< «شكلت عقدة نفسية لدى الدولة العبرية».. لماذا سيطرت إسرائيل على قلعة الشقيف وما أهميتها الاستراتيجية؟
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

«شكلت عقدة نفسية لدى الدولة العبرية».. لماذا سيطرت إسرائيل على قلعة الشقيف وما أهميتها الاستراتيجية؟

صورة نشرها الجيش
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي بعد السيطرة على قلعة الشقيف

في تحول ميداني بارز يعيد رسم خارطة المواجهات في الجبهة الشمالية، أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأحد، إحكام سيطرته على قلعة الشقيف الإستراتيجية بجنوب لبنان. وجاءت عملية السيطرة على القلعة التاريخية، المشرفة على نهر الليطاني ووادي السلوقي عقب معارك برية ضارية وإسناد جوي ومدفعي مكثف، وثقها الجيش الإسرائيلي بنشر صور لجنوده داخل الموقع الأثري الذي يعود إلى الحقبة الصليبية. 

​الأهمية العسكرية لقلعة الشقيف 

​هذا التطور العسكري لم يكن مجرد تقدم ميداني عابر، بل حمل رسائل سياسية حاسمة؛ حيث سارع وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، للتعليق فور سقوط القلعة قائلاً:"هذه رسالة واضحة لأعدائنا بأنهم سيخسرون مواقعهم الإستراتيجية واحداً تلو الآخر".

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي بعد السيطرة على قلعة الشقيف 

​تكتسب قلعة الشقيف أهميتها من موقعها الجيوسياسي الاستثنائي الذي يجعلها "العين الحاكمة" للقطاع الشرقي، حيث تقع القلعة على مرتفع يتجاوز 700 متر فوق سطح البحر، ما يمنح الطرف المسيطر عليها قدرة رصد خارقة تمتد من عمق جنوب لبنان وصولاً إلى شمال فلسطين المحتلة.

وتطل القلعة بشكل مباشر على مستوطنة المطلة بمسافة لا تتجاوز 4 كيلومترات، ما يجعلها موقعاً متقدماً لتوجيه النيران والتنصت.

كما تمنح القلعة سيطرة نارية كاملة على مجرى نهر الليطاني ومحور النبطية/ مرجعيون إضافة إلى بلدات أرنون، كفرتبنيت، يحمر، وزوطر، وصولاً إلى مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي الحالية في الطيبة ودير سريان والقنطرة.

ويأتي هذا التطور بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي نجاح قواته في عبور نهر الليطاني والسيطرة على سلسلة من البلدات والمواقع المحورية في المنطقة.

الشقيف.. القلعة التي سببت عقدة نفسية لإسرائيل 

​لا ترتبط قلعة الشقيف بالجغرافيا وحسب، بل تمثل "عقدة نفسية" عميقة في الوعي العسكري الإسرائيلي منذ اجتياح عام 1982. فرغم تطور أدوات الحرب الحديثة، بقيت القلعة رمزاً للمواجهات الشرسة وحرب الاستنزاف.

بدأت فصول العقدة النفسية لقلعة الشقيف تتشكل إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث شهدت أسوار القلعة التاريخية واحدة من أعنف الملاحم العسكرية وأكثرها صدمة لقيادة الجيش الإسرائيلي. في تلك المواجهة، تحصنت مجموعات من المقاتلين الفلسطينيين داخل القلعة، واستطاعوا الصمود لأربعة أيام متواصلة في وجه النخبة من لواء "جولاني". وتذكر التقارير التاريخية أن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، أريئيل شارون، حين حط بطائرته المروحية لتفقد الموقع عقب انتهاء المعركة، أُصيب بصدمة بالغة عندما اكتشف أن القوة التي جابهت فيلقاً إسرائيلياً يضم أكثر من 1200 جندي مدعومين بغطاء جوي ومدرع كثيف، لم تكن تتجاوز 30 مقاتلاً فقط.

​وعقب السيطرة عليها في ذلك الوقت، تحولت القلعة إلى حامية عسكرية إسرائيلية متقدمة لكنها معزولة في قلب بيئة معادية، لتتحول معها خطوط الإمداد الواصلة إليها إلى كابوس يومي استنزف قوى الجيش. ولشدة وضراوة العمليات الخاطفة، والكمائن المحكمة، والعبوات الناسفة التي زرعتها المقاومة اللبنانية والفلسطينية على طول الطريق المؤدي إلى الحامية، أطلق الجنود الإسرائيليون ووسائل الإعلام العبرية عليه اسم "الطريق الدامي"، حيث باتت مسألة الوصول إلى القلعة أو مغادرتها بمثابة مهمة شبه انتحارية.

​وصلت هذه الحقبة المريرة إلى نهايتها في مايو من عام 2000، عندما اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود باراك، قراره التاريخي بالانسحاب أحادي الجانب من جنوب لبنان. وفي تلك الأثناء، أخليت القلعة تحت جنح الظلام وبسرية تامة خوفاً من تعرض القوات المنسحبة لضربات صاعقة، وقبل أن يغادر آخر جندي إسرائيلي المحيط، أقدم الجيش على تفخيخ تحصيناته ومراكزه العسكرية داخل القلعة بكميات هائلة من المتفجرات وتدميرها بالكامل، في محاولة لإغلاق ملف موقعٍ كبد تل أبيب خسائر بشرية ونفسية هائلة طيلة ثمانية عشر عاماً.