< حرب الساعات الأخيرة.. تفاصيل الاعتراضات الصاروخية والغارات الجوية بين أمريكا وإيران
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

حرب الساعات الأخيرة.. تفاصيل الاعتراضات الصاروخية والغارات الجوية بين أمريكا وإيران

تبادل إطلاق النار
تبادل إطلاق النار بين أمريكا وإيران

تبادلت أمريكا وإيران ضربات عسكرية جديدة في منطقة الخليج العربي ومحيطها، ما زاد الضغط بشكل ملحوظ على مسار التهدئة الهش، وكشف عن عمق الخلافات التي تهدد وقف إطلاق النار المؤقت، وذلك في وقت تتواصل فيه الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين عبر وسطاء إقليميين ودوليين، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب المستمرة منذ ثلاثة أشهر، والتي ألقت بظلالها على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية.

​وحسب تقرير لشبكة الشرق الأوسط، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن القوات المشتركة نجحت في اعتراض وإسقاط صاروخين باليستيين، أطلقا من منصات داخل الأراضي الإيرانية واستهدفا مواقع حيوية تتمركز فيها قوات أميركية في دولة الكويت، مؤكدة أن الدفاعات الجوية تعاملت مع التهديد بكفاءة ودون تسجيل أي إصابات بشرية أو أضرار مادية في القواعد المستهدفة، مشددة على بقاء القوات في حالة يقظة تامة لردع أي هجمات مستقبيلة.

​وجاء هذا الإعلان العسكري بعد ساعات قليلة من تنفيذ المقاتلات الأميركية ضربات وصفتها بواشنطن بأنها تندرج تحت بند الدفاع عن النفس، واستهدفت مواقع رادار متطورة ومراكز قيادة وسيطرة مخصصة لتوجيه الطائرات المسيّرة في منطقة غورك وجزيرة قشم الإيرانية، وذلك رداً على إسقاط طائرة مسيّرة أميركية من طراز إم كيو تسعة فوق المياه الدولية، وتدمير منصات دفاع جوي ومحطة تحكم أرضية طالت سفن الشحن.

​وفي المقابل أكد بيان صادر عن قيادة الحرس الثوري الإيراني أن الهجوم الأميركي استهدف بشكل مباشر برج اتصالات حيوي في جزيرة سيريك بمحافظة هرمزغان المطلة على الخليج، موضحاً أن الوحدة الصاروخية التابعة له ردت فوراً باستهداف القاعدة الجوية التي انطلقت منها الطائرات الأميركية المعتدية، ومحذراً من أن أي تكرار لتلك الهجمات سيواجه برد مختلف تماماً، ومحملاً الإدارة الأميركية المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا التصعيد العسكري الخطير.

​وفي سياق متصل أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني أن حركة الملاحة في مضيق هرمز تحت السيطرة الكاملة لقطاعاتها البحرية، مشيرة إلى عبور خمس عشرة سفينة تجارية بينها أربع ناقلات نفط عملاقة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية بعد الحصول على إذن مسبق، ومحذرة السفن والناقلات من أن أي تعاون مع القوات الأجنبية المعادية المتواجدة خارج المنطقة سيعتبر تهديداً أمنياً وشيكاً وسيتم التعامل معه بحزم وفق القوانين.

​أزمة مضيق هرمز وتداعيات الاقتصاد العالمي

​أدت جولة التصعيد العسكري الأخيرة والضربات المتبادلة بين أمريكا وإيران إلى قفزة فورية في أسعار النفط العالمية في الأسواق والمواصفات القياسية، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة تجاوزت ثلاثة في المائة خلال التداولات الأخيرة، وسط مخاوف متزايدة لدى المستثمرين والشركات الدولية من تعطل خطوط الإمداد الحيوية عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو خمس النفط العالمي ونسب ضخمة من الغاز الطبيعي المسال المتجه للقارات المختلفة.

​وتزامن هذا التوتر المتصاعد في مياه الخليج مع تصعيد عسكري إسرائيلي جديد وواسع النطاق على الجبهة اللبنانية، مما دفع كبار المسؤولين في العاصمة الطهرانية إلى ربط أي اتفاق نهائي للتهدئة بوقف شامل لإطلاق النار على كافة الجبهات المشتعلة بالمنطقة، بما فيها الجبهة اللبنانية والفلسطينية، مما يعقد الحسابات الأميركية التي تسعى لفصل الملفات الإقليمية عن بعضها البعض لضمان تمرير الاتفاق المقترح وسلاسة تطبيقه ميدانياً.

​ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين بارزين في وزارة الدفاع الأميركية تأكيدهم استمرار العمليات البحرية الرامية لتوجيه وتأمين السفن التجارية عبر المضيق، حيث ساعدت القوات الأميركية في تنسيق عبور نحو سبعين سفينة تجارية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، دخولا وخروجاً من الخليج العربي، رغبة في توفير ممرات بديلة وآمنة لمالكي السفن الذين يرفضون الامتثال للشروط الإيرانية أو دفع رسوم عبور إضافية لصالح طهران.

​وأوضحت المصادر العسكرية الأميركية أن معظم السفن التجارية المارة آثرت تعطيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها طوال فترة العبور لتفادي الرصد والتتبع من قبل زوارق الحرس الثوري، كاشفة عن أن بعض المسارات المستخدمة تم اختيارها بعناية لتكون بعيدة عن الساحل الإيراني، لتقليل مخاطر التعرض لضربات مفاجئة بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ المحمولة التي تهدد سلامة الطواقم البحرية والشحنات التجارية الثمينة بالمنطقة.

​ورغم نجاح تلك العمليات المنسقة وتحمل بعض شركات الملاحة للمخاطر العالية، إلا أن حركة العبور الحالية تظل محدودة للغاية مقارنة بالفترات التي سبقت اندلاع الحرب الحالية، حيث كان المضيق يشهد عبور أكثر من مائة سفينة يومياً، مما يعكس حجم الشلل الجزئي الذي يواجه التجارة الدولية، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على القوى الكبرى التي تسعى جاهدة لإعادة فتح الممر المائي بالكامل وبشكل مستدام وفوري.

​الموقف التفاوضي وشروط الرئيس ترمب

​وسط هذه الأجواء المشحونة بالتهديدات المتبادلة بين أمريكا وإيران، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمنشورات عبر منصات التواصل الاجتماعي ليعبر عن تفاؤله المستمر بإمكانية التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، مؤكداً أن القيادة الإيرانية ترغب فعلياً وبشدة في توقيع معاهدة جديدة، ومشيراً إلى أن الاتفاق المحتمل سيكون مفيداً وممتازاً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإستراتيجيين في الشرق الأوسط، ويسهم في استعادة الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي.

​ووجه الرئيس الأميركي انتقادات حادة للضغوط الممارسة عليه من قبل نواب ديمقراطيين وبعض أركان الحزب الجمهوري، الذين يطالبونه بالتنازل أو الإسراع في توقيع الاتفاق أو إعلان الحرب الشاملة، معتبراً أن تلك المواقف المتباينة تجعل مهمته التفاوضية مع طهران أكثر صعوبة وتعقيداً، وداعياً منتقديه إلى الهدوء والاسترخاء، ومؤكداً بثقة أن الأمور والملفات العالقة ستنتهي بشكل جيد ومثمر لصالح واشنطن في نهاية المطاف.

​ودافع ترمب بقوة عن الإطار العام للمفاوضات الجارية حالياً، نافياً بشكل قاطع التقارير الإعلامية التي زعمت أن المسودة المقترحة تتجاهل الملف النووي الإيراني الساخن، وموضحاً أن نص الاتفاق المرتقب ينص بوضوح تام وبنود صارمة على منع إيران من امتلاك أي سلاح نووي، ويتضمن تفاصيل موسعة ومقيدة تتعلق بكافة جوانب ومرافق البرنامج الذري الإيراني، لضمان السلم والأمن في المنطقة على المدى الطويل.

​وفي المقابل، كشف مسؤولون في البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي قام بتشديد الشروط المفروضة في إطار الاتفاق المقترح خلال الساعات الأخيرة، مما يعكس استمرار الخلافات العميقة والجوهرية بين واشنطن وطهران حول قضايا رئيسية، تشمل حجم وطبيعة العقوبات الاقتصادية المفروضة، وآليات الإفراج عن الأموال الإيرانية الضخمة المجمدة في البنوك العالمية، إلى جانب الترتيبات الأمنية والعسكرية النهائية الخاصة بالملاحة في مضيق هرمز.

​وتشير التحركات الدبلوماسية الأخيرة إلى أن الإدارة الأميركية الحالية تحاول استغلال أوراق الضغط الاقتصادي والحصار البحري المفروض لانتزاع أكبر قدر من التنازلات من الجانب الإيراني، حيث أفادت التقارير بأن قوات البحرية الأميركية نفذت عمليات تفتيش دقيقة على ناقلات نفط إيرانية في المياه الدولية، لضمان الامتثال التام للعقوبات، وتوجيه رسالة صارمة لطهران بأن الخيار العسكري يظل مطروحاً بجانب المسار الدبلوماسي المعقد.

​الاتهامات المتبادلة ومستقبل التهدئة

​من جانبه، اتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الإدارة الأميركية بالتعمد في إطالة أمد المفاوضات عبر تغيير مواقفها السياسية باستمرار، وطرح مطالب جديدة ومتناقضة في كل جولة تفاوضية، مشيراً إلى أن تبادل الرسائل بين أمريكا وإيران لا يزال مستمراً عبر الوسطاء، ولكنه يجري حالياً في أجواء مشحونة بسوء الظن والارتياب الشديد، نظراً للتصعيد الميداني المستمر في مياه الخليج.

​وأوضح المتحدث الإيراني أن الدبلوماسية بين الدول لا تعني بالضرورة وجود ثقة متبادلة بين الأطراف المتنازعة، خاصة وأن هذه المفاوضات انطلقت أساساً في ظل انعدام كامل للثقة وتاريخ طويل من العداء، مؤكداً أن الرسائل الأميركية المتناقضة لن تنجح في فرض إرادتها إذا كانت جزءاً من تكتيك تفاوضي للضغط، ومطالباً واشنطن باتخاذ موقف واضح وحاسم لإنهاء الأزمة الراهنة دون مواربة.

​واعتبرت الخارجية الإيرانية أن الهجمات الأميركية التي استهدفت مواقع في جنوب إيران تمثل انتهاكاً صارخاً وصريحاً لتفاهمات وقف إطلاق النار المؤقت، مشددة على أن تلك التحركات العسكرية تعزز الشكوك حول النوايا الأميركية الحقيقية، وتمنح بلادها الحق الكامل والمشروع في اتخاذ كافة الإجراءات الدفاعية والضربات العسكرية المقابلة لحماية سيادتها وأراضيها ومصالحها الإستراتيجية في المنطقة ضد أي اعتداء خارجي.

​وأشار المسؤول الإيراني إلى أن بلاده تنظر بجدية وقلق إلى التحركات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في المنطقة، وبخاصة التصعيد الأخير ضد الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن طهران لا تفصل تلك التحركات عن السياسة الأميركية العامة الداعمة لتل أبيب، مما يجعل ملف التهدئة الإقليمية متكاملاً ولا يمكن تجزئته، ويفرض على الوسطاء ضرورة تقديم ضمانات حقيقية وشاملة تشمل كافة الجبهات لضمان نجاح الاتفاق النهائي.

​ومع استمرار شد الحبل والضربات المتبادلة بين أمريكا وإيران، يبقى مشهد الشرق الأوسط مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتأرجح المنطقة بين فرص نجاح الدبلوماسية الصعبة التي يقودها ترمب بشروطه المشددة، وبين خطر الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة النطاق قد تدمر البنية التحتية للطاقة وتفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً ومعقداً يصعب السيطرة على تداعياته الكارثية على العالم أجمع.