< ترامب يخطف الأنظار في قمة السبع بفرنسا وسط ترقب لاتفاق الإطار مع طهران
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

ترامب يخطف الأنظار في قمة السبع بفرنسا وسط ترقب لاتفاق الإطار مع طهران

ترامب
ترامب

تنطلق غدا الإثنين في منتجع إيفيان الفرنسي المطل على بحيرة جنيف ليمان الواقع شرق البلاد قرب الحدود السويسرية قمة السبع التي تضم بعض أكبر الاقتصادات في العالم.

 وتأتي هذه الدورة وسط تدابير أمنية استثنائية مشددة للغاية على جانبي الحدود الفرنسية السويسرية لضمان سلامة الوفود المشاركة ومنع أي اختراقات أمنية قد تشوش على جدول الأعمال المكثف.

​وحسب تقرير لموقع صحيفة الشرق الأوسط الدولية فقد نشر الجانب الفرنسي في منطقة هوت سافوا حيث تقع مدينة إيفيان الشهيرة بمياهها المعدنية وفنادقها الفخمة نحو ستة عشر ألف عنصر من الشرطة والدرك والجنود ورجال الإطفاء وحرس الحدود مزودين بزوارق ودراجات نارية وطائرات مسيرة إلى جانب وحدات الخيالة والكلاب المدربة لحفظ الأمن.

​وأكدت السلطات السويسرية من جانبها نشر ما لا يقل عن أربعة آلاف جندي لتوفير الحماية الجوية والأرضية وفي مياه البحيرة لا سيما وأن جنيف تنتظر وصول آلاف المحتجين على انعقاد قمة السبع وسياساتها الليبرالية حيث عبأت الحكومة الفيدرالية السويسرية عدة آلاف من الجنود الإضافيين لدعم قوات الشرطة المحلية في المدينة ومحيطها المباشر.

​وعمدت السلطات في باريس إلى إرسال المئات من عناصر أجهزتها الأمنية الحساسة إلى مطار جنيف الدولي حيث من المقرر أن تهبط طائرات رؤساء الدول والوفود المشاركة في أعمال قمة السبع وبدا واضحاً أن الهم الأساسي للسلطات الفرنسية والسويسرية هو تجنب تكرار ما شهدته جنيف سابقاً من مظاهرات عارمة وأعمال شغب واسعة.

​وتتخوف السلطات السويسرية والفرنسية من تجدد تلك الصدامات التي وقعت بمناسبة قمة الثمانية التي التأمت برئاسة فرنسية في صيف عام ألفين وثلاثة في عهد الرئيس الراحل جاك شيراك ولذلك تم رفع درجات التأهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة وتطويق كافة المنافذ المؤدية إلى مقر انعقاد القادة لتفادي التهديدات.

​دبلوماسية القصور في قمة السبع وسعي فرنسي لإنجاحها

​وتحرص باريس التي تترأس المجموعة للعام الحالي على توفير كافة عناصر النجاح التنظيمي والسياسي لهذه اللقاءات الدولية خصوصاً أنها القمة الأخيرة التي تحصل في إطار رئاسة إيمانويل ماكرون الذي سيغادر قصر الإليزيه مع انتهاء ولايته الرئاسية الثانية في ربيع العام المقبل مما يجعله يستثمر كل ثقله الدبلوماسي لترك بصمة تاريخية.

​ويعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأقدم من بين كافة قادة الدول الحاضرين في هذه اللقاءات الدولية بمنتجع إيفيان حيث سبق له في عام ألفين وتسعة عشر أن استضاف قمة مشابهة في منتجع بياريتز بجنوب غرب فرنسا المطل على المحيط الأطلسي والتي شهدت حينها تجاذبات كبيرة ومفاوضات شاقة حول ملفات التجارة الدولية والبيئة.

​وبيد أن أهم ما شغل الدبلوماسية الفرنسية على المستوى الرئاسي أو وزارة الخارجية هو ضمان مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من بداية اللقاءات حتى نهايتها وأن تحصل المداولات بسلاسة تامة بحيث تتفادى باريس ما حصل في قمة تورنتو العام الماضي عندما غادر ترمب فجأة ورفض التوقيع على البيان الختامي المشترك.

​واستبعدت باريس من جدول الأعمال كافة الملفات الخلافية الحادة مثل قضايا البيئة والتصحر الحراري والرسوم الجمركية الحمائية التي يفضلها ترمب وحضرت الرئاسة الفرنسية للرئيس الأميركي تكريماً استثنائياً يتضمن دعوته لعشاء احتفالي فاخر في قصر فرساي التاريخي الواقع على مدخل باريس الغربي عقب انتهاء أعمال القمة الرسمية عصر يوم الأربعاء المقبل.

​ويأتي هذا التكريم الفرنسي الخاص في قصر فرساي احتفالاً بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية ومعروف تاريخياً أن فرنسا قدمت في زمن الملك لويس السادس عشر بدءاً من عام ألف وسبعمئة وثمانية وسبعين دعماً مالياً وعسكرياً ضخماً للمتمردين الأميركيين ضد المستعمر الإنجليزي في ذلك الوقت لتعزيز تحالفهما المشترك.

​وقاد القوة الفرنسية حينها المركيز دو لافاييت الذي لعب دوراً كبيراً في معركة حصار يورك تاون الشهيرة عام ألف وسبعمئة وواحد وثمانين وذكرت الرئاسة الفرنسية أنه في نفس العام وقعت في قصر فرساي المعاهدة التاريخية التي كرست استقلال الولايات المتحدة مما يبرر دعوة ترمب الحالية إلى القصر.

​ولكن الدعم المالي والعسكري الكبير الذي قدمته باريس في تلك الفترة التاريخية أفقر ميزانيتها العامة بشكل حاد وساهم مباشرة في اندلاع الثورة الفرنسية التي أفضت بالملك لويس السادس عشر بعد عشرة أعوام إلى المقصلة في ساحة الكونكورد الشهيرة بوسط العاصمة الفرنسية ليتحول الدعم إلى سبب في تغيير نظام الحكم الفرنسي بالكامل.

​ولن تشذ هذه القمة الحالية عن غيرها من اللقاءات الدولية التي شارك فيها دونالد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض حيث سيكون الشخصية المركزية المحورية التي تتجه إليها الأنظار ويلتقي الرئيس الأميركي والقادة الآخرون معاً للمرة الأولى منذ الحرب التي أطلقها الأول مع إسرائيل ضد إيران في شباط الماضي.

​ولم يحظ ترمب بدعم أي من القادة الستة الآخرين في تلك الحرب بل لم تتردد أكثريتهم في التنديد بها علانية كما رفضوا الاستجابة لدعوات واشنطن المتكررة بمساندة بلاده عسكرياً خصوصاً في ضمان حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي أدى إغلاقه إلى أزمة طاقة عالمية حادة واهتزاز الاقتصاد.

​بيد أن اقتراب توقيع اتفاق إطار جديد بين الولايات المتحدة وإيران سيخفف من الضغوط السياسية الدولية على الرئيس الأميركي الذي كان حريصاً للغاية على تزامن التوقيع على هذا الاتفاق الإطاري الجديد مع استحقاقين بارزين وهما عيد ميلاده الثمانون وانعقاد قمة السبع الحالية في فرنسا وسط ترقب ومتابعة دولية واسعة.

​مصير مضيق هرمز على طاولة قمة السبع

​وسيشكل مصير الحرب الحالية مع إيران وحرية الملاحة البحرية الدولية في مضيق هرمز أحد الملفات الرئيسية الساخنة التي تبحثها قمة السبع وسيطرح هذا الملف المعقد مرتين الأولى في اجتماع موسع يضم القادة السبع مع قادة مصر وقطر والإمارات الذين حضروا إلى منتجع إيفيان بناء على دعوة خاصة من ماكرون.

​كذلك سيطرح الملف الإيراني ومستقبل المنطقة في الاجتماعات الثنائية المنفردة التي سيعقدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع القادة العرب الثلاثة ومع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي واستبقت المصادر الرئاسية الفرنسية القمة بتأكيد أن القادة في إيفيان سيسعون جاهدين للوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن المطالب الأساسية الموجهة لطهران.

​وتشمل المطالب الموجهة إلى إيران ملف برنامجها النووي المثيرة للجدل وبرنامجها المتطور للصواريخ الباليستية وسياستها الإقليمية وبكلام آخر فإن ثمة رغبة قوية خصوصاً من الجانب الأوروبي في العودة الجماعية للملف الإيراني وعدم تركه للولايات المتحدة لتتصرف فيه بشكل انفرادي قد يؤدي إلى تفجير الأوضاع مجدداً بالشرق الأوسط.

​وثمة تخوف أوروبي كبير من أحادية التفرد الأميركي في إدارة الأزمات الدولية بيد أن الترويكا الأوروبية المشكلة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا تمتلك ورقة ضغط مؤثرة عنوانها العقوبات الثنائية الأوروبية والعقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والتي يحتاج رفعها أو تقليصها لموافقة الترويكا والاتحاد الأوروبي مجتمعين في الفترات المقبلة.

​وسيوفر الحضور العربي المتميز في منتجع إيفيان الفرصة الحقيقية للدفاع عن المصالح العربية والإقليمية وصياغة تصور شامل لمستقبل العلاقات السياسية والأمنية مع طهران في مرحلة ما بعد الحرب ومن جانب آخر تريد فرنسا وبريطانيا اللتان أطلقتا مبادرة لإقامة تحالف بحري دفاعي مستقل ضمان حرية الملاحة في المضيق.

​وترغب باريس ولندن في التباحث المباشر مع ترمب للنظر في كيفية السير بهذه الخطة التنسيقية مع الجانب الأميركي الذي لا ينوي في الوقت الراهن سحب أسطوله العسكري من المنطقة ويدور التساؤل الدبلوماسي عن فائدة التحالف المذكور في حال عاد المضيق حراً وآمناً بفضل التوافق الأميركي الإيراني المحتمل.

​وتتفق كافة الأطراف الدولية على ضرورة حرية الإبحار في المضيق دون فرض أي رسوم في حين تخطط إيران لجعله مصدر دخل رئيسياً من خلال ما تسميه بدل الخدمات وأفاد مسؤول أميركي بأن ترمب يرغب في مناقشة مسألة إزالة الألغام البحرية من مضيق هرمز بعدما أعربت بريطانيا وفرنسا عن اهتمامهما بالمساعدة.

​الحرب في أوكرانيا والدعم الأوروبي أمام قمة السبع

​ورغب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى قمة السبع التي ستخصص جلسة كاملة ومطولة لمناقشة ملف الحرب المستعرة مع روسيا وهم الأوروبيين كما تؤكد المصادر الرئاسية الفرنسية هو اجتذاب الإدارة الأميركية للاهتمام مجدداً بهذا الملف بعد أن أهملته طوال الأشهر الثلاثة الماضية.

​ويعود الإهمال الأميركي للملف الأوكراني إلى انشغال واشنطن بالحرب مع إيران من جهة ولتخليها من جهة أخرى عن توفير الدعم المالي والعسكري المباشر لكييف ووفق المصادر نفسها فإن الأوروبيين يرون أن الخطط الأميركية للسلام في أوكرانيا لم تعد ذات معنى بسبب تغير الوضع الميداني نسبياً لصالح القوات الأوكرانية.

​وكانت الخطط الأميركية السابقة تلحظ تخلي كييف عن كامل منطقة الدونباس التي لا تسيطر عليها القوات الروسية كلية ويستشعر الأوروبيون ثقل الملف الأوكراني الذي خصصوا له مؤخراً مبلغاً ضخماً قدره تسعون مليار يورو كقروض مالية ولتغطية النفقات العسكرية بما فيها شراء أسلحة أميركية متطورة لصالح الجيش الأوكراني.

​لكن لا شيء في الأفق السياسي يتيح توقع انخراط أميركي مستجد وفاعل في الملف الأوكراني ولعل أحد المؤشرات البارزة أن البيت الأبيض أفاد بأنه لا يوجد أي اجتماع انفرادي مخصص لترمب مع زيلينسكي على هامش قمة السبع الحالية لكن لا شيء يمنع تلاقيهما العابر أثناء الاجتماع العام المخصص لأوكرانيا.

​حروب إسرائيل وملفات غزة ولبنان في قمة السبع

​ورغم الأهمية البالغة للملفين الإيراني والأوكراني فإن باريس عازمة على طرح ملف الحرب الإسرائيلية على غزة وملف الحرب بين إسرائيل وحزب الله على طاولة المباحثات نظراً لقوة التأثير الأميركي بصددهما والحال أن خطة ترمب للسلام في غزة لم ينفذ منها سوى النزر القليل حتى الآن بسبب التعنت المستمر.

​وتأمل باريس الاستفادة القصوى من قمة السبع الحالية التي ستنقل إليها توصيات منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والإسرائيلي الصادرة عن اجتماعات موسعة استضافتها العاصمة الفرنسية يوم الجمعة الماضي لإعادة تعويم خطة حل الدولتين وإعلان نيويورك الذي تبنته مئة واثنتان وأربعون دولة في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار دولي.

​أما اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان المبرم في السادس عشر من نيسان الماضي فهو يعد نظرياً إلى حد بعيد وثمة جدل سياسي واسع حول ما يتضمنه الإطار الأميركي الإيراني حول لبنان أما المحادثات اللبنانية الإسرائيلية التي ترعاها واشنطن في مقر وزارة خارجيتها فقد أفضت إلى خطة هشة رفضها حزب الله.

​وفي المقابل فإن إسرائيل عازمة على توسيع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان امتداداً إلى سهل البقاع ومن غير قرار أميركي حاسم وصارم فإن الأزمة اللبنانية مرشحة للبقاء على حالها المتفجر لأمد غير معلوم مما يهدد بجر المنطقة برمتها إلى حرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة على عواقبها الوخيمة.

​المسائل الاقتصادية والحوكمة العالمية في قمة السبع

​ويبقى أن المهمة الأولى والأساسية لقادة قمة السبع هي معالجة المسائل الاقتصادية والمالية الكبرى وسعت باريس لضم قادة من مجموعة العشرين لغرض توفير أفضل توافق دولي بشأنها من خلال دعوة خمس دول تنتمي إلى نادي العشرين وهي الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية ومصر وكينيا لدعم القرارات الصادرة.

​وتمثل الدولتان الأخيرتان الاتحاد الأفريقي داخل مجموعة العشرين لضمان مشاركة القارة السمراء في صياغة السياسات المالية العالمية وقال قصر الإليزيه إن قرابة ستة عشر بياناً ختامياً ستصدر عن قمة السبع لتتناول مروحة واسعة من المسائل الاقتصادية الكبرى مثل إطلاق عجلة النمو الاقتصادي والحوكمة العالمية المتكاملة وأمن الطاقة المتجددة.

​وستشمل البيانات أيضاً ملفات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وصولاً إلى المسائل الاجتماعية الحيوية مثل تعزيز التصدي الدولي لأمراض السرطان وتطوير المنظومات الصحية العالمية لمواجهة الأوبئة المستجدة وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي للدول النامية ومكافحة الفقر والبطالة عبر مشاريع تنموية مستدامة وعادلة تشمل كافة المجتمعات المتضررة من الأزمات الاقتصادية والحروب المستمرة.

​وتسعى فرنسا من خلال هذه الملفات المتنوعة إلى تحقيق توازن بين المطالب الاقتصادية للدول الكبرى واحتياجات الدول النامية مما يضفي على الاجتماعات طابعاً شاملاً يتجاوز المصالح الضيقة لأعضاء النادي المغلق نحو صياغة خريطة طريق اقتصادية عالمية جديدة قادرة على الصمود أمام التحديات الجيوسياسية الراهنة التي تعصف بالعالم وتؤثر على حركة التجارة.

​ويترقب المراقبون الدوليون النتائج الفعلية التي ستسفر عنها المداولات المغلقة بين القادة في إيفيان ومدى التزام الإدارة الأمريكية بتنفيذ المقررات المشتركة خاصة في ظل التوجهات الحمائية والأحادية التي طالما ميزت سياسة الرئيس دونالد ترمب في ولايته الجديدة مما يجعل التوافق الكامل امتحاناً عسيراً للدبلوماسية الفرنسية والأوروبية في هذا المحفل البارز.

​وانطلاقاً من هذه التحديات فإن الأيام الثلاثة للقمة ستكون حافلة باللقاءات الثنائية والمفاوضات الشاقة خلف الكواليس لتقريب وجهات النظر المتباعدة حول غزة ولبنان وأوكرانيا وإيران وتأمين الاقتصاد العالمي من الهزات المفاجئة المرتبطة بالنزاعات المسلحة وممرات الملاحة الحيوية التي تشكل شريان الحياة للتجارة الدولية بين الشرق والغرب في هذا الوقت الحرج.