرية في الآونة الأخيرة لتأمين تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق الآسيوية وتحديداً الموانئ الصينية.

 نجحت طهران في بناء نظام لوجيستي معقد يعتمد بالأساس على ناقلات النفط المتقادمة، وتتحرك هذه السفن في مناطق بحرية رمادية قبالة السواحل الماليزية لتفريغ حمولاتها وإعادة شحنها، وتلجأ أطقم السفن المموّهة إلى طلاء أسمائها واستخدام الأغطية القماشية السميكة لطمس الهوية.

 وتجري هذه العمليات بعيداً عن الرقابة الدولية لضمان وصول النفط الإيراني دون انقطاع، ويمثل هذا النشاط البحري شريان الحياة المالي الذي تعتمد عليه الحكومة الإيرانية بشكل مباشر لتوفير العملة الصعبة وتغطية العجز في موازنتها العامة.

​وحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية فإن هذه الشبكة السرية التي تُعرف باسم أسطول الظل تضم مئات السفن غير المؤمن عليها والتي ترفع أعلام دول لا تفرض رقابة صارمة، وتتعمد هذه الناقلات إطفاء أجهزة التتبع والاتصال لإرباك أنظمة المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية، ورصد المراقبون ناقلات خاضعة للعقوبات مثل السفينة كاتالينا 7 وهي تنقل النفط الإيراني إلى سفن أخرى مطلية بالكامل باللون الأسود في عرض البحر، وتوضع مصدات عملاقة بين السفن لمنع التصادم وسط الأمواج المتلاطمة بينما يعمل البحارة بملابس السلامة البرتقالية، وتدعم الشركات والكوادر البحرية الصينية هذه العمليات اللوجيستية المعقدة بشكل واسع ومستمر لضمان استمرار حركة الملاحة.

​وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية الصينية التابعة للكونغرس إلى أن طهران حققت عائدات ضخمة بلغت نحو 31 مليار دولار، وتأتي هذه الأموال من مبيعات النفط الإيراني إلى المصافي الصينية خلال العام الماضي فقط، ومثلت هذه الصادرات ما يقارب 90 في المئة من إجمالي النفط الذي تبيعه إيران في الأسواق الخارجية، ووفرت العائدات نحو 45 في المئة من إيرادات الموازنة الحكومية الإيرانية مما ساعد النظام على الصمود أمام الضغوط، وتستفيد المصافي الصينية الخاصة من الخصومات السعرية الكبيرة التي تقدمها طهران مقارنة بالأسعار العالمية السائدة في الأسواق.

الصين والمصافي الخاصة توفر شريان الحياة المالي

​أصدرت الحكومة الصينية توجيهات صريحة وعلنية للشركات والمصافي المحلية بعدم الالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على خمس مصاف صينية كبرى، واستندت بكين في قرارها إلى قانون الحجب الصادر عام 2021 لمواجهة القوانين الأجنبية التي تضر بالتجارة الدولية، وكانت الصين تستورد نحو 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني وهو ما يعادل 12 في المئة من إجمالي وارداتها، وتتجه هذه الشحنات في الغالب إلى المصافي الخاصة المعروفة باسم مصافي إبريق الشاي في مقاطعتي شاندونغ ولياونينغ، وتعتمد هذه المصافي على البنوك المحلية مما يحميها تماماً من العقوبات والمنظومة المالية الأميركية.

​وأكدت التقارير الفنية لخبراء الطاقة أن تتبع شحنات النفط الإيراني لا يزال ممكناً برغم إطفاء أجهزة التتبع من خلال صور الأقمار الاصطناعية المتقدمة، وتظهر الصور بدقة عمليات النقل من سفينة إلى أخرى ورسو الناقلات في الموانئ الصينية، وتكشف بيانات الجمارك الصينية استيراد كميات ضخمة من ماليزيا وإندونيسيا تفوق القدرات الإنتاجية الفعلية لهذين البلدين، ويعتبر المحللون هذه البيانات دليلاً قاطعاً على أن هذه الشحنات هي في الأصل نفط إيراني جرى تغيير مستنداته، وتعارض وزارة الخارجية الصينية بشدة الحملات الأميركية وتصفها بأنها عقوبات أحادية غير قانونية وغير منطقية.

المواجهة العسكرية الأميركية والمداهمات في عرض البحر

​صعدت الولايات المتحدة الأميركية حملتها العسكرية والاقتصادية ضد تجارة النفط الإيراني بشكل غير مسبوق من خلال فرض حصار بحري على الموانئ، واستهدفت واشنطن في موجة العقوبات الجديدة ناقلات النفط والبنية التحتية الصينية المرتبطة بنقل الخام، ونفذت قوات خاصة أميركية عمليات إنزال جوي من مروحيات عسكرية على متن ناقلتين تتبعان أسطول الظل في المحيط الهندي، وصادرت السلطات الأميركية ناقلة ثالثة مرتبطة بإيران في المحيط الهندي بعد مرورها قرب السواحل الماليزية، وكانت السفينة المحتجزة تحمل أكثر من مليون برميل من النفط الخام جرى تحميلها في جزيرة خرج الإيرانية.

​ويرى خبراء الشحن البحري الدولي أن السيطرة الحقيقية على تهريب النفط الإيراني تتطلب من الولايات المتحدة الحفاظ على وضع عسكري يشبه حالة الحرب، ويتطلب ذلك استمرار الحصار البحري الشامل على الموانئ الإيرانية واستخدام الأصول العسكرية لاعتراض السفن في الممرات الدولية، ويؤكد الخبراء أن أي تراجع في هذه الإجراءات الصارمة سيؤدي فوراً إلى استئناف تدفق النفط الإيراني، وتقدر شركة فورتكسا لتحليلات الطاقة وجود نحو 90 مليون برميل خارج نطاق الحصار حالياً، وتستخدم هذه الكميات الضخمة كمخزون عائم في عرض البحر لتوفير مليارات الدولارات الإضافية لطهران.

​وأوضح المدير التنفيذي لأبحاث الشرق الأوسط في شركة أف جي إي نيسكانت إي سي أي إيمان ناصري أن وصول الشحنات يستغرق وقتاً طويلاً، وتحتاج طهران إلى فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر للحصول على المدفوعات المالية من المشترين الصينيين، وأضاف ناصري أن إيران ستواصل تلقي الأموال مقابل النفط الموجود في البحر حتى أكتوبر المقبل، وأشار إلى أن حملة الغضب الاقتصادي الأميركية كان يفترض أن تركع إيران لكنها بقيت الدولة الأقل معاناة، وأكدت متحدثة باسم وزارة الخزانة الأميركية استمرار استهداف أسطول الظل لمنع النظام من تمويل برامج الأسلحة.

الفوضى البحرية والمناطق الرمادية في جنوب شرق آسيا

​تحولت منطقة حدود الميناء الشرقي الخارجية قرب ماليزيا والمعروفة اختصاراً باسم إي أو بي أل إلى مركز رئيس لتهريب النفط الإيراني، وتمتد هذه المنطقة على مساحة تقارب 500 ميل مربع وتتميز بمياهها الهادئة التي تسمح بنقل الشحنات بين السفن بأمان، وتقع المنطقة داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لماليزيا لكنها خارج المياه الإقليمية مما يجعلها منطقة قانونية رمادية، وتستغل ناقلات أسطول الظل هذا الوضع القانوني المعقد لتفريغ النفط الإيراني في سفن أخرى غير مدرجة على قوائم العقوبات الأميركية لتسهيل دخولها إلى الموانئ الصينية دون ملاحقة قانونية.

​وأعلن نائب الأدميرال البحري سيفول ليزان بن إبراهيم المسؤول الرفيع في خفر السواحل الماليزي أن السلطات تدرك وجود أسطول الظل، وتواجه الأجهزة الأمنية صعوبة بالغة في التدخل لأن السفن تعمل خارج نطاق الولاية التنفيذية المباشرة لماليزيا وتغير مواقعها باستمرار، وأضاف المسؤول أن ماليزيا تتبع سياسة خارجية محايدة ولا تلتزم بالعقوبات الأحادية كما أن موارد المراقبة البحرية لديها محدودة، ومع ذلك احتجزت السلطات الماليزية أكثر من 12 سفينة هذا العام بسبب الرسو غير المصرح به، وتؤكد المنظمات الدولية أن الصين لا يمكنها الحصول على النفط الإيراني دون المرور بهذه المنطقة.

​ونشأ نظام اقتصادي متكامل في هذه المنطقة البحرية لخدمة السفن التي تنقل النفط الإيراني والمواد البترولية الخاضعة للعقوبات الدولية، ويشمل هذا النظام سفن وقود عملاقة تبقى في المنطقة لشهور طويلة وسفن دعم لنقل الإمدادات الغذائية وطواقم الصيانة، بالإضافة إلى قوارب صغيرة تبيع السلع الشخصية للبحارة الذين يقضون أوقاتاً طويلة في عرض البحر، وقالت محللة الاستخبارات البحرية في شركة ويندوارد ميشيل بوكمان إن المنطقة تحولت إلى مركز للفوضى البحرية، وتستخدم هذه السفن تشكيلة كاملة من أساليب الخداع والتمويه البحري لتفادي الرقابة الدولية الصارمة المفروضة عليها.