من إسقاط النظام إلى توقيع الصفقة.. صدمة أسواق النفط تجبر ترامب على التراجع أمام طهران
بأمر رئاسي حاسم يحمل في طياته الكثير من الدلالات الإستراتيجية أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء العمليات العسكرية المباشرة ضد إيران موجها نداءه لسفن العالم لتشغيل محركاتها وضخ النفط مجددا، ويمثل هذا الإعلان عودة دراماتيكية إلى الوضع الراهن الذي كان سائدا في السابع والعشرين من فبراير ليعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي بعد جولة عنيفة من التصعيد المشترك، وجاءت هذه الخطوة لتكشف سريعا عن فجوة عميقة بين الوعود الرنانة والنتائج الإستراتيجية الفعلية على الأرض، حيث تحول السقف المرتفع للحرب الإستراتيجية المتذبذبة في الشرق الأوسط من محاولة حتمية لتغيير النظام الإيراني إلى الجلوس معه على طاولة المفاوضات المعقدة.
وحسب تقرير لموقع الشؤون السياسية الدولية فإن الحرب الإقليمية التي اندلعت بغارات جوية أمريكية إسرائيلية مكثفة أواخر فبراير الماضي كانت تحمل شعارات حاسمة لإنهاء النفوذ الإيراني، إلا أن تلك الأهداف الطموحة واجهت تحديات ميدانية غير مسبوقة تجسدت في شلل خطوط الملاحة البحرية وإغلاق مضيق هرمز الحيوي أمام حركة التجارة العالمية، وضغطت التداعيات الاقتصادية القاسية الناتجة عن استهداف منشآت الطاقة وناقلات النفط على صناع القرار في واشنطن وتل أبيب، مما دفع الإدارة الأمريكية لتسريع وتيرة البحث عن مخرج ديبلوماسي يعوض الإخفاق في تحقيق البدائل الإستراتيجية الكبرى المطروحة بداية الصدام المسلح.
تحولات الأهداف الإستراتيجية وتناقضات التصريحات الرسمية
وتجلى التراجع التدريجي في السقوف السياسية عبر تصريحات متناقضة لمسؤولي البيت الأبيض والخارجية الأمريكية حيث استبعد وزير الخارجية ماركو روبيو الملف النووي من قائمة الأهداف الفورية للحرب، وانحسرت الغايات العسكرية في تقليص قدرات طهران الصاروخية وتدمير ترسانتها البحرية التقليدية لمنعها من مواصلة تسليح وكلائها الإقليميين، ويعكس هذا التبدل البنيوي طبيعة الإستراتيجية المتذبذبة في الشرق الأوسط التي اتبعتها واشنطن لإدارة الصراع الراهن، حيث تداخلت رسائل التهديد والوعيد بضرب المنشآت الحيوية والسيطرة على جزيرة خارك النفطية مع إشارات التهدئة السريعة التي تتحدث عن قرب التوقيع على مذكرات تفاهم ثنائية.
وفي الوقت الذي حاولت فيه المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي صياغة إطار عسكري منطقي ومحدد للعمليات الجوية والبحري، فاجأ الرئيس الأمريكي الجميع بتصريحات مغايرة تماما من على متن طائرة الرئاسة ترهن نهاية الحرب بالقضاء الكامل على منظومة الحكم والجيش في إيران، ولم تقتصر مظاهر الإستراتيجية المتذبذبة في الشرق الأوسط على الأهداف العسكرية العامة بل امتدت لتشمل الموقف من المكونات العرقية المعارضة، حيث تحول الموقف الأمريكي خلال اثنتين وسبعين ساعة فقط من التأييد المطلق لتسليح الأكراد لإشعال انتفاضة مسلحة في الداخل الإيراني إلى الرفض القاطع لأي انخراط كردي في الصراع.
وعلى الجانب الإسرائيلي لم تكن الصورة أكثر استقرارا حيال التقييم النهائي لنتائج المواجهة العسكرية الواسعة مع طهران، إذ أقر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل تكبدت أثمانا باهظة وقاسية خلال أشهر القتال، ورغم حديثه المتكرر عن تحقيق إنجازات عظيمة وجعل إيران أضعف من أي وقت مضى، فإنه اضطر للاعتراف علنا بأن التهديد الصاروخي الإيراني لا يزال مستمرا وقائما، وحاول نتنياهو تقليل وطأة هذا الفشل الإستراتيجي بالادعاء أن تلك القدرات العسكرية العابرة للحدود لم تعد تشكل تهديدا وجوديا مباشرا لأمن إسرائيل.
صدمة أسواق الطاقة العالمية واختبار صمود الجبهات
وعلى مدى قرابة أربعة أشهر من المواجهات المحتدمة فشلت الرهانات العسكرية الغربية في إخضاع مراكز القرار داخل العاصمة الإيرانية، حيث أظهرت القيادة السياسية والعسكرية في طهران قدرة غير متوقعة على تحمل الضربات وصياغة ردود فعل مؤلمة، وتمثلت أبرز تلك الردود في فرض حصار بحري خانق على مضيق هرمز وإحداث شلل شبه تام في أسواق الطاقة والبورصات العالمية، وساهمت هذه الضغوط الميدانية في بروز خلافات عميقة وحادة بين ترمب ونتنياهو وصلت إلى حد تبادل الشتائم والإهانات الشخصية أمام وسائل الإعلام في توقيت حساس.
واستقرت الرؤية الأمريكية الجديدة خلال الأسابيع الماضية على ضرورة حماية التهدئة ورفض أي تصعيد عسكري قد يعرض التفاهمات السياسية للخطر، وفور التوصل للاتفاق سارع الرئيس الأمريكي لإعلان فتح مضيق هرمز مجددا أمام حركة الملاحة دون فرض أي رسوم إضافية، وتزامن ذلك مع قرار الإدارة الأمريكية بالرفع الفوري والكامل للحصار البحري الذي فرضته الأساطيل الأمريكية على الموانئ الإيرانية، مما يؤكد المآلات الواقعية لتبني الإستراتيجية المتذبذبة في الشرق الأوسط والتي أدت للتخلي عن الشروط المسبقة مقابل استعادة استقرار خطوط التجارة الدولية.
غموض التفاهمات الدبلوماسية ومستقبل الصراع الإقليمي
وفي مقابل هذا الاحتفاء الرسمي بالاتفاق عبرت أوساط إعلامية أمريكية مقربة من البيت الأبيض عن انزعاجها الشديد من الغموض والسرية، حيث انتقد الإعلامي مارك ليفين غياب الشفافية وحجب بنود مذكرة التفاهم المشتركة عن الرأي العام والشعب الأمريكي، وطالب ليفين بنشر الوثائق الرسمية للعلن للتأكد من حقيقة الإنجازات السياسية ومدى قدرتها على صناعة سلام حقيقي ودائم، ويعكس هذا الجدل الداخلي حجم التشكيك في جدوى الإستراتيجية المتذبذبة في الشرق الأوسط التي لم تنجح في انتزاع تنازلات حاسمة من الخصم الإقليمي.
ويرى خبراء معهد الشرق الأوسط ومنهم الباحث برايان كاتوليس أن غياب الخيارات العسكرية الجيدة هو ما دفع واشنطن للتراجع، ويترك هذا الاتفاق الهش طهران في موقع قوة إقليمية بفعل احتفاظها بقدراتها الصاروخية وترسانة الطائرات المسيرة الفعالة، وبينما تروج الإدارة الأمريكية للاتفاق باعتباره نجاحا أسفر عن تصفية قيادات بارزة وتدمير أجزاء من البرنامج النووي والبحرية التقليدية، أكد المسؤولون الإيرانيون أن الملفات السيادية الصعبة لن تناقش إلا في المستقبل وبعد التحقق الكامل من رفع الحصار الاقتصادي والبحري عن بلادهم.
ودافع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن الاتفاق واصفا إياه بأنه خطوة تاريخية ستغير الخارطة الإستراتيجية للمنطقة لقرابة نصف قرن، وزعم ترمب في سياق تبرير تراجعه أن القيادة الإيرانية الحالية أثبتت أنها الأكثر عقلانية في التعامل مع الأزمات، وتظل الأيام الستون المقبلة بمثابة الاختبار الحقيقي لمدى التزام الطرفين بالبند التركيبي للتفاهمات، وتؤكد الوقائع أن تأجيل القضايا الجوهرية وعلى رأسها الطموح النووي الإيراني يجعل من هذه التهدئة مجرد استراحة محارب مؤقتة تؤسس لجولة قادمة من الصدام الحتمي.