أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة نيويورك يكشف لتحيا مصر: إشراك المواطنين في الصناعة يعتبر أكبر تحول اقتصادي في مصر خلال 20 عامًا
التقي موقع تحيا مصر بالدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل بجامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، أحد أهم الشخصيات البارزه في مجال الاقتصاد الدولي، حيث تحدث عن مستقبل الاستثمار الصناعي في مصر.
خاصة بعد توجه الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي ، نحو توسيع قاعدة الاستثمار لتشمل المواطنين العاديين، وليس فقط كبار المستثمرين، وما إذا كانت مصر تقف بالفعل أمام تحول اقتصادي حقيقي يجعل المواطن شريكًا في الصناعة والإنتاج وتكوين الثروه.
هل يمكن اعتبار هذا التوجه من قبل الحكومة المصرية نموذجا لاقتصاد أكثر شمولة؟
نعم، من حيث المبدأ يمكن اعتبار توسيع قاعدة الملكية والاستثمار الصناعي لتشمل المواطنين العاديين، وليس فقط كبار المستثمرين، خطوة في اتجاه اقتصاد أكثر شمولاً (Inclusive Economy)، إذا كان الهدف هو إتاحة الفرصة لشرائح أوسع من المجتمع للمشاركة في تكوين الثروة والاستفادة من النمو الاقتصادي لكن تقييم نجاح هذا التوجه يعتمد على كيفية تطبيقه عملياً.
كيف يجعل الاقتصاد أكثر شمولاً؟
عندما يشارك المواطنون في الاستثمار الصناعي من خلال الاكتتابات العامة أو الصناديق الاستثمارية أو ملكية أسهم الشركات الصناعية:
-يتوسع توزيع العوائد الاقتصادية بدلاً من تركّزها لدى عدد محدود من المستثمرين.
-تزداد معدلات الادخار والاستثمار المحلي.
-يرتب المواطن مباشرة بنجاح القطاع الإنتاجي وليس فقط بالدخل من العمل.
-تتكون طبقة أوسع من المساهمين وأصحاب الأصول، وهو عنصر مهم في التنمية طويلة الأجل.
كيف يساهم الاستثمار الصناعي في النمو طويل المدى؟
الاقتصاديات التي حققت قفزات تنموية كبيرة، مثل كوريا الجنوبية والصين وماليزيا، اعتمدت بدرجات متفاوتة على توسيع القاعدة الصناعية للأسباب التالية:
-الصناعة ترفع الإنتاجية أكثر من كثير من الأنشطة الخدمية.
-الصناعة تخلق سلاسل توريد وفرص عمل ذات قيمة مضافة أعلى.
-تزيد الصادرات وتدعم استقرار العملة الأجنبية.
-تنقل التكنولوجيا والخبرات الفنية.
-ترفع متوسط الأجور على المدى الطويل.
وتمتلك فرصة كبيرة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام خلال السنوات المقبلة، إذا نجحت في زيادة عدد المصانع المنتجة فعليًا، ورفع نسبة المكون المحلي، والتوسع في الصادرات الصناعية، إلى جانب تمكين المواطنين من الاستثمار عبر آليات ميسرة وشفافة، وتطوير سوق المال ليقوم بدور أكبر في تمويل المشروعات الصناعية.
وأوضح أن تحقيق هذه العناصر من شأنه أن ينعكس بشكل إيجابي على معدلات النمو وتكوين الثروة خلال العقدين المقبلين.
وفيما يخص التحديات مجرد مشاركة المواطنين في الملكية لا يكفي وحده: فنجاح التجربة يتطلب الآتي:
.اختيار مشروعات ذات جدوى اقتصادية حقيقية.
.حوكمة وإفصاح مالي قوي.
.سهولة دخول وخروج المستثمرين.
.حماية حقوق صغار المساهمين.
.استقرار السياسات الاقتصادية والضريبية.
يمكن اعتبار توسيع مشاركة المواطنين في الاستثمار الصناعي نموذجًا لاقتصاد أكثر شمولًا، إذا اقترن بملكية حقيقية وعوائد فعلية وفرص متكافئة لجميع المستثمرين. وعلى المدى الطويل، فإن توسيع قاعدة الاستثمار الصناعي قد يصبح أحد أهم محركات النمو في مصر، لأنه يربط بين الادخار المحلي والإنتاج والتصدير وتكوين الثروة، وهي الركائز الأساسية لأي نهضة اقتصادية مستدامة.
هل نحن أمام تحول اقتصادي حقيقي يجعل المواطن شريكًا في الصناعة وليس مجرد مستهلك؟ وهل هذا هو النموذج الذي اتبعته الاقتصادات الكبرى لبناء ثرواتها وتعزيز قدرتها التنافسية عالميًا؟
تعتمد الإجابة على مدى عمق واستمرارية هذا التوجه. فإذا أصبح المواطن المصري يشارك بصورة حقيقية في تمويل وامتلاك المشروعات الصناعية، ويحصل على نصيب من أرباحها وعوائد نموها، فإننا نكون أمام انتقال تدريجي من نموذج اقتصادي يعتمد على المستهلك والعامل فقط، إلى نموذج يجعل المواطن شريكًا في الإنتاج وتكوين الثروة.
تاريخيًا، لم تبنِ الاقتصادات الكبرى ثرواتها بالاعتماد على الاستهلاك وحده، بل على ثلاثة عناصر رئيسية:
.توسيع قاعدة الملكية والاستثمار.
.تشجيع الإنتاج الصناعي والتكنولوجي.
.تعبئة المدخرات المحلية وتحويلها إلى استثمارات منتجة.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية، لعبت أسواق المال وانتشار ملكية الأسهم دورًا كبيرًا في تمويل الشركات الصناعية العملاقة. وفي اليابان وكوريا الجنوبية، جرى توجيه المدخرات الوطنية نحو الصناعة والتصدير والتكنولوجيا على مدار عقود طويلة. أما في الصين، فقد اعتمدت على تعبئة ضخمة للمدخرات وتوجيهها إلى الاستثمارات الصناعية، ما ساهم في تحولها إلى أكبر قاعدة صناعية في العالم.
لكن هناك نقطة مهمة، وهي أن النجاح في هذه التجارب لم يكن ناتجًا عن إشراك المواطنين في الملكية فقط، بل عن وجود مصانع وشركات قادرة على المنافسة عالميًا، وتصدير منتجاتها، وتحقيق أرباح مستدامة.
لذلك يمكن القول إن مصر قد تكون بالفعل أمام خطوة نحو نموذج اقتصادي أكثر شمولًا إذا تحققت عدة شروط:
-توسيع ملكية الأصول الإنتاجية للمواطنين.
-زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي والصادرات.
-توفير أدوات استثمارية سهلة وآمنة لصغار المستثمرين.
-تعزيز الشفافية والحوكمة.
-التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
وعندها يصبح المواطن ليس مجرد مستهلك للسلع أو مودعًا لأمواله في البنوك، بل مساهمًا في شركات ومصانع تنتج وتُصدّر وتحقق أرباحًا.
وأضاف أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا تمكنت مصر من توجيه جزء معتبر من مدخرات المواطنين نحو استثمارات صناعية منتجة، فهل يمكن أن يؤدي ذلك خلال العقدين المقبلين إلى نشوء طبقة واسعة من المساهمين وأصحاب الأصول، على غرار ما حدث في العديد من الاقتصادات الصناعية الناجحة؟ مؤكدًا أن هذا هو الاختبار الحقيقي لأي تحول اقتصادي طويل الأجل.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور نبيل زكي أن توسيع مشاركة المواطنين في الاستثمار الصناعي يمكن أن يمثل تحولًا اقتصاديًا مهمًا، إذا ارتبط بالإنتاج الحقيقي والتصدير والحوكمة الرشيدة، مشيرًا إلى أن نجاح التجربة لن يُقاس فقط بعدد المشاركين فيها، وإنما بقدرتها على خلق ثروة مستدامة، وتوسيع قاعدة المُلّاك والمستثمرين، وربط المدخرات الوطنية بمشروعات إنتاجية قادرة على المنافسة والنمو على المدى الطويل.