< مضيق هرمز يستعد لاستقبال الناقلات.. هبوط النفط 4.5% عقب إعلان إنهاء الحرب
تحيا مصر
رئيس التحرير
عمرو الديب

مضيق هرمز يستعد لاستقبال الناقلات.. هبوط النفط 4.5% عقب إعلان إنهاء الحرب

مضيق هرمز
مضيق هرمز

عاد الأمل مجدداً للاقتصاد العالمي عقب إعلان رئيس الولايات المتحدة عن توصُّل واشنطن وطهران إلى اتفاق سلام أولي يقضي بإنهاء الحرب الدائرة وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً، وجاءت الكلمات الحماسية عبر المنصات الرقمية بمثابة ضوء أخضر طال انتظاره لأسواق المال والطاقة التي عانت من ارتدادات عنيفة منذ اندلاع الصراع المسلح في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

 ومع تحديد يوم الجمعة المقبل موعداً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم المشتركة في سويسرا بدأت الأسواق العالمية في تسعير الانفراجة الجيوسياسية فوراً، حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت أربعة ونصف في المائة لتستقر دون مستوى أربعة وثمانين دولاراً للبرميل مسجلة أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى للحرب في مارس، بينما قفزت مؤشرات الأسهم الآسيوية في طوكيو وسيول بنحو خمسة في المائة واستعادت سوق العملات المشفرة زخمها مع تحليق البتكوين فوق مستوى خمسة وستين ألفاً وستمائة دولار.

وحسب تقرير لوكالة رويترز العالمية للأنباء فإن إعادة فتح مضيق هرمز تُمثل طوق نجاة عاجل لمنطقة آسيا التي تحملت العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية نظراً لاعتمادها الهائل على إمدادات الطاقة الخليجية، إذ تتجه عادة أكثر من ثمانين في المائة من كميات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تعبر الممر المائي إلى الأسواق الآسيوية، وخلال أشهر الحرب هوت العملات وتفاقم التضخم وضغطت أزمة النقص الحاد في المعروض المادي للطاقة على التوقعات الاقتصادية للدول النامية مثل باكستان وفيتنام والفلبين التي اضطرت الأخيرة لإعلان حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة، وحتى القوى الصناعية الكبرى ذات الاحتياطيات العميقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية عانت من ضغوط غير مسبوقة على عملاتها الوطنية جراء فواتير الاستيراد المتضخمة، ومن هنا سارع القادة في المنطقة إلى الترحيب بالاتفاق التاريخي لإنهاء الأزمة.

آسيا تتنفس الصعداء وترحب بالانفراجة الجيوسياسية

وصفت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي الاتفاق بأنه خطوة كبرى نحو الحل وأعربت عن أملها في ضمان ملاحة حرة وآمنة فعلياً في المنطقة، وهو ما أيده رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز معتبراً استعادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أمراً أساسياً لتخفيف الضغوط عن كاهل الاقتصادات الإقليمية التي تضررت بشدة، ورغم التفاؤل المفرط الذي ساد الأسواق يرفع خبراء الاقتصاد ومحللو قطاع الطاقة راية الحذر مؤكدين أن عودة التدفقات التجاريّة إلى طبيعتها ستستغرق أسابيع أو ربما أشهراً طويلة جراء التراكمات السابقة، ويرى جوشوا نغو نائب رئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ في استشارية الطاقة وود ماكنزي أن النبأ السار يتمثل في عودة تدفق النفط والغاز فوراً، لكن النبأ السيئ هو أن كل يوم قضاه الممر مغلقاً ضاعف من حجم الأضرار الهيكلية وأدَّى إلى تفشي الاضطرابات عميقاً في قطاع اللوجستيات.

وتشير تقارير شبكة بلومبرغ الاقتصادية إلى أن أزمة الغاز الطبيعي المسال تبرز كإحدى أكثر القضايا تعقيداً في الوقت الراهن جراء الإغلاق، فأسعار الغاز في القارة الآسيوية ترتبط عادة بأسعار النفط مع فجوة زمنية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر تقريباً، وهذا يعني أن أسعار النفط المرتفعة التي بلغت مائة دولار في مارس الماضي لن تنعكس بالكامل على أسواق الغاز إلا خلال الأشهر المقبلة، وبالتالي ستبقى أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء مرتفعة ومؤرقة للمستهلكين حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير، ولا تتوقف أهمية مضيق هرمز عند حدود براميل النفط بل تمتد إلى سلع استراتيجية تدير عصب الحياة اليومية والصناعية، وتعد دول الخليج العربي مصدراً لأكثر من ثلث المعروض العالمي من سماد اليوريا وهو المكون الأساسي للأسمدة النيتروجينية المستخدمة في قطاع الزراعة العالمي.

تحذيرات دولية من تداعيات الأزمة على الأمن الغذائي

تسبب إغلاق مضيق هرمز في إفساد ذروة موسم الزراعة في جنوب شرق آسيا الممتد من مايو إلى يوليو، وحذر ألبرت بارك كبير اقتصاديي بنك التنمية الآسيوي من أن هذا الخلل الكبير سيهدد الأمن الغذائي العالمي بشكل مباشر، ولن تظهر الآثار الحادة لانخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية إلا في وقت لاحق من هذا العام، وعلى الجانب الصناعي واجهت المصانع في اليابان وكوريا الجنوبية نقصاً حاداً في النافتا وهي مشتق نفطي حيوي يُستخدم في صناعة البلاستيك وتغليف المواد الغذائية، إلى جانب شح إمدادات الهيليوم الضروري لإنتاج أشباه الموصلات، وشبّه هاروهيكو ساكاينو مستشار وكالة الموارد الطبيعية والطاقة اليابانية تضرر سلاسل الإمداد بالشعيرات الدموية التي تم تدميرها وتتطلب وقتاً طويلاً للشفاء، مؤكداً أن الأمر يتطلب عاماً كاملاً لتستعيد الشركات الصغيرة قدراتها الإنتاجية.

ووفقاً لتقارير صحيفة إنديان إكسبريس فإن الاتفاق يمثل بالنسبة لجمهورية الهند التي تصنف كواحدة من أكبر مستوردي الخام في العالم انفراجة مالية ضخمة، إذ سيسهم العبور الآمن لناقلات النفط والغاز من الموردين الرئيسيين في خفض تكاليف الشحن الفلكية وأقساط تأمين المخاطر التي فرضتها شركات الملاحة الدولية، وكان من أبرز ملامح هذا التراجع المباشر عبور ناقلة الغاز الطبيعي المسال ديشا المحملة بشحنة قطرية للمضيق متجهة شرقاً نحو محطة داهيج الهندية بعد أن ظلت محتجزة غرب مضيق هرمز منذ مطلع مارس، وينعكس كل تراجع مستدام في أسعار النفط إيجابياً على موازنة الهند حيث يسهم في تقليص فاتورة الواردات الضخمة ودعم استقرار العملة المحلية الروبية وتضييق عجز الحساب الحالي فضلاً عن كبح جماح التضخم.

مكاسب مالية ضخمة للاقتصاد الهندي بعد الاتفاق

ستمتد هذه المنافع الاقتصادية الكبيرة لتنعش قطاعات الطيران والبتروكيماويات والأسمدة واللوجستيات التي عانت شركاتها وتكبدت خسائر فصلية فادحة تعادل أرباح عام كامل بسبب تكاليف الوقود المرتفعة، ورغم ذلك يبقى التفاؤل الحالي مشروطاً باستقرار المشهد الجيوسياسي وعدم تجدد الصراع في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً مع وجود تفاصيل شائكة لم تُعلن بعد حول من سيتولى إدارة الملاحة البحرية، فقد أشارت وكالة الأنباء الإيرانية فارس إلى أن حركة المرور ستخضع لتنظيم مشترك بين طهران وسلطنة عمان وهي خطوة قد تثير حفيظة واشنطن التي يعتبر رئيسها حرية الملاحة حجر الزاوية للاتفاق، يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الحالي يطلق مهلة ستين يوماً فقط للتفاوض بشأن مستقبل برنامج إيران النووي مما يضفي صبغة مؤقتة على المشهد.

وحسب تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن فإن الأزمة الحالية حتى وإن انتهت بفتح مضيق هرمز قد سرّعت بشكل غير قابل للتراجع من استراتيجيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء لتنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة لكي لا يقع الاقتصاد العالمي مجدداً رهينة لـممر الثلاثين كيلومتراً، وتؤكد مصادر ديبلوماسية غمرت أروقة الأمم المتحدة أن الجهود السويسرية نجحت في تقريب وجهات النظر عبر صياغة بند يسمح بمرور السفن التجارية دون قيود تفتيشية معقدة، وهو ما طمأن شركات التأمين البحرية العالمية ودفعها لإعادة النظر في رسوم الطوارئ الإضافية التي فرضتها سابقاً، وساهم هذا التطور في إنعاش آمال شركات النقل البحري العملاقة التي كانت قد بدأت بالفعل في تحويل مسار سفنها نحو طرق بديلة مكلفة.

تحركات دبلوماسية مكثفة لضمان استدامة السلم البحري

أفادت تقارير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أن البنوك المركزية في شتى أنحاء العالم بدأت في مراجعة توقعات التضخم للنصف الثاني من العام الجاري مستندة إلى الانخفاض المتوقع في أسعار الوقود والمواد الخام، ومن المتوقع أن تمنح هذه الانفراجة فرصة للمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا للنظر في خفض أسعار الفائدة لتنشيط النمو الاقتصادي الذيتباطأ بشكل ملحوظ خلال أشهر الصراع، وفي ذات السياق رحبت منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك بالخطوة مشيرة إلى أن استقرار الإمدادات يحمي مصالح المنتجين والمستهلكين معاً، ورغم ذلك يرى خبراء اللوجستيات أن الاختناقات البحرية في الموانئ الرئيسية بسبب تكدس السفن ستحتاج إلى جدول زمني مكثف لتفكيكها وإعادة تنظيم جداول الرحلات البحرية الدولية المنتظمة.

وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن قطاع الشحن البحري بدأ في إرسال إشارات إيجابية للأسواق مع انخفاض مؤشرات الشحن الجاف والناقلات العملاقة فور صدور البيان الأميركي المشترك، وحثت الغرف التجارية العالمية الحكومات على الإسراع في تقديم تسهيلات جمركية استثنائية لمواجهة التدفق الهائل المتوقع للبضائع والسلع الأساسية المحتجزة، ويتطلع المستثمرون في بورصات الشرق الأوسط إلى جلسات تداول إيجابية تعوض الخسائر القاسية التي منيت بها الأسهم القيادية وقطاعات البتروكيماويات طوال فترة توقف مضيق هرمز، ويجمع المراقبون على أن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى التزام الأطراف الموقعة ببنود الاتفاقية وضمان عدم العودة إلى مربع التصعيد العسكري الذي كاد يعصف بأسس الاستقرار المالي العالمي ويدفع نحو ركود تضخمي غير مسبوق.

تطلعات مستقبلية لبناء ممرات بديلة وآمنة للطاقة

تؤكد التقارير الفنية الصادرة عن منظمة الملاحة الدولية أن الممرات المائية البديلة مثل خطوط الأنابيب البرية والمشاريع اللوجستية الجديدة ستشهد تدفقات استثمارية ضخمة في المرحلة المقبلة لتجنب أي أزمات مشابهة، وترى حكومات غربية أن تجربة الإغلاق الأخيرة كشفت عن نقاط ضعف خطيرة في البنية التحتية للاقتصاد العالمي مما يوجب وضع خطط طوارئ عابرة للقارات، ومع اقتراب موعد التوقيع في سويسرا تتوجه أنظار العالم صوب جنيف ترقباً للبيان الختامي المشترك وتفاصيل الملحق الأمني الخاص بحماية السفن التجارية، وفي غضون ذلك بدأت شركات النفط الوطنية في الخليج بتحديث جداول الشحن والتحميل استجابة للطلبات العاجلة من المشترين الآسيويين والأوروبيين، وهو ما يعكس الرغبة الجماعية في تجاوز تداعيات هذه الأزمة التاريخية واستعادة التوازن المفقود في أسواق الطاقة والصناعة العالمية والتحضير لمرحلة جديدة من النمو المستدام.