بدء الانتخابات التشريعية في إثيوبيا وسط انقسامات داخلية
انطلقت في العاصمة أديس أبابا ومختلف الأقاليم صباح اليوم عملية التصويت لانتخاب برلمان جديد في إثيوبيا، وسط تحديات سياسية وأمنية بالغة التعقيد وأجواء من الاستقطاب القومي الحاد الذي يهدد استقرار البلاد.
وتأتي هذه الانتخابات السابعة في تاريخ البلاد المعاصر لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية، في وقت تواجه فيه الدولة انتقادات دولية واسعة تتعلق بملفات حقوق الإنسان والتضييق على بعض التيارات المعارضة والمكونات الإقليمية المطالبة بالحكم الذاتي.
وحسب تقرير لبعثات مراقبة ومصادر حقوقية مستقلة فإن العملية الانتخابية في إثيوبيا تجرى تحت تدابير أمنية مشددة للغاية فرضتها فرقة العمل المشتركة للأمن والسلام، مما يعكس حجم المخاوف من اندلاع أعمال عنف أو اضطرابات في الأقاليم المضطربة التي تشهد نزاعات مسلحة مستمرة وخلافات عميقة حول النفوذ والحدود الإدارية، ورغم إعلان مجلس الانتخابات عن تسجيل أكثر من 54 مليون ناخب، إلا أن منظمات محلية تشكك في إمكانية تحقيق نزاهة كاملة في بعض الدوائر.
وتسعى القوى السياسية المشاركة في هذا الاستحقاق إلى السيطرة على مقاعد مجلس نواب الشعب البالغ عددها 547 مقعدا، غير أن غياب قوى معارضة بارزة عن المشهد الانتخابي إما بسبب الاعتقالات أو المقاطعة السياسية يثير تساؤلات جدية حول مدى التعددية الحقيقية في إثيوبيا، ويرى مراقبون دوليون أن حسم الانتخابات لصالح الحزب الحاكم قد لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة السياسية، بل قد يؤدي إلى تعميق النزاع مع الأقاليم التي تشعر بالتهميش من السلطة المركزية.
التحديات اللوجستية والأمنية في الأقاليم
وأفادت تقارير من منظمات مجتمع مدني معنية برصد النزاعات بأن انتشار أكثر من 52 ألف مركز اقتراع في أنحاء إثيوبيا يواجه عقبات لوجستية وأمنية كبرى، خاصة في المناطق التي تعاني من انفلات أمني أو تلك التي تضم آلاف النازحين جراء الحروب الداخلية، ورغم تأكيدات مفوضية الانتخابات بنشر مئات الآلاف من الموظفين، إلا أن التدفق الإنساني الضخم للنازحين والقيود المفروضة على الحركة تمنع قطاعات واسعة من المكونات الشعبية من ممارسة حق التصويت بحرية.
وتشير التقديرات المستقلة إلى أن الترتيبات الخاصة التي أعلنتها السلطات لتمكين نحو 29 ألف نازح داخلي وأكثر من 100 ألف من منتسبي الجيش من التصويت، تثير مخاوف المعارضة من إمكانية استغلال هذه الأصوات لصالح توجيه النتائج، وتمر هذه العملية الانتخابية باختبار حقيقي في ظل حالة عدم اليقين السائدة في إثيوبيا، حيث يرى قطاع واسع من الشارع أن الاقتراع يجرى بمعزل عن حل الأزمات الاقتصادية والمعيشية الطاحنة وتصاعد معدلات التضخم.
وتواجه المنظومة الأمنية المكثفة التي تضم الجيش والشرطة الفيدرالية اتهامات من بعض الأطراف المحلية بممارسة ضغوط غير معلنة على الناخبين في المراكز الفرعية، مما يضعف من مصداقية الرواية الرسمية حول توفير بيئة آمنة ومحايدة، وتطالب أطراف إقليمية بضرورة فتح تحقيق مستقل في الخروقات التي رصدتها شبكات الرصد المحلي ببعض الدوائر النائية في إثيوبيا، والتي شهدت توترات عسكرية قبيل فتح صناديق الاقتراع بأيام قليلة.
مواقف المراقبين الدوليين والتوازن المفقود
وشهدت العاصمة أديس أبابا وصول بعثات مراقبة من الاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، ومنظمة إيغاد بقيادة نائبة رئيس أوغندا السابقة سبيسيوسا كازيبوي، ورغم التصريحات الدبلوماسية الحذرة لهذه البعثات حول سير الاقتراع، إلا أن تقارير سياسية تشير إلى ضغوط تمارسها القوى الإقليمية لإضفاء شرعية على النظام القائم في إثيوبيا بغض النظر عن النواقص الإجرائية الواضحة، وهو ما يثير انتقادات القوى المناهضة لسياسات الحكومة الفيدرالية.
ويتنافس في هذه الانتخابات 42 حزبا سياسيا وأكثر من عشرة آلاف مرشح، لكن الخارطة السياسية تبدو غير متوازنة لصالح الكيانات المدعومة من السلطة، وتؤكد أوساط حقوقية أن الديمقراطية في إثيوبيا ما زالت تواجه مأزقا حقيقيا بسبب غياب الحوار الوطني الشامل واستمرار احتكار القرار السياسي، مما يجعل من الصعب على الأحزاب الصغيرة أو المرشحين المستقلين تحقيق خرق حقيقي يغير من طبيعة التوازنات الراهنة داخل البرلمان الفيدرالي.
وتراقب عواصم دولية وإقليمية مخرجات هذا الصناديق بكثير من التوجس، حيث يرتبط استقرار القرن الأفريقي بمدى قدرة النظام في إثيوبيا على احتواء الصراعات العرقية وليس فقط إجراء انتخابات صورية، وتشدد التقارير الدولية على أن محاولة فرض واقع سياسي جديد عبر صناديق الاقتراع دون معالجة مسببة لجذور الأزمة الإثيوبية قد تؤدي إلى جولة جديدة من المواجهات المسلحة والاضطرابات الميدانية التي لن تقف عند حدود الدولة.
بنية النظام الفيدرالي وصراع الصلاحيات
ويتكون النظام التشريعي المعقد في إثيوبيا من غرفتين هما مجلس نواب الشعب والمجلس الفيدرالي المعني بالفصل في النزاعات الدستورية وإدارة العلاقات بين الأقاليم، وتشهد مجريات اليوم صراعا خفيا على هوية المجالس الإقليمية التي تتمتع بصلاحيات واسعة بموجب الدستور الفيدرالي، حيث تحاول السلطة المركزية تقليص نفوذ القوميات الكبرى لصالح رؤية مركزية موحدة، وهو المحرك الأساسي للاضطرابات العنيفة التي تضرب أجزاء واسعة من البلاد.
وتستمر عمليات فرز الأصوات فور إغلاق الصناديق مساء اليوم وسط مخاوف من حدوث تلاعب في المحاضر الرسمية أثناء نقلها إلى المراكز الرئيسية، وتطالب المعارضة بضرورة إتاحة الفرصة للمراقبين المستقلين لحضور كافة مراحل العد والفرز لضمان حد أدنى من الشفافية، وفي ظل هذه الأجواء المشحونة تظل النتائج المرتقبة محل تشكيك مسبق من أطراف عدة ترى في الانتخابات الجارية في إثيوبيا أداة لتثبيت الحكم الحالي وليس تعبيرا عن التعددية.
وتتجه الأنظار في الساعات المقبلة نحو ما ستعلنه المفوضية الوطنية للانتخابات من نتائج أولية، والتي ستحدد تركيبة الحكومة الفيدرالية للسنوات الخمس المقبلة، لكن التحدي الأكبر الذي سيواجه إثيوبيا عقب هذا الاستحقاق يكمن في مدى قبول الشارع والأقاليم المتمردة بهذه النتائج، في ظل أزمة ثقة عميقة بين المكونات العرقية والدولة المركزية أضعفت من جدوى الحلول السياسية التقليدية وجعلت الصندوق الانتخابي مجرد إجراء إداري معزول.